الأحد، 1 نوفمبر، 2009

نكتة مؤتمر المثقفين

((يسعدني أن أستضيف في هذا الموقع اليوم الصديق العزيز الكاتب الصحفي الكبير خالد السرجاني في مقال يعبر تماما عما أردت التعبير عنه، وربما أفضل مما كنت سأفعل، وهو يتعلق بالدعوة "المشبوهة" التي أطلقها مؤخرا الوزير- الرسام فاروق حسني في مصر لإقامة مؤتمر للمثقفين، وهي فكرة أوحى له بها فيما يبدو، أحد أتباعه في الوزارة، من الذين اطلعوا على سلسلة المؤتمرات التي عقدها وزير الثقافة الأسبق ثروت عكاشة في اواخر الستينيات وقت أن كانت مصر تشهد مخاضا هائلا وحركة تغيير تمور تحت السطح وفوقه، في السينما والمسرح والأدب والشعر والإبداع عموما. وشتان ما بين الفترتين، وشتان أيضا بين الوزيرين)).

بقلم: خالد السرجانى

دعا وزير الثقافة إلي عقد مؤتمر للمثقفين، من أجل عرض أفكارهم وطرح برنامجه الذي عرضه علي المجلس التنفيذي للمنظمة الدولية من أجل أن يكون هو خطة العمل في وزارة الثقافة في مصر. وبالطبع فإن هذا المؤتمر ما هو إلا محاولة من الوزير لتأمين دخول المثقفين إلي الحظيرة، وحتي يضمن ألا يعارضه منهم أحد في هذه الفترة الحساسة التي تعقب هزيمته في اليونسكو، ولضمان بقائه في منصبه مدي الحياة.
ولابد من الإشارة أولا إلي البرنامج الذي قدمه إلي المجلس التنفيذي لليونسكو والذي لم يحظ بدعم من الأعضاء، حيث كتب سمير العطية في الطبعة العربية من «اللوموند دبلوماتيك» في مقال لم ينشر في الطبعة المصرية التي تصدر كملحق لجريدة الأخبار «أجمع كلّ من حضر المرافعة التي قدّمها السيّد حسني أمام المندوبين أنّها كانت أدني من المتوسّط»: دون خطّة لإصلاح المؤسّسة، في حين ظهرت انتقادات واضحة تتعلّق بسوء الإدارة السابقة، ودون توجّهات واضحة حول محاور التنمية في مجالات التربية والعلوم والثقافة وغيرها، تأتي بانطلاقة جديدة. هذا في حين لا تخلو مصر ولا البلاد العربيّة ولا حلفاؤهم من اختصاصيين في هذه المجالات، كان يمكن أن يكوّنوا طاقماً حول المرشّح ليقدّم مشروعاً بنّاءً وقويّاً لإدارة احترافيّة. وهكذا كان يُمكن للسيّد حسني أن ينجَح قبل ألاعيب الدورة الرابعة من التصويت. إلاّ أنّه، وللأسف، لم يصنع الفرق منذ المرافعة الأساسيّة من حيث وضوح الرؤية لمؤسّسةٍ تعاني من مشاكل عديدة».
ويضيف العطية: «المعركة كانت إذاً هنا علي الأرض، علي التفاصيل، علي البرامج، علي حسن الإدارة، وعلي هذه الأرضيّة كان تقييم مشروع المرشّح العربي: «أقلّ من الوسط». فلماذا قامت مصر بخوض هذه المعركة دون أسلحة؟ ثمّ اكتشفت بعد المعركة أنّ لها وللعرب أعداء؟ ولماذا لم ينجَح هؤلاء الأعداء في حالاتٍ أخري، كما بشأن السيّد محّمد البرادعي، الرئيس المصري السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية؟
ويختم كلامه بالقول: «الموضوع يتعلّق بأنّ الترشيح والمعركة لم يرافقهما طرحٌ محاور أساسيّة كان يُمكن أن تهزِم «وبسهولة» الابتزاز الأمريكي والإسرائيليّ «وعنصريّة بعض وسائل الإعلام الغربيّة النافذة» «وتخلق تضامناً قويّاً من العرب والأفارقة وأمريكا اللاتينيّة وغيرها.فحتّي لو تمّت خسارة المعركة حينها، فإنّها علي الأقلّ كانت لتكون خسارةً حول المبادئ والبرامج».
فهل يريد الوزير أن يطبق هذا البرنامج دون المتوسط في مصر، أم أن المؤتمر يتجاوز ذلك. وكيف يطبق برنامج أعد لكي يكون عالمياً يدعو إلي حوار الحضارات، في وزارة ذات طابع محلي. أم أن المؤتمر ما هو إلا خطوة من الوزير لكي يؤكد أنه مازال يستطيع أن يجمع «كل» المثقفين من ورائه علي النحو الذي سار عليه في بداية عهده عندما جمع له الأستاذ أحمد حمروش المثقفين في جامعة الدول العربية تحت مظلة اللجنة المصرية لتضامن الشعوب الأفريقية الآسيوية لكي يعرض عليهم استراتيجية لم ينفذ منها شيئا حتي الآن.
ولنا أن نسأل الدكتور جابر عصفور ما المعيار الذي سيعتمد عليه لتعريف المثقف وهناك تعريفات متعددة لهذا المصطلح، أم أنه سيعتمد علي دعوة الكتاب وأعضاء لجان المجلس الأعلي للثقافة؟ وهل سيجد مثقفين يوافقون علي الجلوس مع ممثل لسلطة تعتقل «المثقف» مسعد أبو فجر علي الرغم من عشرات الأحكام القضائية التي قضت بالإفراج عنه، ولسلطة ترفض الإفراج عن «كريم عامر» بعد قضائه ثلاثة أرباع المدة وهو سجين رأي ومعتقد ولا تريد أن تساوي بينه وبين تجار المخدرات والسجناء الجنائيين.

