الأربعاء، 11 نوفمبر، 2009

زواج رأس المال بمهرجان القاهرة السينمائي

في مصر زواج " كاثوليكي" معلن، بين رجال المال (الذين يطلق عليهم البعض رجال الأعمال في حين أنه لا هم لهم سوى جمع المال بكل الطرق، المشروعة وغير المشروعة)، وبين رجال السياسة أي حكامنا الأفاضل الذين لا يغادرون مقاعدهم إلا بمعرفة عزرائيل شخصيا. يحصل رجال الطرف الأول على العقود والتسهيلات والتوكيلات والترخيصات من رجال الطرف الثاني، في حين يحصل رجال الطرف الثاني على الرشاوى والهدايا والأراضي والشقق والفيلات والدعم المالي المطلق من رجال الطرف الأول.بعد هذا الزواج "غير الشرعي" بين شيطان المال وشيطان السياسة، يبدو أن هناك من يريدون أن يستحضروا لنا شيطانا من نوع آخر، الشيطان المعدل.. بين المال ومهرجان القاهرة السينمائي.

فقد سرت أخيرا دعوة إلى ضرورة تبرع رجال المال بمليون دولار تخصص لجوائز مهرجان القاهرة السينمائي، من أجل "إغراء" السينمائيين المصريين بالمشاركة بأفلامهم في المهرجان الذي يعاني من إحجام هؤلاء عن المشاركة فيه، ليس لأنه لا يغريهم بجوائز مالية ضخمة كما يردد البعض، بل إحساسا منهم بأنه أصبح مهرجانا "غير محترم"، فهو مهرجان ترأسه امرأة لو تقدمت في اختبار مفتوح للحصول على وظيفة سكرتيرة في المهرجان لرسبت لعدم إلمامها باللغات الأجنبية إلماما كافيا على الأقل، إلى جانب نواقص أخرى عديدة. وهو أيضا مهرجان فضائحه متكررة منذ 33 عاما، لا يمكنه أن يتعلم لأنه مثل كل المؤسسات القائمة، مهرجان هرم، عجوز، يفتقر للحيوية وللثقافة وللمعرفة وللعلم وللشباب أيضا، وتتكالب عليه حفنة من أعضاء جمعية المنتفعين والانتهازيين الذين يتميزون بالجهل المطبق فيما يتعلق بالسينما: تياراتها واتجاهاتها، باستثناء اسم واحد أو اسم ونصف. وعندما يقترح عليهم ذلك "الإسم" الذي يعرف، شخصية لتكريمها مثل المخرج الإيطالي العظيم ماركو بيللوكيو (صاحب الفيلم- التحفة "الانتصار" الذي عرض في مهرجان كان الأخير، وهو من جيل السينمائيين الايطاليين المخضرمين) يقدم المخرج في حفل الافتتاح الاخير على خشبة المسرح، ويعرضون لقطات يفترض أنها من أحد أفلامه، لكي يفاجأ الجمهور بالمخرج يتناول الميكروفون ويقول إن المقطع الذي عرض ليس من فيلمه بل من فيلم مخرج ايطالي آخر هو ايليو بتري.. أي أن بتري مثل بيللوكيو في عرف الست سهير عبد القادر ورفاقها الطيبين. وقديما، قبل 23 سنة، كان هناك مخرج عظيم، لو وجد في أي مهرجان لأصبح الحدث الأكثر أهمية، هو الراحل الكبير سيرجيو ليوني صاحب البصمة المميزة لأفلام بـ"الويسترن ساباجيتي". لكن أحدا في المهرجان لم يلتفت إليه، ولم يتم تقديمه بالشكل اللائق، وقد رأيته يجلس وحيدا متبرما ملولا في ردهة الفندق أكثر من مرة ثم آثر أن يغادر المهرجان قبل نهايته. وعندما جاء المخرج الأمريكي أوليفر ستون قبل 14 عاما إلى المهرجان، أجرى معه صديقنا يوسف شريف رزق الله مقابلة تليفزيونية (على الهواء) وعندما سأله عن رأيه في المهرجان والقاهرة، انبرى ستون يعرب عن استيائه من المهرجان ومن الفوضى القائمة والاهمال، واشتكى من أن لا أحد هنا يريد أن يحدثه عن أفلامه، بل يبدون جميعا أكثر اهتماما بالفقاقيع الموجودة حوله، وقال إن القاهرة مدينة مزعجة، مزدحمة لا تصلح لتنظيم مهرجان.. وكانت مفاجأة مذهلة لصديقنا يوسف الذي اضطر إلى ترجمة معان مخالفة تماما لما قاله ستون، مثل: إنه يقول إن المهرجان جميل والقاهرة بلد دافئ.. وما إلى ذلك بافتراض أن معظم المشاهدين ليسوا من خريجي الجامعة الأمريكية بالطبع!

أما موضوع الزواج المطلوب الآن بين رجال المال ومهرجان القاهرة، فليس مفهوما على الإطلاق بأي حق يمكن أن يطلب المهرجان من رجال المال أن ينفقوا مليون دولار على جوائز المهرجان، فما الفائدة التي ستعم عليهم؟ هل سيقدمون ذلك من "أجل عيون مصر"، أو إرضاء للسيد فاروق حسني الوزير، أم أنهم سيطالبون في هذه الحالة بفائدة ما محددة تجود بها الوزارة عليهم، مثل الحصول على عطاءات محددة لترميم المساجد والأماكن الأثرية التي تتكفل بها وزارة الثقافة وتنفق عليها مئات الملايين مثلا.. وهو ما تردد أيضا أنه يحدث بانتظام مكافأة على شراء هؤلاء الكثير من لوحات الوزير الرسام بإيعاز من مديري مكتبه على طريقة "معرض السيد الوزير يوم الاثنين القادم.. ولا تنس معاليك أن تحضر.. الوزير شخصيا مهتم بحضورك وقد كلفني بدعوة سيادتك.. وربما يعجبك لوحة أو إثنتين من لوحات الوزير.. هه.. هه؟". واللوحة في هذه الحالة لا تباع بآلاف الجنيهات بل بمئات الآلاف طبعا.. أليست "لوحة الوزير".. على وزن "حذاء اللجنة" في رواية صنع الله العظيمة!

ولذا فالسيد الوزير الفنان يردد دائما بثقة أن كل ما حققه من ثروة جاءت من دخل معارضه وبيع لوحاته.. نعم.. وهذا صحيح تماما، وهذه هي تحديدا طبيعة زواج المال بالثقافة، أي مزيد من الفساد.. والعياذ بالله!

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com