الجمعة، 8 يناير، 2010

مع ميشيل وعمر

جلسة رائعة جمعتني في لندن أخيرا رغم البرد القارص، والأشغال الشاقة التي أقوم بها هذه الأيام، مع صديقين من أصدقاء الزمن الجميل: المنتج السينمائي الفلسطيني عمر قطان، والمخرج المعروف ميشيل خليفي.
تمكنت من إيجاد فسحة من الوقت للخروج من العمل لقضاء أكثر من ساعة مع الصديقين في مقهى مجاور من مكاتب بي بي سي حيث أعمل، في ريجنت ستريت بوسط لندن.
جاء ميشيل من بلجيكا التي يقيم بها إلى لندن حيث يقيم منتج فيلمه الأخير عمر قطان، لبحث بعض الأمور الفنية معه على ما يبدو.
أهديت نسخة من كتابي الجديد "الشيخ إمام في عصر الثورة والغضب" إلى ميشيل، ففوجئت بأنه يعرف الشيخ إمام معرفة ربما تفوق معرفة الكثيرين من عشاقه بل والمتخصصين فيه أيضا. وروى لي ميشيل كيف أنه زاره مع رفيقيه أحمد فؤاد نجم ومحمد علي، في البيت القديم الذي كانوا يقيمون فيه جميعا في "حوش قدم" بحي الحسين الشهير في القاهرة عام 1982. وقضى ميشيل وقتا طويلا في صحبة الشيخ إمام، وظل يتردد عليه كثيرا بعد ذلك، بل وأدهشني عندما قال لي إنه المسؤول عن إدخال شرائط الشيخ إمام إلى فلسطيني عام 1982 لكي يغني هناك.. وهي دون شك قصة تستحق أن تروى ون تسجل. وقال إنه استخدم نغمة أغنية "إذا الشمس غرقت في بحر الغمام" في أول أفلامه "الذاكرة الخصبة"، وأظهر معرفة هائلة بالكثير من أغاني الشيخ إمام التي يحفظها عن ظهر قلب ليس فقط بكلماتها بل بألحانها، كما أنه يحفظ الكثير من أشعار الفاجومي (نجم)، ويتذكر محمد علي (ضابط الإيقاع) والرسام الذي رحل عن عالمنا قبل أشهر معدودة، ولم يكن ميشيل يعلم برحيله. وروى لي كيف أنه عندما التقاه سأله: هل انت الفنان التشكيلي، فرد عليه محمد بسرعة بديهة وخفظ ظل قائلا على الفور: لا أشكيلك ولا تشكيلي!
كنت قد التقيت ميشيل أخيرا في مهرجان دبي السادس الشهر الماضي، بعد غياب دام ربما أكثر من عشر سنوات (فراقات عشاق السينما فراقات معذبة فعلا.. تصوروا مثلا أنني لم أكن قد التقيت بالعزيز الناقد عدنان مدانات منذ منتصف التسعينيات إلى أن قابلته أخيرا في مهرجان أبو ظبي السينمائي في أكتوبر!)..
مقالي عن فيلم "زنديق" أحد أفلام ميشيل خليفي الذي حصل على ذهبية مسابقة المهر للأفلام العربية الروائية الطويلة، أعجب ميشيل كثيرا.. وقال لي إنه وجد فيه الكثير مما كان في ذهنه فعلا أثناء كتابة وتصوير الفيلم، فقلت إنني لا أعرف ما إذا كان هذا حقيقيا أم لا ولكني عادة ما أعبر عن "رؤيتي" الخاصة للعمل السينمائي، واستقبالي الشخصي له، دون أي محاولة لتجميع "معلومات" مسبقة عن ظروف صنع الفيلم، وإنني آمل دائما أن يكون المقال النقدي تعبيرا عن علاقتي بالفيلم، وأن يكون أيضا قطعة "أدبية" لا تقل أهمية عن الفيلم نفسه، بل تتماهى معه وتدخل أحيانا أيضا، في سجال وجدل مع أفكاره.
حديثنا عن الفيلم والمقال لم يستغرق ثلاث دقائق انتقلنا بعدها إلى السينما ومهرجاناتها وأحوالها في العالم العربي، وإلى اوضاع النقد والنقاد، وناقشنا أيضا بعض الأفكار التي تصلح للتحول إلى سينما.. وكان عمر قطان يصغي باهتمام، وكنت قد تعرفت على عمر للمرة الأولى في مهرجان فالنسيا السينمائي عام 1991 (على ما أتذكر)، وكان موجودا هناك .. شابا يافعا.. جاء لعرض فيلمه الأول كمخرج وهو بعنوان "أحلام في الفراغ"، وقد كتبت عنه في صحيفة "القدس العربي" التي كنت أعمل بها في ذلك الوقت. وهو أصلا من دارسي السينما في بلجيكا، وأظنه تتلمذ على يدي ميشيل خليفي الذي يقوم بالتدريس منذ سنوات طويلة، في معهد السينما البلجيكي الذي تخرج منه. وكان فيلم ميشيل الأول "الذاكرة الخصبة"(1982) إعلانا قويا عن موهبة كبيرة حقا، وعن تيار حداثي بارز في السينما الفلسطينية.
معا.. ضحكنا ونحن نتذكر تلك الايام، ونتذكر ما دار من معارك بعد ذلك حول الكثير من القضايا والمواضيع، وتطرقنا إلى السفه الذي تمارسه بعض المؤسسات في العالم العربي بدعوى الاهتمام بالسينما فيما هي مهتمة أساسا باستعرض نفسها، والغرق في مستنقع الفساد.. والعياذ بالله!
ولا أريد أن أطيل عليكم.. فسأذهب لتناول الشاي الساخن الآن لعله يمنحني بعض الطاقة في هذا البرد المقيم.. وآخر الأنباء عندنا هنا في لندن، تقول إننا سنشهد هطول الثلوج هذه الليلة بحيث نستيقظ صباحا لنجد المدينة وقد غرقت في كتل الثلج الأبيض.. أي تحولت إلى قرية كبيرة تتعطل فيها حركة المركبات الحديثة، حيث لا يصلح في هذه الحالة ربما سوى ركوب الدواب ذات الحوافر التي تغرز في الثلج، للانتقال، على طريقة الاسكيمو.. ولكن من أين نأتي بها.. عندي قطة واحدة، لا اظن أنها تستطيع القيام بالمهمة!

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com