الثلاثاء، 29 سبتمبر، 2009

يوميات لندن: ثلاثة مهرجانات في الطريق



أمير العمري


أمامي برامج لثلاثة مهرجانات سينمائية دولية ستقام كلها في شهر أكتوبر (المجيد!).. مهرجان لندن (14- 30 اكتوبر)، ومهرجان أبو ظبي (الشرق الأوسط الدولي من 8 إلى 17 أكتوبر)، ومهرجان الدوحة (تريبيكا) من 29 أكتوبر- 1 نوفمبر.
الأفلام تداخلت وتناسخت وتكررت بطريقة تستعصي على الترتيب. أقدم هذه المهرجانات هو مهرجان لندن السينمائي (هذه الدورة ستكون الثالثة والخمسين)، أتابعه منذ سنوات طويلة، منذ أن كان الكثير من الكاتبين في نقد الأفلام وغير الأفلام لايزالون في مرحلة الطفولة المبكرة جدا، وليست هذه ميزة لي بالضرورة، كما أنها لا يجب أن تكون عيبا، لكنها الحقيقة التي ترعبني أحيانا!
أما مهرجان أبو ظبي فهو يجتاز هذا العام دورته الثالثة بطموح كبير جدا لأن يصبح مهرجانا دوليا كبيرا، مع العلم أنه يقام في بلد ليس فيه صناعة سينمائية ولا حركة سينمائية أصلا، لكنه يسعى إلى اجتذاب العالم كله إلى عاصمة دولة الإمارات، وجعلها بؤرة سينمائية، للصناعة وللفن.. وكان المهرجان قد تعثر في دورتيه السابقتين، وقرأت عنه تقارير سلبية من كتاب أثق في أحكامهم.
هذا العام استورد المهرجان مديرا فنيا له هو بيتر سكارليت (وهو ناقد وخبير مهرجانات بلاشك). ورأيي الشخصي في هذا الأمر، بموضوعية كاملة، أن هذا القرار صائب للغاية، ولم لا؟ لقد سبق أن طالبت باستيراد مبرمجي ومديري المهرجانات العربية لكي يضعونها في السياق الصحيح قبل الادعاء بالقدرة على تنظيم المهرجانات، فمن واقع خبرتي الخاصة في المهرجانات العربية أثبتت التجربة فشلها دائما، فمهما كان المدير العربي منظما وطموحا دائما هناك من يفرضون عليه أشياء لا يقبل بها فقط كونه عربيا مثلهم (يتحدث بلغتهم) أما الأجنبي فله عند العرب رهبة كبيرة (وأنا هنا لا أستثني أحدا من العرب، العاربة منهم والمستعربة).
ولا يخفى على أحد أن "عقدة الخواجة" موجودة فعلا، لسبب بسيط للغاية، أن الخواجة (الأوروبي الأمريكي تحديدا) أثبت خلال أكثر من أربعة قرون أنه الأكثر تفوقا، سواء عن طريق الاستعمار أو غير الاستعمار، ولكن أساسا، وحتى بعد زوال عصر الاستعمار، واصل "الخواجة" تقدمه في مجال العلوم الطبيعية والإنسانية في حين انزوى العربي في خيمته (مجازا) يغط في نومه، ويرضى بفكرة أن "الله معه" دائما لأنه الأكثر إيمانا. ومن جهة أخرى أخذ العربي الموجود في مراكز السلطة والنفوذ يضطهد ويستبعد ويطرد العربي الذي يعرف، لسبب بسيط أيضا، أن الذي يعرف يهدد بضياع نفوذ من لا يعرف ولكنه يحكم ويتحكم في مراكز النفوذ والقوة.. ومهرجانات السينما أيضا!
بيتر سكارليت من خلال البرنامج الذي وصلني، وضع أفضل برنامج لمهرجان "دولي" يقام في المنطقة العربية، وأشدد على كلمة "دولي" هنا بمعنى international أي ليس مهرجانا عربيا أو افريقيا متخصصا بل مهرجان مفتوح لسينما العالم كله.

بيتر سكارلت مدير مهرجان أبو ظبي السينمائي


ولكن بحكم طبيعة البلد والمنطقة التي يقام بها، اهتم سكارليت كثيرا بالسينما العربية، بتسليط الأضواء على تجاربها الجديدة المتميزة حتى لو كانت تتمثل في فيلم أول لمخرج شاب يجرب حظه في الإخراج شأن فيلم "هليوبوليس" المصري لمخرجه أحمد عبد الله مثلا.
هنا جاء جدول المسابقة الرسمية متوازنا بدرجة كبيرة، ما بين الأفلام القادمة من العالم، وتلك القادمة من العالم العربي ومحيطه الطبيعي الذي يعرف بالشرق الأوسط، أي من تركيا وإيران مثلا. سيشهد المهرجان مثلا العرض العالمي الأول لفيلم "بالألوان الطبيعية" للمخرج أسامة فوزي الذي لم يقدم شيئا منذ فيلمه الشهير "بحب السيما" (2004). وفي رأيي الشخصي أن الافتتاح بفيلم أسامة فوزي كان أفضل من الافتتاح بفيلم "المسافر" للمخرج أحمد ماهر الذي احترق بعد عرضه في فينيسيا وردود الفعل السلبية العديدة تجاهه خاصة من جانب بطله الممثل الكبير عمر الشريف!
وتضم مسابقة الأفلام الروائية 18 فيلما منها 6 أفلام عربية، و7 أفلام من بلدانى العالم الثالث (منها تركيا وايران وبنجلاديش)، و5 من روسيا وفرنسا والولايات المتحدة وكندا. والملاحظ وجود فيلم واحد أمريكي في المسابقة على العكس من الدورتين السابقتين.
أما مهرجان الدوحة فهو أقل طموحا، سواء في عدد أيامه (4 ايام فقط)، أو في نوعية برنامجه، أو في الشخصية التي تديره.
فقد وقع الاختيار على مقدمة برنامج السينما في قناة الجزيرة العالمية (الناطقة بالانجليزية).. ولابد أن يكون الشخص أو المسؤول الذي أسند المهمة إلى هذه المذيعة (وهي استرالية شقراء تدعى أماندا بالمر) قد أعجب بطريقتها في تقديم برنامج السينما وبالمقابلات التي تجريها مع نجوم السينما، وتصور أنها يمكنها أن تصنع لهم في الدوحة مهرجانا سينمائيا ناجحا. ولعل هذا يذكرني على نحو ما، بشخصية عربية رحلت الآن، كانت قد قررت عمل مهرجان دولي لأفلام التليفزيون فكلفت شركة سوني بتنظيمه، فقط لأن المسؤول العربي رأى أن "ماركة" جهاز التليفزيون الموجود في مكتبه من نوع "سوني"!
ما علينا.. الأخت بالمر المعجبة بنفسها (وهذا من حقها طبعا، فهي تتمع بالحسن والجمال) وضعت روابط لعشرات الحلقات التليفزيونية التي قدمتها من برنامجها التليفزيوني على موقع مهرجان الدوحة السينمائي لعلها بذلك تقول للمترددين عليه إنها البنت "الشطورة" "اللهلوبة" "بتاعة السيما ونجوم السيما" التي ستأتي لهم بما لم يأت به الأولون، بل وكتبت في مجال التعريف بنفسها على الموقع ذاته (بالانجليزية) إنها اكتسبت الاعتراف الدولي عن طريق دعمها غير المحدود للسينمائين المستقلين في العالم، وإنها من أكبر الخبراء في العالم بالسينما العربية!
وقد وضعت صورتها في كل مكان في الموقع، وكتبت تحتها في الصفحة الرئيسية "بالمر تقدم مهرجان الدوحة تريبيكا السينمائي" وهو رابط إلى شريط فيديو صنعته تتحدث فيه عن المهرجان وعلاقته بمهرجان نيويورك التي لا نفهم شيئا عنها، كما لا نفهم كيف يمكن لبالمر بقدراتها المحدودة كمقدمة برامج تسلية entertainment أن تتحدث عن "تعليم المجتمع القطري وتأهيله سينمائيا"!
ولا تضع بالمر إلى جوارها أي شخصية أخرى من الشخصيات التي تستعين بها في ادارة المهرجان ومنها أسماء مثل ليزا كيرشنر، وتامي روزين وجوناثان روسو وغيرهم.

