الخميس، 22 أكتوبر، 2009

فيلم "كاريوكا" لنبيهة لطفي: قوة الشخصية تطغى على ضعف الفيلم!


شهد مهرجان أبو ظبي السينمائي العرض العالمي الأول للفيلم الوثائقي الطويل "كاريوكا" (60 دقيقة) للمخرجة اللبنانية المقيمة في مصر نبيهة لطفي، وقد عرض الفيلم داخل المسابقة المخصصة لهذه الأفلام إلا أنه لم يحصل على أي جائزة.
و لاشك أن أول انطباع يتولد لدى المشاهد للفيلم هو أن "تحية كاريوكا" هي عنصر الجاذبية الأساسي في الفيلم، اي أن الشخصية وما يحيط بها من رونق كبير وسحر أسطوري، تظل هي أساس اهتمام المشاهدين وليس القيمة الفنية للفيلم و شكل المعالجة أو طريقة الإخراج، أي التعامل مع المادة.
والمقصود أن كاريزما كاريوكا: الراقصة والممثلة والمغنية والمناضلة السياسية والنقابية والإنسانة ذات القلب الكبير، هي ما يشد المتفرج إلى الشاشة بحثا عن أية ثغرة يمكنه النفاذ منها للاطلاع على حقيقة تلك الشخصية الفذة التي عاشت عصرها، وامتزجت معه بكل عنفوانه، وشقت مسيرة حياة حافلة بالشهرة والمجد، ووصلت إلى قمة ذلك السلم، دون أن تتخلى قط عن اهتماماتها الإنسانية الكبيرة، مفضلة دوما، الدور الإنساني والاجتماعي بل والسياسي على دور "البرنسيسة" الجميلة التي أثارت بقدرتها الخاصة على تحويل الرقص الشرقي إلى فن تعبيري رفيع، مشاعر ملايين الرجال في العالم وليس فقط في العالم العربي.
بعد المدخل الجيد المثير الذي تستخدم فيه المخرجة مقاطع من ذكريات شخصيات عديدة من الذين عاصروا تحية كاريوكا، ستعود إليهم تفصيلا عبر الفيلم، سرعان ما يهبط الإيقاع ويتحول الفيلم إلى مجرد "درس" مدرسي في الإنشاء كما في فن الفيلم الوثائقي، يصلح للتدريس على طلاب في إحدى مدارس الفيلم في أوائل الخمسنيات!
هذا الفيلم نموذج مجسد لكل ما يجب تجاوزه في السينما الحديثة، وثائقية كانت أم خيالية: التعليق الصوتي الإنشائي الطويل، تتابع عدد من الصور الفوتوغرافية واللقطات المنتزعة من عدد من الأفلام التي ظهرت فيها تحية كاريوكا، مقابلات إذاعية مسجلة مع كاريوكا تروي خلالها قصة حياتها، ثم، وهذا هو الجهد المحدد الذي قامت به المخرجة، مقابلات مصورة مع عدد من الشخصيات التي عاصرت الفنانة بدا أن كثيرا منها اختير على نحو عشوائي او حسبما تيسر وتوفر. فلا أظن على سبيل المثال، أن المخرج يسري نصر الله هو الأقدر على تقديم شهادة مهمة عن كاريوكا، ولا صنع الله ابراهيم الذي لا يقول شيئا ذا قيمة عنها على أي حال، مع كل التقدير والاحترام الواجب لهذين المبدعين، لكن ظهورهما في الفيلم ربما كان يسيء إليهما أكثر مما يضيء بقعة في حياة كاريوكا!
إلا أنها أيضا تجاهلت الكثير من الشخصيات المهمة التي ارتبطت بها كاريوكا في حياتها مثل سمير صبري مثلا الذي وردت اشارة غامضة إليه في الفيلم دون أن نفهم لماذا لم تجر المخرجة معه مقابلة، وكذلك الراقصة فيفي عبده التي يتردد اسمها الأول على لسان رجاء الجداوي ايضا بشكل يستعصي على فهم المتفرج الذي لا يعرف علاقتها بكاريوكا.

