الاثنين، 5 أكتوبر، 2009

رحيل الفارس الثالث: محمد علي يغادر عالمنا


محمد علي (إلى اليمين) في شبابه مع الشيخ إمام ونجم في صورة نادرة


حزنت حزنا شديدا عندما علمت صدفة خلال الساعات الأخيرة بوفاة محمد علي (1930- 2009)، فنان الإيقاع الذي ظل يضبط الايقاع وراء الشيخ إمام العظيم لأكثر من ثلاثين عاما. عرف الشيخ إمام منذ أن كان طفلا في حي الحسين العريق بالقاهرة. وسكن معه في الشقة الضيقة التي عاش ومات فيها الشيخ إمام في حوش قدم الذي أصبح شهيرا بفضل الشيخ إمام.
الفارس الثالث هو محمد علي، بعد الشيخ امام (رحمه الله)، والشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم متعه الله بالصحة والعافية.
كان محمد علي رجلا نبيلا يشع من عينيه حزن دفين، ورغم أنه لم يتعلم القراءد والكتابة إلا أنه كان أكثر ثقافة ومعرفة بالعالم من كثير من المتعلمين والمثقفين، وكان له احساس خاص بموسيقى وألحان الشيخ إمام. وقد صرح في احدى المقابلات بأنه ترك مهنته الأصلية وكان من الصائغين (العاملين في محلات الذهب) لكي يلتحق بالشيخ إمام بعد انضمام أحمد فؤاد نجم اليه عام 1962، واخذ يردد أغاني الشيخ إمام ويضبط الايقاع أحيانا باستخدام يديه فقط (أي عن طريق التصفيق بيديه بايقاعات الاغنية). وهناك عشرات الأغاني التي يمكننا أن نستمع فيها إلى صوت صفق اليدين وكيف تمكن محمد علي بعبقريته الخاصة من ابتكار هذه الطريقة التي تنتمي للروح الشعبية المصرية البسيطة، لكي يستغني عن الطبل والرق وما شابه من آلات الايقاع الشرقي، وأصبح يستطيع بالتالي أن يتحرك بسهولة ويسر ويتواجد في أي مكان دون أن يحمل آلات خاصة وهو ما كان يتوافق مع الظروف والأوضاع التي كان يغني فيها الشيخ إمام.
وأتذكر أنني خلال مرحلة الجامعة في زمن السادات عندما كان محمد علي يأتي مع امام ونجم ويغني وراء الشيخ إمام في مدرجات الجامعة وسط مئات الطلاب، وكان محمد علي يطرق بيده على المنضدة الخشبية الموجودة فوق المنصة، ولم يكن يستخدم الطبل أو الرق. وكانت لديه القدرة حتى على ضبط الايقاع باستخدام الكرسي.
محمد علي، ضابط الايقاع الذي كان يردد أيضا وراء الشيخ امام وصوته تحفظه عشرات الأغاني الشهيرة، فاجأنا جميعا في السبعينيات حين كشف عن موهبة فطرية في الرسم، عن فنان تشكيلي تلقائي جميل، لوحاته تشبه حقا رسومات الأطفال إلا أنها تعبر أفضل ما يكون عن، رؤيته وتجربته الخاصة في الحياة، وكانت تنبض بالشقاء والألم وألوان وأحلام الفقراء الذين نشأ وتربى محمد علي وسطهم. وكانت أيضا تعكس موقفه السياسي الرافض للسادات وسياساته.
ولم يتخل محمد علي أبدا عن رفيق عمره الشيخ إمام، بل لازمه في كل رحلاته إلى الخارج: إلى فرنسا ولندن وروسيا واليمن ولبنان وسورية وليبيا والجزائر. وقد قابلته عندما جاء مع الشيخ امام إلى لندن عام 1985.
وبعد تفجر الخلاف الشهير الذي انتهى بالقطيعة بين الشيخ إمام ونجم في منتصف الثمانينيات، ظل محمد علي إلى جوار الشيخ إمام حتى النهاية.