أماندا بالمر مديرة مهرجان الدوحة

أما مشكلة بالمر الحقيقة، أو لعله هنا "مأزق بالمر"، فينحصر في أن مهرجانها الذي تقيمه هيئة قطر للمتاحف وسيقام في مقر المتحف الاسلامي بالدوحة، يأتي بعد مهرجان أبو ظبي مباشرة، وقبل مهرجانات القاهرة ودمشق ودبي، وهي مهرجانات "عملاقة" قياسا إلى مهرجان الأخت بالمر مهما كان رأينا في هذه المهرجانات أو ملاحظاتنا عليها التي يعرفها قراء هذه المدونة جيدا، بل إن مهرجان الدوحة (الذي لا ندري بالضبط فائدة تعاقده مع مهرجان تريبيكا بنيويورك سوى أنه يحمل اسمه تماما مثل الكوكاكولا التي تنتج في بلدان العالم الثالث أو سجائر مارلبورو التي تشتري الإسم، ثم تصنع توليفتها الخاصة غير الأصلية بالطبع!) يتقاطع مع مهرجان دمشق (الذي يفتتح في 31 اكتوبر) ومهرجان أوسيان للسينما العربية والآسيوية بالهند (الذي يفتتح في 24 أكتوبر ويستمر حتى 30 منه).
والغريب أيضا أن مهرجان الدوحة لا يهتم بالأفلام التسجيلية، على العكس من مهرجان أبو ظبي الذي خصص مسابقة كاملة لهذا النوع من الأفلام تشمل 15 فيلما منها ما يعرض للمرة الأولى في العالم، ومنها أفلام "نعيش هنا" لمحمد زرن من تونس، و"1958" لغسان صلهب من لبنان، و"شيوعيين كنا" لماهر أبي سمرا من لبنان أيضا، و"جيران" لتهاني راشد، و"كاريوكا" لنبيهة لطفي من مصر، و"من مرفأ الذاكرة" لكمال الجعفري من فلسطين، و"مبدأ الصدمة" للمخرج البريطاني الكبير مايكل وينتربوتوم، كما سيعرض خارج المسابقة فيلم جديد هو "ما هتفت لغيرها" للناقد والمخرج اللبناني محمد سويد.
وقد كان بودي أن أذهب إلى الدوحة، ليس لمشاهدة الأفلام التي سيعرضها المهرجان فقد شاهدت معظمها في كان وفينيسيا، بل وفي مهرجان روتردام الذي يقام عادة في بداية العام مثل فيلم "المر والرمان" لنجوى النجار الذي يتردد أن بالمر قررت ضرورة حصوله على جائزة رئيسية من الجوائز المخصصة للأفلام العربية، كما قررت أيضا حصول فيلم "بابل" لمحمد الدراجي على احدى الجوائز، لكني كنت أرغب فقط أن أرى كيف سيتمكن فريق بالمر الذي لا خبرة سابقة له ولها في إدارة المهرجانات، من اقامة هذا المهرجات، وأن أعرف ما الذي يربطه بمهرجان نيويورك الذي حصل على 15 مليون دولار مقابل بيع اسمه، لكن يبدو أن المهرجان لا يرحب بالنقاد المخضرمين من أمثالي ولا يرحب أصلا بالنقاد العرب، بل سيكتفي على الأغلب، بدعوة البعض من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، وغالبا أيضا، بعض مديري المهرجانات الذين يقومون بتسهيل حصول أماندا بالمر على الدعوات التي تبقيها طيلة العام تدور وتلف بالمهرجانات الدولية بحجة الإعداد لبرنامجها السينمائي.. إنها هنا "عقدة الخواجة" بالمعنى السلبي، ليس الخواجة صاحب الخبرة بل الخواجاية صاحبة العيون الزرق والشعر الأشقر!
وقد ترددت أنباء أيضا عن اهتمام خاص لدى بالمر بالسينما الإسرائيلية، وبأنها قد تدعو أفلاما إسرائيلية وسينمائيين من اسرائيل بعد أن كانت قد خصصت حلقة من برنامجها لفيلم "عجمي" الذي اشترك في اخراجه مخرجان: يهودي وفلسطيني. ولكن يبدو أن أحدا في الدوحة لفت نظر بالمر إلى خطورة هذه الخطوة (التي نعلم يقينا أنها كانت شديدة الحماس لها) واكتفت بأن أتت بالمخرج المشارك وهو اسكندر قبطي (من فلسطينيي اسرائيل) وأسندت إليه مهمة تنظيم ورشة عمل للشباب الراغب في تعلم تصوير الأفلام.
جدير بالذكر أنه بعد أن ترك الصديق محمد مخلوف عمله بالمهرجان كمستشار اقليمي، لم يعد هناك أي عربي يعمل في إدارة المهرجان بل كلهم من العجم، وحتى المسؤولة الصحفية (وهي أمريكية من أصل عربي) لا تعرف اللغة العربية. مهرجان الدوحة السينمائي سيعرض 33 فيلما منها 22 فيلما من دولتين فقط هما الولايات المتحدة وبريطانيا. وباقي الأفلام من ايران وكندا ومصر والمجر وتونس وفرنسا والنمسا وفلسطين والصين. والمهرجان لا ينظم مسابقة لكنه سيمنح جائزتين باسم الجمهور لأحسن الأفلام (باستفتاء أو استطلاع رأي عبر أوراق توزع على المشاهدين) تبلغ قيتها المالية 100 ألف دولار. ويتردد حاليا أن محمد مخلوف يعد لعقد مؤتمر صحفي يعلن فيه أسباب الخلافات التي نشبت مع مديرة المهرجان الاسترالية أماندا بالمر، وقد استغنى المهرجان أيضا عن العربي الذي حل محل مخلوف وهو الموزع السينمائي اللبناني طلعت قبطان. وأصبح المهرجان حاليا يعمل ببركة دعاء الوالدين.

الأمر الملفت للنظر بشدة في برامج المهرجانات الثلاثة تكرار أسماء معينة من الأفلام مثل "ابن بابل" للمخرج العراقي المقيم في بريطانيا محمد الدراجي. وقد قيل إن عرضه في أبو ظبي سيكون العرض العالمي الأول، وهي معلومة غير صحيحة فقد ثبت أنه شارك في مهرجان سان سباستيان الدولي في اسبانيا الذي انتهى أخيرا.
وهناك من بين الأفلام المتكررة أيضا "الرأسمالية قصة حب" للأمريكي مايكل مور، و"احكي ياشهرزاد" للمصري يسري نصر الله، و"واحد صفر" للمصرية كاملة أبو ذكري، و"أسرار مدفونة" للتونسية رجاء عماري، و"لا أحد يعرف عن القطط الفارسية" للإيراني بهمن قوبادي، و"عن إيلي" للإيرانية أشجار فرهادي، و"المخبر" للأمريكي سودربرج، و"الزمن الباقي" للفلسطيني إيليا سليمان.
سأحضر مهرجان أبو ظبي للمرة الأولى، وسأحضر مهرجان لندن السينمائي أو الجزء الأعظم منه. وبعد ذلك سأذهب إلى الهند لحضور مهرجان أوسيان للأفلام العربية الآسيوية في نيودلهي، وهو مهرجان جدير بالاكتشاف تماما مثلما الهند "قارة" جديرة بالاكتشاف.