ولنا أيضا أن نسأل هل استمع الوزير من قبل لآراء المثقفين ونفذ بعضا منها، حتي يعقد مؤتمرا لهم لكي يعرضوا تصوراتهم حول المستقبل وحتي لو كان سيعرض هو نفسه تصوره فهل هو مستعد للاستماع إلي تحفظاتهم أو تصوراتهم المضادة وتنفيذها؟
بالطبع لا، لأن الأمر لو كان يتعلق بديمقراطية الثقافة لكان السيد فاروق حسني هو آخر من يطبقها وتجربته علي مدي 33 عاماً تؤكد ذلك وتعييناته لكبار مسئولي الوزارة التي تتخذ طابعا شخصيا وعدم تطبيق القانون فيما يتعلق بخروجهم إلي التقاعد تؤكد ما نذهب إليه حول ديكتاتورية الوزير وشخصنته لوزارته، وعدم مشاركة «المثقفين» الحقيقيين في أي من قراراته واستخدامه الشكلي لهم تؤكد أن الهدف من المؤتمر هو الإيحاء لبعض المثقفين أنهم مشاركون في القرار والأهم هو تأكيده لمن يعين الوزراء أو يقيلهم أنه مازال يضع المثقفين في حظيرته. وذلك أحد المسوغات الضرورية لبقائه في منصبه.
إن دعوة الوزير لمؤتمر المثقفين لا تتعد أن يكون نكتة سخيفة طالما سمعنا منه العديد منها، وكلها تسعي إلي تدجين المثقفين وضمان ولائهم له، ولم نسمع منه أي حديث حول استقلالية الثقافة وإدارة المثقفين لأمورهم ومؤسساتهم، وعن استقلال المؤسسات الثقافية، لأنه لن يرضي الدولة التسلطية التي يعمل الوزير في إطارها. ففي كل دول العالم المتقدم، ماعدا فرنسا ذات التراث اليعقوبي المركزي لم تعد هناك وزارة للثقافة، تتبعها المؤسسات الثقافية، ولا يعني ذلك تخلي الدولة عن دعم الثقافة، وإنما عادة ما تكون هناك مؤسسات مستقلة تحصل علي دعم غير مشروط من الدولة. ولدينا في مصر مؤسسات من المفترض أن تكون مستقلة لكنها للأسف مستقلة اسما لا فعلا بسبب تدخل الدولة في شئونها، وعادة ما تتدخل الدولة من أجل إجهاض أي محاولة للاستقلال، ويكفي أن نشير إلي ما فعلته من أجل ألا يشكل الكتاب اتحادا أو نقابة مستقلة لهم، وسنت قانوناً جعل اتحاد الكتاب أسيرا لدي الوزير المختص وهو وزير الثقافة.
أما الجمعيات الثقافية العريقة فهي أسيرة لدي وزارة التضمن الاجتماعي التي تتحكم فيها عبر قانون الجمعيات، والمجلس الأعلي للثقافة الذي تأسس ليكون بديلا عن الوزارة في فترة ألغيت فيها الوزارة، مشكل من موظفين أكثر عددا من المثقفين والكتاب.
إن الاستراتيجية التي يجب علي المثقفين أن يبحثوها، ومن خارج إطار الوزارة هي كيفية الاستقلال عن الوزارة ذاتها، ولابد وأن تكون الأطر المعنية بذلك هي الأطر المختصة مثل اتحاد الكتاب، واتحاد الناشرين، و جمعية نقاد السينما، وجمعية الفيلم، واتحاد السينمائيين التسجيليين، وأتيليه القاهرة، ونادي القصة ونقابة التشكيليين، ونوادي هيئات التدريس بالجامعات. وغيرها من الأطر الثقافية المفترض أن تكون مستقلة. وعلي كل هذه المؤسسات أن تبحث فيما يعنيها أولا، كأن يبحث اتحاد الكتاب ما يتعلق بحرية التعبير والحريات الفكرية، وأن يبحث اتحاد الناشرين مستقبل صناعة الكتاب وعوائقه المتعلقة بالتصدير والاستيراد، فيما تبحث نوادي هيئات التدريس ما يتعلق بالحريات الأكاديمية، والجمعيات السينمائية تبحث في مستقبل صناعة السينما والعوائق الرقابية التي تعترض صناعة السينما في مصر.
ولابد من أن يبحث الجميع عن كيفية تحويل دور وزارة الثقافة من مهيمن علي العملية الثقافية إلي منسق لها، من دون صلاحيات كبري. فهل الوزير علي استعداد لمثل هذا السيناريو العملي المنتج البديل عن سيناريو تحويل مؤتمر المثقفين إلي مظاهرة لتأييده؟

(عن "الدستور" المصرية اليومية)

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com