نبيهة لطفي

لقد حاولت نبيهة لطفي إعادة رسم "بورتريه" للراحلة الكبيرة تحية كاريوكا التي تركت بصمة لا تمحى على عصر بأكمله، ولكن دون نجاح يذكر، فقد اعتمدت فقط على توليف خليط من الصور واللقطات والمقابلات المصورة، واستنفذت جانبا كبيرا من الفيلم في الوقوف بدهشة أمام تفاصيل كثيرة دون إشباع مثل موضوع "الجبهة الوطنية" ودور تحية كاريوكا فيها، وشهادات شريف حتاتة وصلاح عيسى ومحمود امين العالم وصنع الله وغيرهم، وهو موضوع ربما يمكن أن يكون جزءا من فيلم مستقل عن العلاقة بين الفن والسياسة بنوع من التعمق أكثر من ذلك المرور العابر الذي يعاني رغم سطحيته، من التضخم في الزمن، والذي يشير إلى شخصيات وأحداث، قد لا يعرف أكثر مشاهدي اليوم شيئا عنها مثل مصطفى كمال صدقي وحركة السلام وحدتو ولماذا كان يقبض على شخص مثل حلمي رفلة في تلك الفترة من أوائل الخمسينيات، لكن المخرجة رغم اهتمامها الكبير بالجانب السياسي، تهمل تحول كاريوكا فيما بعد إلى مناهضة للناصرية والالتحاق بركب الثورة المضادة في عصر السادات، والتصدي مع فايز حلاوة (زوجها الأخير) لإنتاج والقيام ببطولة مسرحية "يحيا الوفد" التي اعتبرها صلاح عيسى في ذلك الوقت (عام 1974) "مانيفستو المرحلة"، والتدشين الفكري لسياسة الانفتاح الاقتصادي.
تقسيم الفيلم نفسه إلى أجزاء يتم بطريقة مدرسية مثل الكراسات و الملفات البدائية كما لو كانت الشخصية تتكون من ملفات مصنفة على طريقة: في عالم الرقص، في السينما، العالم الخارجي وحضور الاحتفالات الدولية والمهرجانات، دورها في عالم السياسة، زيجاتها وأزواجها (13 زوجا) قدمت بشكل مضحك وبدا كما لو كان يحمل سخرية منها، ثم بالطبع موضوع مشاكلها المتراكمة مع زوجها الأخير فايز حلاوة الذي لا يوضح لنا الفيلم لماذا كانت تحية تريد بكل هذه الضراوة التخلص منه وكيف تدهورت العلاقة بينهما إلى هذا الحد، وما انعكاس ذلك على حياتها عموما بل وكيف كان ممكنا أن تعيش معه 17 سنة من الزواج!


إن مشكلة نبيهة لطفي أنها لاتزال تتعامل مع أسلوب ولغة الفيلم الوثائقي بتلك النظرة التقليدية الرتيبة "الدعائية" التي تضفي نوعا من التقديس على الشخصية التي تتناولها، وهو ما يجعلها تتجنب التوقف أمام الكثير من النقاط المثيرة للجدل في حياة تحية كاريوكا، لطر ح تساؤلات جريئة تسعى إلى الكشف والاكتشاف بدلا من فكرة "التكريس" و"التأكيد" و"التبني"، فالفيلم لا يتيح للجمهور المشاهد أدنى فرصة لطرح التساؤلات أو التوقف أمام حدث ما في حياة الفنانة للولوج إلى عالمها من زاوية أخرى غير مألوفة، في نسيج مركب يتسم بالحيوية والانتقال بين الخيوط المختلفة لرواية "دراما" وثائقية عن تحية كاريوكا، والتحقيق أيضا فيما تقوله الشخصيات عنها، فلماذا لم تكلف نبيهة نفسها مثلا توجيه سؤال واحد إلى رجاء الجداوي عن تقاعسها عن تقديم المساعدة الحقيقية إلى خالتها تحية كاريوكا في أواخر حياتها، دون التذرع بأنها كانت ترفض المساعدة في حين أنها قبلتها من سيدة كويتية أهدتها مسكنا!
إن فيلم "كاريوكا" مشروع فيلم بدا أنه صنع على عجل، أساسه هو تركيب مجموعة من الصور على صوت التعليق المدرسي الذي استغنت عنه السينما الوثائقية الحديثة منذ عقود، مع عدد من الشهادات التي يتم مزجها كيفما اتفق، وتذبذب في الإيقاع بطريقة تفقدنا القدرة على المتابعة، واستخدام الكثير من اللقطات غير الصالحة من الناحية البصرية للاستخدام في السينما، فقط لما تظن المخرجة أن لها قيمة تاريخية، ونميل إلى أن هذه الصور تتوفر بصورة أفضل، ولكن ربما تكون أكثر تكلفة من الناحية المادية.
لهذه الأسباب فإن فيلم "كاريوكا" هو مشروع فيلم قد يثير استفزاز سينمائيين آخرين وتحفيزهم لصنع الفيلم الأكثر اكتمالا، الذي يليق بمكانة "كاريوكا"!
((تحذير: جميع الحقوق محفوظة للناشر ويحظر إعادة النشر بأي شكل من الأشكال))

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com