الأحد، 27 سبتمبر، 2009

فاروق حسني ضحية الموساد!


"فاروق حسني ضحية مؤامرة شارك فيها 8 من ضباط المخابرات الاسرائيلية (الموساد) ذهبوا إلى باريس وأخذوا يضغطون على الوفود التي ستدلي بأصواتها في انتخابات رئيس اليونسكو الجديد".

"فاروق حسني ضحية إسرائيل التي جندت خبيرين من خبراء العلاقات العامة والدعاية من شركة "ساتشي آند ساتشي" المعروفة لكي يقودا حملة تشويه في الصحافة الفرنسية ضد المرشح المصري فاروق حسني".

هذه الأقوال وغيرها أبرزتها أجهزة الإعلام المصرية خلال اليومين الماضيين استنادا إلى ما ورد في مقال لصحفي فرنسي كان أساس اهتمامه في الحقيقة إبراز ذلك الشرخ في العلاقة القائمة بين رئيس الوزراء الفرنسي كوشنير (وهو على الأغلب يهودي ومتعاطف مع اسرائيل) ورئيس الجمهورية الفرنسية ساركوزي (وهو ايضا يهودي ولكنه متعاطف أكثر مع حسني وربيبه فاروق في هذه القضية بالذات)!

هذا هو موجز بسيط لتلك الحملة المضادة التي بدأها الاعلام المصري بقيادة سدنة فاورق حسني من المثقفين والمتثاقفين، الصحفيين والمتصاحفين، من صحف الحكومة وعشيقتها المعارضة، وخصوصا جريدة الحزب الناصري المسماة (العربي) والمعروف أن توزيعها لا يزيد عن 60 نسخة (توزع غالبا على المشتغلين بالجريدة من قوى الشعب العامل)!

وقد توعد الكاتب محمد سلماوي (الذي كان مرشحا لخلافة فاروق حسني في وزارة الثقافة لأسباب كثيرة يعود بعضها إلى التشابه بينهما في السلوك والتفكير) بأن يكشف لنا "مؤامرة الموساد" ضد وزيره الحبيب، ولكي يثبت للجميع كيف تدخلت الدولة الإسرائيلية لاسقاط فاروق حسني. والهدف الواضح حتى للعميان، محاولة تبرير استمرار فاروق حسني على رأس وزارة الثقافة إلى أن يأتي الله أمرا كان مفعولا. فبعد هزيمته في اليونسكو أشارت كل الاستطلاعات حتى بعض ما أجرته صحف وبرامج تليفزيونية في قنوات مصرية مثل "الحياة" وغيرها إلى رفض شعبي كبير لاستمرار فاروق حسني على رأس وزارة الثقافة، وطالبته بالرحيل، تعبيرا عن رفض الشارع استمرار سياسة الرجل الواحد التي تشل الحياة السياسية والثقافية في مصر منذ 30 عاما.طبيعي أن تستعين إسرائيل لتحقيق هدفها بعدد من العاملين في سلكها الدبلوماسي أو غير الدبلوماسي بما في ذلك المخابرات، وهو نفس ما فعلته الحكومة المصرية بالضبط حين خصصت وفدا هائلا من العاملين بالخارجية والمخابرات والعلاقات العامة، لكي يقيموا لمدة شهرين في باريس للدعاية لفاروق حسني، والحديث إلى الوفود والصحف والمسؤولين الفرنسيين وغير الفرنسيين. وقد ظهرت رئيسة هذا الوفد أكثر من مرة على شاشة التليفزيون لتتفاخر بأن أعضاء الوفد لا ينامون الليل بل يواصلون عملا شاقا على عدة جبهات من أجل إنجاح المرشح المصري.

هذا النوع من النشاط جزء لاشك فيه من "الحملات" التي تدور قبيل أي انتخابات في أي مكان في العالم. فهل الحملة بكل ما يستخدم فيها من أساليب، سواء كانت أخلاقية أم غير أخلاقية، موسادية أم ملوخية، تعتبر نوعا من التآمر.. والمؤامرة.. والعيب، أم أن هذه هي طبيعة الأمور؟

الواضح أن كلمة "الموساد" بكل ما تمثلها في الضمير العربي تستخدم هنا لإشاعة نوع من الإثارة الشديدة التي يترتب عليها أن يصبح كل من يعارض فاروق حسني "خائنا للوطن"، وربما أيضا عميلا للموساد.

ولكن.. أليست إٍسرائيل هذه التي يحملون عليها اليوم صديقة لهم بحكم المعاهدة.. والكويز.. والغاز.. والتنسيق الأمني والاستخباراتي.. والملف الغزاوي.. وأشياء أخرى!أليست أمريكا ربيبة اسرائيل هي الحليف الاستراتيجي لكم، وهي التي قادت الحملة ضد فاروق، بينما أعلنت إسرائيل من البداية أنها ضد ترشيحه ثم تظاهرت بأنها تنازلت عن المعارضة وانضمت إلى الحكومة بعد أن ناشدناها على طريقة (والنبي سيبوا لنا فاروق المرة دي يعدي لليونسكو ياخويا الله يخليك!).

فلما فشل فاروق نتيجة لمحصلة حملات سياسية متبادلة من جانب مؤيديه ومعارضيه، جاء موسم العويل والبكاء وتصويره باعتباره بطلا وضحية للموساد أيضا مما يستوجب بقاءه في السلطة حتى الموت الزؤام.ولذا لزم التنبه والتحذير أيضا من الوقوع في الفخ!

رحلة بالكاميرا داخل عقل الإرهاب


تتناول عناوين الأخبار كثيرا موضوع الإرهاب والجماعات الإرهابية وما يكتنفه من غموض، وما يحيط به من طقوس وأساليب وطرق خاصة خفية، خاصة ما يتعلق منها بتجنيد عناصر يكون لديها الدافع من البداية للتورط في عمليات ترويع للآمنين من الناس.
وتتناول الأفلام التسجيلية والوثائقية المصورة للسينما والتليفزيون جوانب كثيرة تتعلق بموضوع الإرهاب، سواء من خلال أسلوب "التحقيق" الشهير وإعادة ترتيب الوقائع والمعطيات المتوفرة وتحليلها واستقراء الآراء المتباينة فيها، أو الاعتماد على المزج بين المواد المصورة وتقليب النظريات المختلفة ودعمها بآراء الخبراء والقريبين من الأحداث والاستعانة بمواد الأرشيف وغير ذلك.
غير أن الخيال السينمائي نادرا ما يتعامل بموضوعية مع موضوع الإرهاب والإرهابيين، فإما أنه يلجأ إلى الصور النمطية الكاريكاتورية للشخصيات التي تمارس العنف بغرض دفع المشاهدين إلى النفور منها، أو جعل الموضوع مسيسا تماما واستخدامه لطرح رسالة سياسية تتفق وأغراض صناع الفيلم.
وأحيانا ما تتعامل السينما مع الإرهاب من خلال منهج التحليل النفسي في محاولة للتعرف على الدوافع "المَرَضية" للإرهابيين، مع مزجه باستعراض الدوافع الاجتماعية المحتملة.
ولعل الفيلم الفلبيني "مدينة كافيتي" يتجاوز بجرأة يحسد عليها مخرجاه: إيان جامازون ونيل ديلا لانا، الخط التقليدي الذي يفصل عادة بين التسجيلي والروائي، وينتقلان في رحلة مثيرة بالكاميرا بهدف إعادة اكتشاف آلية الإرهاب من خلال عمل ربما يصلح أن يندرج في نوع أقرب إلى "سينما العصابات" على غرار "حرب العصابات".



