الجمعة، 4 سبتمبر، 2009

ماذا يحدث في مهرجان فينيسيا؟



افتتاح صاخب يتحدى كان وغير كان، وحشد غير مسبوق من الأفلام الأمريكية (17 فيلما منها 6 في المسابقة)، وتنوع شديد يثري المهرجان بأعمال من بلدان لم يسمع أحد أنها تنتج أصلا أفلاما سينمائية (هناك فيلم من سيريلانكا في المسابقة)، وبلدان أخرى كان وجودها شبه معدوم لعقود كاملة (السينما المصرية التي تعود بثلاثة أفلام داخل وخارج المسابقة).
ليس من المضمون على الاطلاق أن تكون الأفلام الأمريكية على المستوى الفني المنتظر، والفيلمان اللذان شاهدناهما بالفعل وهما "الطريق" لجون هيلكوت، و"الحياة في زمن الحرب" لا يبشران بأي أما، ليس من الناحية الحرفية كما يتصور البعض أحيانا، فالـ"الصنعة" أو الحرفة لا غبار عليها، وهي لم تعد أصلا موضوعا للمناقشة في السينما الأمريكية التي تمتلك أعظم أدوات تكنولوجية في العالم، لكننا حين نقول أن الفيلم ردئا أو ضعيفا، لا نقصد أنه رديء من الناحية الحرفية، فهذا لايزال أمرا مطروحا في تناول الأفلام العربية من المغرب إلى لبنان، ومنها الكثير جدا مما نطلق عليه "أفلاما" تجاوزا أو على سبيل المجاز والتشبيه!
المهم.. لكي لا نتوه كثيرا، أعود لأقول إن الضعف قد يكون مرتبطا بطريقة صياغة الموضوع وأسلوب الحكي ولغة الفيلم واستخدام لغة السينما في التعبير عن موضوع معين، وبدرجة أساسية هنا، استخدام المونتاج بطريقة فنية تجعل الصور واللقطات والمشاهد المؤتلفة معا، تعبر عن "رؤية" بصرية وذهنية تثير من المتعة، بقدر ما تثير من الاهتمام.
وأما فيلم الافتتاح الايطالي "باريا" Barria أو "باغيريا" طبقا للهجة المحلية (أو ربما العمس هو الصحيح) فقد أثار ردرد فعل متباينة. يعتبره الكثيرون هنا أضخم انتاج في تاريخ السينما الايطالية (35 مليون دولار)، وأنا شخصيا معجب كثيرا جدا بتسخير هذه الميزانية الطائلة (ليس بمفاهيم هوليوود بل بمفاهيم أوروبا والبلدان المتقدمة والمتخلفة معا!) من أجل التعبير عن فكر سينمائي مجنون عاشق للسينما عن حق، يعبر عن ذكرياته ويروي تاريخ أسرته المرتبط وخلال ذلك يروي تاريخ ايطاليا من زمن الفاشية حتى عصرنا هذا.
الصورة والحركة (حركة الكاميرا والممثلين وتعاقب اللقطات) والتكوينات المدهشة، والموسيقى العبقرية لموريكوني، هي أبرز ما يميز هذا الفيلم. لكنه يسقط في الاختبار تحديدا بسبب سقوط مخرجه ومبدعه في التكرار والاستطرادات وعدم قدرته على السيطرة على الإيقاع والتركيز في السرد في الثلث الأخير من الفيلم.
الطريف أن "باريا" من انتاج شركة يملكها رئيس الحكومة الايطالية بيرلسكوني الذي امتدح الفيلم كثيرا وأثنى على اختياره لافتتاح المهرجان رغم أنه يروي قصة تتقاطع فيها مصائر الأفراد على خلفية سياسية محددة تنحصر في انتماء بطله بل وعائلته كلها إلى الحزب الشيوعي.
وهناك من سخر من تعليقات بيرلسكوني على الفيلم وطالبه بالكف عن القيام بدور "الناقد السينمائي" أيضا، أو بالأحرى، المنتج والناقد!
يمكنني القول أننا حتى الآن لم نر أي مفاجأة حقيقية. لكننا شاهدنا عملا أصيلا لامعا هو الفيلم البالغ الرقة والرونق والجمال "أمير البكاء" (تايوان- هونج كونج- الصين) الذي أتوقع أن يظهر في النتائج النهائية للمهرجان عند إعلان الجوائز. وسيكون لي وقفة تفصيلية أمامه فيما بعد.
أخيرا.. وعلى الرغم من التجديدات والاضافات الكبيرة التي طرأت على المهرجان إلا أن هناك فوضى لم أشهد لها أنا شخصيا، مثيلا منذ سنوات بعيدة.. فالنقاد والصحفيون يضطرون للانتظار أكثر من 30 دقيقة بعد موعد عرض الفيلم مرتين يوم الخميس فقط. وعندما بدأ عرض فيلم "الحياة في زمن الحرب" الأمريكي بعد 45 دقيقة من التأخر عن موعده، فوجيء الجمهور الايطالي بعدم مطابقة الترجمة مع حواره، وأخذ الجمهمر يطلق صيحات الاستهجان والاحتجاج ولكن بلا جدوى بالطبع، وهنا نقول أن هناك خللا (ليس فقط في النسخة التي أرسلت للمهرجان) بل في اللجنة المشرفة على سلامة واستقامة النسخ التي كان يجب أن تفحصها بدقة قبل اقرار عرضها (في المسابقة ايضا)!
وكلا الأمرين: التأخير المخل، والعيب في ترجمة الفيلم، ليس من الممكن تصور حدوثهما في مهرجان "كان" مثلا وإلا انقلب المهرجان كله واضطرب جدوله، لكنه يحدث في فينيسيا دون أن تقع أي كارثة.
لكن لا يجب أن ننسى أبدا أننا في إيطاليا: بلد العشق اللاتيني والمشاعر المتدفقة الحارة.. ألا يعوض هذا عن كل الأخطاء الصغيرة!

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com