عن تجربة الاعتقال في زمن عبد الناصر يقول محمد علي في إحدى المقابلات التي أجريت معه:
"مرت علينا فترات من الصدام مع السلطة منذ أيام عبد الناصر.. فقال له محمد حسنين هيكل: دى صرخة جوع. واقترح عليه أن نعمل فى الإذاعة والتليفزيون. وبالفعل دخلنا الإذاعة والتليفزيون على أساس أننا سنشبع ونخرس كما خطط هيكل. وعملت أيضا ضابطا للإيقاع معهم فى التليفزيون. وكان الأستاذ رجاء النقاش جزاه الله خيرا يقدم لنا برنامج نصف ساعة يوميا فى التليفزيون اسمه "من ألحان الشيخ إمام". وأحضر لنا مطربين مثل لبلبة ومحمد رشدى الذين أخذوا منا أعمالا. وبالفعل كان من أحسن ما غنته لبلبة أغانى مثل: "يا خواجة يا ويكا يا بتاع أمريكا، يا حرامى العامل جوه الفابريكا"، وغنت أغنية: "شعبان البقال عقبال الأنجال اتوظف واتنظف واتعدل له الحال". وغنى محمد رشدى أغنية "دلى الشيكارة"، وأغنية "الغربة". و غنت فايدة كامل أغنية "حى على الكفاح"، وأغنية "شوف الحكاية". يعنى عدة مطربين أخذوا من كلمات نجم ومن ألحان إمام. وظللنا نقدم البرنامج ونقول فيه كل ما نريده بالتليفزيون دون أن يمنعنا أحد. لدرجة أن أغنية "جيفارا مات" لما مات المناضل العظيم جيفارا استأجرت السفارة الكوبية ساعة فى التليفزيون وساعة فى الإذاعة وأذاعوا الأغنية. ولكن بعد شهر. وبعد دخولنا الإذاعة لاحظ عبد الناصر أن مريدينا يزدادون. وأننا لم نتوقف. فقرر الإيقاع بيننا وتعيين الشيخ إمام على الدرجة الثالثة مكرر. فامتنعنا عن الذهاب رفضا لهذا الإقلال من قيمة الشيخ إمام. فصدر أمر سياسى بتلفيق قضية مخدرات لنا. وعلمنا أن عبد الناصر كان يريد اعتقالنا. ولكن هيكل أشار عليه بالقول: "لو اعتقلتهم ستصنع منهم أبطالا. ومن الأحسن أن تلفق لهم قضية مخدرات". وبالفعل، حصل ذلك. حوالى سنة 1966 تقريبا".
أما عن اعتقاله في زمن السادات فيروي محمد علي الحكاية التالية في حوار مع الصحفي أشرف شهاب:
"اعتقلت مرتين بسبب أننى أيام السادات أيام ما كان بيهلفط (يردد تخاريف وكلاما أبله)، ويقول أننا لا نستطيع أن نحارب أمريكا، وكلاما عن الضباب والعلاقات وما شابه. فقمت برسم حمار ماشى فى طريق الضباب.. ورسمت الوجه وجه السادات، والجسم جسم حمار. فقام العيال ولاد الكلب بتوع جامعة القاهرة.. وأخذوا الصورة وطبعوا منها بالآلاف، وعلقوها على الجدران. فجاءنى البوليس إلى المنزل. ولكن الصورة لم تكن موجودة بالمنزل. فقالوا: لا.. إحنا مش جايين نقبض عليك.. إحنا جايين نتفرج على أعمالك الفنية. وتركونى ومشوا. وصدر أمر بالقبض علينا نحن الثلاثى بعدها مباشرة. وتحرجت الحكومة من أن تقول أن تهمتى هى رسم وجه الرئيس السادات على شكل حمار، فقالوا إن تهمتى أننى "عازف إيقاع أغانى لقلب نظام الحكم"!! هذا كان نص التهمة. وكان المحامى المعروف أحمد نبيل الهلالى سليل الباشاوات هو المحامى الذى يدافع عنى. وعندما دعانى القاضى، وقف الهلالى بصفته وكيلا عنى. فقال له القاضى تفضل.. فقام الهلالى وأخذ يدق بيديه على مكتب القاضى على شكل إيقاع أغنية. فسأله القاضى ما الذى تفعله يا سيادة المحامى المحترم؟ فقال له الهلالى: هذه يا سيدى القاضى تهمة موكلى.. تهمة محمد على هى الطبلة.. طبلة محمد على هى التى ستقلب نظام الحكم يا سيدى القاضى.. إذا كانت طبلة محمد على هى التى ستقلب نظام الحكم.. فماذا ينتظر السادات؟ لماذا لا يرحل؟ فانفجر جميع من كانوا فى قاعة المحكمة ضاحكين. فأعطانى القاضى حكما بالبراءة. ولكن السادات عاد مرة أخرى واعترض على حكم القاضى.. واعتقلنى للمرة الثانية".
رحم الله محمد علي ألف رحمة.

2 comments:

omar manjouneh يقول...

كانت هناك اعتقالات , لكن على الأقل كان هناك حراك جرئ و مباشر و روح انتماء لهذا الوطن. بقيت الاعتقالات , وسافرت الروح لتشجيع المنتخب .

غير معرف يقول...

الله يرحمه يا أمير ويرحمنا.. نحن نعيش أسوأ أيام حياتنا.. أيام مملة ليس لها طعم. أيام مليئة بالمدعين والأفاقين والحرامية.. الله يرحمه ويتولانا برحمته.

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com