دراسة بالصورة
هذا فيلم روائي (أي يفترض أنه خيالي) لكنه يعتمد على دراسة دقيقة موثقة للأماكن والشخصيات والأساليب التي تتبعها الجماعات الموسومة بالإرهاب في تجنيد العملاء واللجوء خلال ذلك السعي المحموم - إلى أكثر الوسائل تطرفا وانعداما للإنسانية.
تدور أحدث هذا الفيلم الصاخب في مدينة كافيتي الساحلية الواقعة إلى الجنوب من العاصمة الفلبينية مانيلا. هذه المدينة التي تمتلئ بمظاهر الفقر المدقع هي أبعد ما تكون عن الصورة السياحية التي تقدمها عادة الأفلام التي تدور في الفلبين. وصور أطفال الشوارع الفقراء في أسمالهم البالية والتكدس السكاني والمواصلات البدائية وتردي الخدمات والأحياء القصديرية ، كلها تختصر الوعاء الحاضن للإرهاب حسب ما يعتقد صناع الفيلم.
بطل الفيلم شاب في الثانية والثلاثين من عمره، فلبيني ولد ونشأ في الولايات المتحدة، عاد لتوه في زيارة إلى بلده الأصلي الذي لا يعرفه بل ولا يستطيع الحديث بلغته وإن كان يفهمه.
هذا الشاب (آدم) يفاجأ منذ وصوله بأنه أصبح مختطفا عن طريق هاتفه المحمول، فهناك من تمكن من الوصول إليه ومحاصرته طوال الوقت، من خلال الهاتف، بعد ان يخبره أن والدته وشقيقته اختطفتا وأصبحتا محتجزتين كرهينتين.
والمفترض أن عناصر تابعة لجماعة أبو سياف هي التي اختطفت والدته وشقيقته، وأن زعيم الجماعة هو الذي يخاطبه عبر الهاتف، يصدر له تعليمات صارمة يتعين عليه أن ينفذها في الحال وإلا قتلت الرهينتان.
والفيلم مصور باستخدام كاميرا حرة محمولة على اليد، ونحن نشاهد الأحداث من وجهة نظر (آدم) الذي يبدو وقد اصبح سجينا داخل إطار الصورة، يحاول طيلة الوقت الإفلات والتذرع بشتى الذرائع، ولكن دون جدوى.
يطلب (الزعيم) منه أن يتبع رجلا يسير في الشارع، إلى أن يشاهد ما يحدث للرجل الذي يذبحونه في أحد الشوارع الخلفية، ويقال له إنه قتل لأنه لم ينصاع لتعليمات الجماعة، ويحاول آدم الفرار لكنه يجد نفسه محاصرا، يختطف طفل حقيبة يده ويهرب، يتابعه آدم محاولا استعادتها، لكن "الزعيم" يحذره بقوله: أنت لست في حاجة إليها.
يطلب منه أن يشتري بيضة ويكسرها ويشرب ما في داخلها، يشعر بالقرف الشديد والغثيان، ثم يتوغل في حي من الأحياء الهامشية التي لم يسبق أن دخلتها كاميرا سينمائية من قبل، يطلبون منه التوجه إلى البنك وسحب مبلغ 75 ألف دولار، هي كل ما تركه له والده الذي قتل لأنه رفض الانصياع للجماعة.
ويكتشف أنهم يعرفون كل شئ عنه وعن أسرته بل يقال له إن والده كان عضوا في الجماعة، وإنه قام بتفجير حافلة في مانيلا راح ضحيتها 28 شخصا. يرفض مذهولا تصديق ذلك، يحاول التمرد والنكوص، يتوسل بكل طريقة أن يعفونه من المهمة وأن يرحما والدته وشقيقته، يلومه الزعيم على إهماله للدين، واستغراقه في المجتمع الأمريكي الذي أنساه أصله وثقافته ودينه.


غسيل مخ
آدم يقول له إن الإسلام الذي يتحدث عنه هو دين الرحمة والتسامح والمغفرة، وإن أمثاله هم الذين يسيئون إلى الإسلام. يأمره الزعيم بشراء تذكرة لمشاهدة مصارعة الديوك التي تجري في أماكن بدائية بطريقة وحشية. يقول له إنهم قتلوا والده لأنه وشى بهم للسلطات.
إنها عملية غسيل المخ المنظم التي تتبعها الجماعة.
يتمكن آدم من سحب المبلغ بالفعل، يأمرونه بالحصول على حقيبة من طفل يلتقطها ويذهب، يعتقد أن في داخلها قنبلة، ويطلبون منه التوجه إلى بلدة قريبة لوضعها داخل كنيسة.
يرفض ويصر ويتشدد في الرفض: لا أستطيع أن أفعل ذلك.. ليس ممكنا.. بطارية الهاتف المحمول فرغت من الشحن، يختطف هاتفا من يد فتاة في الشارع ويتكلم مع الزعيم، يقول له الأخير إنهم قتلوا والدته لأنه لم ينفذ التعليمات. يصرخ غضبا وحنقا وإحباطا: لقد ماتت البطارية.. كنت أبحث عن هاتف. يبكي من شدة التأثر، يوشك على الانهيار التام.
لم تُقتل والدته لكنهم قطعوا لسانها، كما يسمع عبر الهاتف وسيقتلون الرهينتين إذا لم ينفذ المطلوب. هذا ما يخبره به الزعيم. يوافق في النهاية مضطرا راضخا.
الزعيم يحدثه عن المذابح التي ترتكبها الحكومة ضد المسلمين وقيامها بتدمير آلاف من منازلهم. "لقد قتلوا 69 مسلما داخل مسجد و يأمره بدخول مبنى كنيسة قديمة في البلدة، يصر على البقاء إلى جوار الحقيبة التي بداخلها القنبلة. الزعيم يأمره في إلحاح مشوب بالتهديد الحاد بتركها ومغادرة الكنيسة.
يغادر الكنيسة.. لا نرى الانفجار.. موسيقى الناي الحزينة تغلف المشهد.. يقول له الزعيم عبر الهاتف: "اذهب وتطهر من ذنوبك.. اعتتنق الجهاد".

يتذكر الفتاة التي أراد الزواج منها في أمريكا وهي تقول له: "لا أستطيع أن أنجب ابنا مسلما".
يتجه في النهاية يتوضأ ويصلي، وينتهي الفيلم الغريب ويتركنا مع تساؤلات عن مصير بطله: هل يصلي ندما وتوبة على ما اقترفت يداه، أم نزولا على ما نصح به "الزعيم"؟ هل آدم في طريقه للانضمام إلى الجماعة والانسلاخ من ثقافته الأخرى "الأمريكية"، هل جذبته التربة الفلبينية وعاد إليه وعيه وانتماؤه، أنه فقد حريته وأصبح آلة في يد عصابة لا تعرف الرحمة.
الفيلم بأكمله يبدو مصورا في لقطة واحدة ممتدة، واللقطات إما قريبة للشخصية الحبيسة، أو عامة لتحقيق الإحاطة بالمكان من جهة، وخلق التناقض الحاد مع اللقطات القريبة من جهة أخرى.
ويجعل مخرجا الفيلم بطله القادم من الخارج، من الثقافة الأخرى، يتحدث بالإنجليزية، بينما يخاطبه "الزعيم" باللغة المحلية.

واقعية تسجيلية
ويعتمد الفيلم على الإيقاع السريع اللاهث، وعلى الكاميرا الحرة اتي تجعل المنظور يهتز، والصورة تتأرجح لكي تعكس حالة الاضطراب الشديد التي يعاني منها البطل.
ويستخدم المخرجان طريقة كتابة التوقيت والتاريخ والمكان على الشاشة في كل مشهد، لمزيد من إضفاء الواقعية التسجيلية على الأحداث.
ورغم الواقعية الصارمة في بناء وتصميم المشاهد واللقطات، لا يكشف الفيلم عن آلية الإرهاب من خلال مشاهد التفجيرات والشخصيات الشيطانية التي تظهر عادة في الأفلام، بل من خلال الكشف عن القناعات الثابتة من خلال الحوار، وعملية غسيل المخ القاسية التي يتعرض لها البطل.
ويبتعد الفيلم عن تصوير مشاهد العنف باستثناء لقطة واحدة لذبح رجل في الطريق، فاهتمام الفيلم ينصب أكثر على سيكولوجية الإرهاب وليس على أشكاله المباشرة. وهو درس في البلاغة لمن يريد أن يرى ويتعلم.
((تحذير: جميع الحقوق محفوظة ولا يجوز اعادة نشر هذه المادة دون إذن من ناشر المدونة))

الخميس، 24 سبتمبر، 2009

حول الفيلم التونسي الجديد "الدواحة" أو "أسرار مدفونة"


هذا رابط إلى مقالي عن الفيلم التونسي "الدواحة" أو (أسرار مدفونة" الذي شارك في قسم "آفاق" في مهرجان فينيسيا السينمائي الأخير كما نشر في موقع "الجزيرة الوثائقية" وهو موقع متميز يهتم بالسينما بكل أنواعها وليس بالأفلام الوثائقية فقط، كما يقدر نقاد السينما ويهتم بابراز مقالاتهم وكتاباتهم ويسلط الأضواء على النشاط السينمائي في العالم العربي والعالم، وينشر مجلة شهرية مخصصة للسينما التسجيلية تهتم بالدراسات والأبحاث الجادة. موقع لا غنى عنه لكل المهتمين بالسينما من القارئين بالعربية.

الأربعاء، 23 سبتمبر، 2009

الفيلم الإسرائيلي "لبنان" الفائز بالأسد الذهبي في فينيسيا


بقلم: أمير العمري

أعترف بداية أنني لم أنبهر بالفيلم الإسرائيلي "لبنان" Levanon الذي عرض في مسابقة مهرجان فينيسيا السينمائي وحصل على جائزة الأسد الذهبي لأحسن فيلم.
صحيح أن زاوية الرؤية جديدة، إذا جاز التعبير، إلا ان الفيلم لا يقدم موضوعا جديدا، بل يدور داخل نفس الدائرة "الذاتية" التي يدور فيها كثير من الأفلام الإسرائيلية منذ سنوات طويلة قد ترجع إلى عام 1982 عندما قدم آموس جيتاي فيلم "يوميات حملة" الذي يعد حتى الآن أفضل تلك الأفلام وأقواها وأكثرها إدانة للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، رغم أن جيتاي عاد بعد سنوات من فيلمه هذا وأفلام أخرى كانت تشي على الأقل، بموقف متوازن في تناول موضوع الصراع العربي الاسرائيلي أو تقديم الجانب "الآخر" منه مثل "بيت" و"وادي" وغيرهما، عاد لكي يأخذ بدوره دفة التبرير والتباكي بعد أن كان قد أعلن بوضوح "موت الحلم الصهيوني والحاجة إلى تجاوزه"!
أما فيلم "لبنان" فيقترب أكثر من فيلم السيرة التبريرية- إذا جاز التعبير المسمى "الرقص مع بشير"، وهو فيلم الرسوم الذي حقق أصداء كبيرة قبل أقل من عامين، وكان يسترجع تجربة صانعه ومخرجه آري فولمان، خلال الحملة العسكرية الإسرائيلية على لبنان في 1982 وخصوصا الجريمة الكبرى التي وقعت في صابرا وشاتيلا والتي تولى الفيلم تبرئة صانعه وزملائه منها والقائها بالكامل على عاتق ميليشيات حزب الكتائب اللبناني.
كان "الرقص مع بشير" مبتكرا في طريقة صنعه وأسلوب صانعه في التعبير عن ذكرياته بل وفي روايته لكيف نشأت الفكرة في ذهنه أصلا، فكرة عمل الفيلم. وكان أهم عنصر في هذا الفيلم يتعلق بفكرة "السينما العلاجية" أو الفيلم كوسيلة للعلاج therapeutical عن طريق استرجاع الذكريات ومواجهتها وبالتالي التخلص من كوابيسها للأبد.
فيلم " لبنان" بدوره مستمد من ذاكرة مخرجه وصانعه شاموئيل ماعوز Samuel Maoz الذي وجد نفسه داخل دبابة إسرائيلية مع ثلاثة من زملائه الشباب وهم في أوائل العشرينيات من عمرهم، في السادس من يونيو 1982، مطلوب منهم التوجه إلى بلدة لبنانية في الجنوب لمواجهة فصيل من المقاتلين الفلسطينيين.
تفاصيل المشاهد واللقطات ليست مهمة كثيرا لأنها عبارة عن تناسخ من بعضها البعض، أو عزف على النغمة نفسها، أي نغمة الحرب القاسية اللعينة التي تنتهك براءة هؤلاء الفتيان في عمر الزهور، وكيف أن القيادة مجرمة بينما الجنود ضحاياها فهم عاجزون عن التعامل مع الواقع الميداني بالعنف المطلوب لأنهم مجرد أولاد لم يشبوا عن الطوق بعد، لا يعرفون القتل، ولم يمارسونه من قبل، بل ويحجمون الآن عن ممارسته في مواجهة الطرف الآخر "العدو"، مما يتسبب في مقتل أحد زملائهم.
ويصورالفيلم كيف أصبح المدنيون اللبنانيون ضحايا لقوات المقاومة الفلسطينية التي تستولي على منازلهم وتحولها إلى مواقع قتالية مما يجعل الإسرائيليين يضطرون إلى قصفها على مضض، مع التأكيد على "تفادي المدنيين"، وكيف يسارع جندي اسرائيلي إلى إنقاذ امرأة لبنانية بعد أن اشتعلت النيران بثوبها، ثم كيف يدفعها دفعا بعيدا عن مرمى النيران.
في مقابل الواقع الذكوري الخشن، القاسي، العنيف، في ساحة حرب يصورها الفيلم باعتبارها حربا "عبثية لا هدف لها، يتذكر أحد أفراد طاقم الدبابة الإسرائيلية كيف يمكن أن تكون أمه الآن واقفة أمام صورته وهو طفل، تتأملها في يأس وتمزق، قبل أن تتناول حبة الفاليوم (دواء مهديء) لكي يساعدها على النوم بينما هو بعيد عنها لا تدري أي مصير ينتظره.
جندي آخر يتذكر كيف أن أمه كانت تحتضنه وهو صغير فيشعر بالرغبة الجنسية، وكيف أنها من فرط حبها له وإحساسها بلوعته، كانت تساعده على التخلص من الرغبة عن طريق حك جسده بجسدها إلى أن تنقضي فورة الرغبة عنده!
لقد أصبح طاقم الدبابة التي توغلت في منطقة سكنية ثم بدا لبعض الوقت أنها أيضا تعطلت، سجناء داخل تلك الدبابة وقد انقطعت بهم السبل، فلا هم يستطيعون التحرك للخروج من المأزق، ولا تستطيع قيادتهم الاستجابة لهم بارسال طائرة مروحية لانقاذهم. لأن "هناك بعض السوريين في المنطقة" كما يقولون.
أحد هؤلاء الجنود السوريين يتم أسره بعد أن يطلق قذيفة تصيب الدبابة دون أن تعطبها تماما. يمسكون به ويضعونه معهم داخل الدبابة. يهدأون من روعه، يحاولون التحدث إليه، لكنه لا يستطيع فهم العبرية، وهم لا يمكنهم الحديث بالعربية.
وعلى غرار ما نراه على نطاق أوسع في فيلم "الرقص مع بشير" تتكرر الفكرة هنا أيضا عندما يأتي أحد مقاتلي الكتائب، يهبط إلى الدبابة الإسرائيلية هكذا بكل بساطة، ويأمر الإسرائيليين بالخروج فورا من هذه المنطقة، ويصر على أن يتحدث إلى الأسير السوري موهما الاسرائيليين أنه عقد صفقة مع السوريين على تسليمهم إياه مقابل السماح لهم بالخروج.
وينفرد الكتائبي بالسجين السوري وهنا يتحدث إليه بالعربية، يهدده ويتوعده ببئس المصير: سأربط ساقيك إلى عربتين ثم أمزق جسدك تمزيقا، سأتبول عليك قبل أن أحرق جثتك..إلخ
يرفض الإسرائيليون تسليم السوري له، وينصرف اللبناني على وعد بانتظارهم عند نقطة ما. أحدهم يحاول أن يعطي الجندي السوري سيجارة، لكنه يرفض بل ويأخذ في الدق برأسه على جسم الدبابة مرددا كلمات تعكس هلعه وفزعه من المصير المنتظر، إلا أن الجنود يهدئون من روعه بل ويحقنونه بمادة مهدئة تساعده على الاسترخاء والنوم.
هذه هي الصورة التي يريد الفيلم توصيلها إلى جمهوره في الغرب عن الجندي الإسرائيلي: إنه ضحية قياداته التي تستخدم أسلحة محظورة مثل قنابل الفسفور رغم معارضته، وهو لا يريد سوى النجاة والعودة إلى أسرته، معاملته للعدو تتصف بالإنسانية والرقة والرفق، بل ويصور الفيلم في أحد مشاهده الرئيسية نوعا من "التمرد" من جانب الجنود على رئيسهم الضابط عندما يصر على ضرورة تحرك الدبابة فيما الفزع وانعدام الخبرة يجعل الجنود يعتقدون أن الدبابة لم تعد قادرة على التحرك.
ولاشك أن الفيلم مصنوع بشكل مؤثر: التصوير المتميز داخل ديكور دبابة بكل تفاصيلها الذي صنع خصيصا من أجل الفيلم، وفكرة تحويل الجنود إلى سجناء داخل الديكور الحديدي الضخم، حتى يصبحوا منعزلين تماما عما يجري خارج الدبابة، بل إن كل المناظر التي تحدث في الخارج نراها من خلال منظار الرؤية في الدبابة، أحيانا باستخدام الأشعة تحت الحمراء التي تتيح القدرة على الرؤية الليلية.
ولاشك أن هناك قدرة واضحة لدى المخرج على التحكم الكبير في أداء الممثلين، الذين تدربوا طويلا على الأداء، كما سمح لهم بنوع من الارتجال المحسوب خصوصا في المشاهد التي تنفجر بالصياح والمشاجرات والسباب، بعد أن حبسهم المخرج داخل الديكور لفترة طويلة، وأخذ يمارس عليهم نوعا من الضغوط العنيفة كما كشف خلال المؤتمر الصحفي للفيلم.

لكنه خلال نفس المؤتمر الصحفي لمناقشة فيلمه في فينيسيا فشل في تقديم إجابة مقنعة ردا على سؤال بشأن المشهد الخاص بالأسير السوري مع رجل الكتائب: هل ستترجم ما يقوله جندي الكتائب للجندي السوري في الفيلم عند عرضه في إسرائيل، إلى العبرية أم سيبقى بالإنجليزية.
مغزي السؤال واضح تماما وهو هل تريد للجمهور الإسرائيلي أن يعرف ما يقوله الكتائبي للسوري وما يوجهه له من إهانات بشعة وما يمثله المشهد من تحالف بين هؤلاء "القتلة"- من الكتائب- وهؤلاء "الأبرار" من الإسرائيليين؟!

صاموئيل ماعوز أجاب عن هذا السؤال قائلا إنه لا يعرف، وإن هذا الجانب يمثل مأزقا بالنسبة له ولصناع الفيلم. أي مأزق.. لا نعرف!
أما بعد فوزه بجائزة فينيسيا الكبرى فلم يذكر ماعوز في الكلمة التي ألقاها أي شيء يشير من أي زاوية، إلى معارضته الغزو والحروب التي يشنها الجيش الإسرائيلي، أو معارضة قتل المدنيين، والدعوة إلى السلام في رد واضح على الذين روجوا للفيلم باعتباره من الأفلام التي تدعو للسلام وتدين الحرب الإسرائيلية.
بدلا من ذلك قال ماعوز التالي: "لقد كنت في وضع لا مخرج منه. لكني مازلت أحمل مسؤولية التعامل مع ما حدث. بالنسبة لي، كان صنع الفيلم خطوة مؤلمة في التعامل مع المشكلة بدلا من إخفائها تحت البساط". لقد كان إذن يحاول حل مشكلة ذاتية تتعلق بجرح كائن في ذاكرته.
ثم يقول: "إنني أهدي هذا الفيلم إلى كل الذين اشتركوا في الحروب في العالم وعادوا منها سالمين". هذه رسالة إلى كل المحاربين في العالم الذين عادون سالمين، فالنجاة هي ما يهم!
وفي تصريح للقناة الأولى في التليفزيون الإسرائيلي قال ماعوز: "أتمنى أن يفهم الناس بلدنا أكثر، ويفهمون مجتمعنا أكثر، وتعقيد مجتمعنا أكثر". إذن الفيلم سيساهم في "تجميل" صورة إسرائيل وفهم أن المجتمع الإسرائيلي معقد أي أن فيه الكثير من الضحايا وليس كما يتصور البعض، مجرد معتدين!
ولعل تقرير مارتن نيلمان الذي نشرته مجلة "سكرين" كان متسقا تماما مع هذا التفسير حينما قال "ربما تظن أن الحكومة الإسرائيلية لن تدعم كثيرا فيلما يقدم بيانا مرعبا كهذا لما حدث في لبنان عام 1982، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار بعض الإشارات إلى أن إسرائيل ترغب في استخدام الثقافة كوسيلة لتبييض ماضيها".
ويمضي التقرير قائلا: "لكن الحقيقة أن الحكومة الإسرائيلية دعمت هذا الفيلم، تماما كما دعمت فيلم "الرقص مع بشير" لآري فولمان العام الماضي عندما عرض في مهرجان تورنتو قبل أن يرشح لجوائز جولدن جلوب".
((تحذير: يحظر إعادة نشرهذا المقال دون إذن مسبق من الناشر، جميع الحقوق محفوظة))

الاثنين، 21 سبتمبر، 2009

فاروق حسني شهيد الأمة!


بدأ القومجيون العرب واتباعهم وأشباههم في حملة من النباح والصياح الغوغائي الفظ عن "المؤامرة" التي اطاحت بأحلامهم في وصول "عربي، مسلم" إلى رئاسة اليونسكو.
وأخذ المرتزقة في صحف الحكومة المصرية يغذون كل النزعات الشوفينية المتخلفة التي لا تظهر عند الأمم إلا في حقب ما بعد الهزائم المريرة والتراجع الحضاري المخيف نتيجة زحف القيم المتخلفة الماضوية، واستسلام النخبة لأوهام "التفوق" المزعوم، وأحلام البحث عن دور كان موجودا في الماضي، أضاعوه بعد ان ارتضوا بتسليم قيادهم لمجموعة من العسكر الذين لا يجيدون حتى ممارسة مهنتهم الأصلية (قبل أن يتحولوا إلى ممارسة هواياتهم في السياسة على أمتنا لأكثر من نصف قرن بكل ما أدت إليه تلك الهوايات من كوارث اقتصادية واجتماعية).
الآن أصبح فاروق حسني شهيد الأمة، وضحية المؤامرة الغربية والصهيونية باعتباره أحد أبطال"رفض التطبيع" والذي ظل طوال 22 عاما يرفض التطبيع مع إسرائيل، كما وصفه أحد رؤساء تحرير جريدة حزب قومجي معارض، ضاحكا بذلك على السذج والبسطاء الذين أدمنوا تعاطي نظرية المؤامرة، وكأن فاروق حسني حكومة مستقلة داخل الحكومة المصرية الخاضعة خضوع الإبل للمستبد غير العادل، الذي توقف فسيولوجيا حتى عن التفكير، وأصبح يكتفي بالخلود للنوم تاركا كل شؤون الثقافة والتعليم والصحة وأي شيء بخلاف الأمن والجيش والخارجية لامرأة الفرعون وولدها الباحث عن دور يحقق له أوهامه.
فاروق حسني ينتمي إلى حكومة استبدادية ونظام يحتقر الثقافة والفكر، ويتعامل مع أصحاب الفكر إما بالرشوة والشراء، أو بالتهديد والوعيد (كما فعل فاروق حسني نفسه عندما هدد صنع الله ابراهيم ملوحا له بما تعرض له من سجن في الماضي- وحديث الوزير منشور في هذه المدونة).
وليت الذين ينبحون يتوقفون لحظة لسؤال أنفسهم: ما الذي قدمه فاروق حسني للعالم وما الذي يمكنه تقديمه له، وهو الذي كرس عبوديته طوال 22 عاما في خدمة نظام قمعي متخلف، يحتقر الثقافة والمثقفين، ويسبح بحمد رجل واحد، تنتشر صوره في كل مكان، وتبدأ كل أحاديث الوزراء وتنتهي بالتأكيد على أن ما يقومون به يتم طبقا لتوجيهاته السامية!
وهل يمكن المقارنة بين فاروق حسني وبين أي مثقف حقيقي في الغرب أو في الشرق بمن في ذلك البلغارية التي فازت برئاسة اليونسكو التي لعبت دورا بارزا من اجل اعلاء صورة بلادها في أوروبا!
نعم الغرب منحاز لمصالحه، وهناك شبهة عقاب لفاروق حسني على تصريحاته الجوفاء بشأن "حرق الكتب العبرية"، ولكن هذا لا يستدعي على الفور، كما يفعل قطيع من القومجيين والمتثاقفين، المسارعة إلى الاندماج في حلقة البكاء على ضياع فرصة أن يرأس اليونسكو "عربي، مسلم"، وكأن المطلوب من رئيس اليونسكو أن يغلب المصلحة القومية العربية الضيقة على الأفق الإنساني المفتوح على كل الثقافات والابداعات في العالم مهما اختلفنا معها.
وماذا أضاف العرب ثقافيا إلى التراث الإنساني طوال القرن الأخير على الأقل، لكي يطالبوا الآن بدور بارز لهم في إدارة ثقافة العالم؟
ألم يحولوا الثقافة العربية إلى "مسخرة" جعلت العالم بأسره يضحك علينا يوما بعد يوم، من أول تهجير المثقف خارج بلاده ومصادرة رأيه، إلى سعي الحاكم لنصب خيمة يحيطها بقطيع من الإبل في كل مكان يحل به في العالم غير البدوي!
ألا يقدم العرب نموذجا باليا في الاستبداد الاقطاعي وسيطرة القبيلة الحاكمة على مجريات الأمور، ومصادرة الفكر، وحظر المرأة من دخول التاريخ، والدعوة إلى تصنيف الناس على أساس طائفي أو ديني أو عنصري طوال الوقت بدعوى أننا الأمة "الأرقى" والأنقى" فيما تمارس كل اشكال القمع والإرهاب والتخويف والانتهاك لحقوق الرجل والمرأة، في الشارع والجامعة والمدرسة وحقل عمل السياسي والثقافي عموما!
إن سقوط فاروق حسني يجب أن يصبح يوم احتفال للمثقفين الأحرار في مصر وفي العالم العربي وفي العالم، وليس يوم ندب ونحيب لا يليق سوى بالعبيد والخانعين والذين يرغبون في استمرار ثقافة الاستبداد إلى الأبد!

الأربعاء، 16 سبتمبر، 2009

فيلم "المسافر": مغامرة إنتاجية وكارثة فنية




هنا رابط إلى مقالي عن فيلم "المسافر" كما نشر في موقع "الجزيرة الوثائقية" أرجو أن أتلقى تعليقاتكم على المقال أسفل هذه الرسالة (البوست).
"المسافر" عرض في مسابقة مهرجان فينيسيا السينمائي الأخير (2- 12 سبتمبر) وأثار ولايزال، الكثير من المناقشات والجدل، كونه أول فيلم مصري تنتجه الدولة ممثلة في وزارة الثقافة بميزانية بدأت بثمانية ملايين جنيه ثم بلغت 20 مليونا من الجنيهات، غير أن النتيجة النهائية للفيلم أغضبت الكثيرين ومنهم بطله الممثل النجم عمر الشريف.
(أمير العمري)

السبت، 12 سبتمبر، 2009

جوائز مهرجان فينيسيا السينمائي 2009

جوائز المسابقة الرسمية:
* الأسد الذهبي (أحسن فيلم): "لبنان" إخراج شاموئيل ماعوز (إسرائيل)
* الأسد الفضي (أحسن إخراج): "نساء بدون رجال" إخراج شيرين نشأت (ألمانيا)
* جائزة لجنة التحكيم الخاصة: "مطبخ الروح" لفاتح أكين (ألمانيا)
* أفضل ممثل: كولن فيرث عن دوره في فيلم "رجل أعزب" (أمريكي)
* أفضل ممثلة: كسينيا رابوبورت عن دورها في الفيلم الإيطالي "الساعة المزدوجة"
* أفضل ممثلة شابة أو ممثل شاب: جاسمين ترينكا عن دورها في فيلم "الحلم الكبير" (إيطاليا)
* أفضل تصميم فني production designer: سيلفي أوليفييه عن فيلم "السيد بدون اسم" (فرنسا)
* أفضل سيناريو: "الحياة في زمن الحرب" لتود سولوندز (أمريكا)
* جائزة قسم "آفاق" (100 ألف دولار) لأحسن فيلم أول: "صدام" إخراج بيبي ديوكنو (الفلبين).

من سيفوز بالأسد الذهبي ومن الذي سيلتهمه الأسد؟


اليوم تعلن الجوائز. والسؤال الأبدي الذي يشغل الجميع: من الذي سيفوز بالأسد الذهبي؟ في ذهني وخيالي وذاكرتي من واقع علاقتي بهذا المهرجان تحديدا أن الجوائز عادة ما تأتي مخالفة تماما لكل ما يتوقعه النقاد والمتخصصون. في دورة من الدورات فاز بالأسد الذهبي فيلم المفاجأة الذي لم يكن قد أعلن عنه مسبقا وهو فيلم صيني هزيل تماما بعنوان "طبيعة صامتة" عن مشكلة التلوث البيئي بسبب المصانع القريبة من الأحياء السكنية (وهو موضوع يصلح لمعالجته فيلم تسجيلي).
إذن قد تكون هناك مفاجأة أبعد من خيال الجميع، فقد يفوز بالأسد الذهبي الفيلم الأمريكي الذي فشلت في العثور على أي شيء مثير لاهتمامي الشخصي فيه وهو فيلم "الحياة في زمن الحرب" بجائزة المهرجان الكبرى. وقد يفوز بها الفيلم الإسرائيلي بسبب هوس البعض (ربما في لجنة التحكيم أيضا) بالتجربة الجديدة في التصوير من داخل ديكور دبابة ميركافا وبسبب فكرة معاداة الحرب التي يتضمنها الفيلم).
ومن المحتمل أيضا أن يحصل الفيلم التافه السخيف "مطبخ الروح" للمخرج التركي – الألماني فاتح أكين، على إحدى الجوائز الرئيسية. لكن المؤكد أنه ستكون هناك بعض التوازنات كالعادة (بين أعضاء لجنة التحكيم) ولا ننسى أن هناك اثنين من المخرجين الايطاليين في اللجنة ولابد أن تخرج السينما الإيطالية بجائزة ما قد تكون مثلا جائزة التمثيل لبطلة الفيلم الميلودرامي "الفضاء الأبيض" الذي يروي قصة امرأة تعاني من الوحدة فيما بعد سن الأربعين وترغب في العثور على الحب والانجاب وتنجح بالفعل في انجاب طفلة غير مكتملة، لكنها تمر بمرحلة الخطر. والفيلم يصلح للعرض كدراما تليفزيونية محلية تماما وموضوعه أصلا ليس جديدا، رغم وجود بعض التفاصيل الفنية في سياق الاخراج. وقد يكون الفيلم الايطالي "الحلم الكبير" لميشيل بلاسيدو هو الفيلم الذي سيحصل على جائزة رئيسية هنا فهو بلاشك أفضل الأفلام الايطالية في المسابقة بل وفي المهرجان كله رغم انحرافه في الدقائق العشر الأخيرة في اتجاه المبالغات العاطفية الميلودرامية. ولست من المعجبين بالفيلم الايراني "نساء بدون رجال" بل أجده مفككا ومليئا بالثغرات الفنية والافتعال في الأداء والبطء المخل بالإيقاع بشكل لا يصدق. لكن ربما لأنه يطرح موضوعا سياسيا مناهضا للدكيتاتورية، ويوجه تحية إلى الذين يكافحون ضد النظام القائم حاليا، فربما منحوه جائزة أساسية أيضا (قد تكون جائزة لجنة التحكيم). وربما يحصل فيلم "أمير الدموع" أيضا على جائزة لجنة التحكيم الخاصة.
أما الفيلم الأفضل في المسابقة من وجهة نظري وبعيدا عن أي ميول سياسية أو غير سياسية فلاشك أنه الفيلم الأمريكي الكبير "الرأسمالية: قصة حب" لمايكل مور الذي يعد أهم من قراءة مائة كتاب في الموضوع، بالاضافة بالطبع إلى البناء والقدرة الفذة على شد المتفرج لمدة ساعتين رغم قسوة الموضوع واحتوائه على الكثير من المعلومات والمقابلات. إنه "تحفة" فنية ووثيقة دامغة لعصر بأكمله.
بعيدا عن حكاية الجوائز. كان من المثير للدهشة بالنسبة لي شخصيا أن يظهر عمر الشريف في المؤتمر الصحفي لفيلم "المسافر" لا لكي يحدثنا عن تجربة العمل في هذا الفيلم وعن مفهومه للدور بل لكي يتحدث عن تجربته في هوليوود وكيف أنه ظلم في البداية و.. إلى آخر الحكايات الشخصية التي يروها في سلسلة من الحلقات على قناة فضائية مصرية من أول رمضان ولاتزال مستمرة على حد علمي. ما السبب في ابتعاد عمر الشريف عن الخوض تفصيلا في موضوع فيلمه الموجود داخل المسابقة؟ وما السبب أيضا في إحجام الكثيرين عن توجيه أسئلة لمخرجه في صميم الموضوع بل كلها تدور حول ظروف عمل الفيلم والامكانيات التي اتيحت له، وهو أمر يؤسف له حقا. والمؤكد أيضا أن "المسافر" لن يحصل على أي جائزة، لا في التمثيل، ولا في غير التمثيل، ورأيي هذا قائم على التأمل الفني في الفيلم الذي سأوضحه بالتفصيل في مقال قادم.

يوميات مهرجان فينيسيا 2009



((هذه هي اليوميات التي كتبتها في مهرجان فينيسيا لم أبدأها من اليوم الأول والثاني لوجودي هناك إلى أن أصبحت قادرا على الكتابة بعد ترتيب الأوضاع والأمور وفهم ما يدور)).
الجمعة 4 سبتمبر
اليوم الجمعة العرض الصحفي (قبل العرض العام بيوم) للفيلم التونسي "أسرار دفينة" لرجاء عماري في برنامج "آفاق"، وفيلم "حراقة" للمخرج الجزائري مرزاق علواش في قسم "أيام فينيسيا". وينظم المهرجان على الثانية والنصف مؤتمرا صحفيا لمخرجة الفيلم التونسي.
أما علواش فيناقش فيلمه مع جمهور "أيام فينيسيا" وهو مهرجان مواز مستقل على غرار "نصف شهر المخرجين" في كان. وينظمه اتحاد مخرجي السينما، كما تنظم جمعية نقاد السينما الايطاليين قسم "اسبوع النقاد".
وجدير بالذكر أنه لا يوجد قسم تحت عنوان "اسبوع النقاد" لا في مهرجان القاهرة السينمائي ولا في مهرجان قرطاج العريق رغم وجود جمعيتين للنقاد عضوين في الاتحاد الدولي في كل من مصر وتونس.
ولعل في هذا ما يكشف موقف المهرجانات العربية عموما من النقاد السينمائيين ومن الحركة النقدية عموما. وكنت قد تقدمت (عندما كنت رئيسا لجمعية نقاد السينما المصريين) بمشروع لتنظيم اسبوع للنقاد على هامش مهرجان القاهرة السينمائي إلى رئيس المهرجان وقتذاك (2002) الصحفي شريف الشوباشي لكن الشوباشي لم يهتم حتى بمناقشة الموضوع، وكل ما اهتم به أنه عاد في العام التالي أو ما بعده لكي يدعو لجنة من الاتحاد الدولي لحضور مهرجان القاهرة مع الاغداق على أعضائها (من مأكل ومشرب!) تحت تصور أن هذا يكفي للحصول على "العالمية" أما النقاد المحليون فليذهبوا إلى الجحيم.
ذهب الشوباشي، وجاء أبو عوف، ولم يتغير شيء لأن "العصمة" ظلت طيلة الوقت، أي منذ رحيل سعد الدين وهبة في يد "الست" التي أطلقت عليها قبل سنوات "المرأة الحديدة" التي تربطها بعض صلات بامرأة فرعون والعياذ بالله!

السبت 5 سبتمبر

اليوم هو يوم منتظر بشدة على شاطيء الليدو، ليس لأن ماركو موللر يدخر لنا مفاجأة أخرى غير مفاجأة الأمس السيئة مثل "الليفتنانت السيء" تماما، بل لأنه اليوم الذي سنشاهد فيه في عرض صحفي فيلم مايكل مور المنتظر "الرأسمالية: قصة حب" لنرى كيف سيتمكن الساحر من الكشف عن ألغاز الامبراطورية المالية الكونية التي انهارت وانهارت معها الكثير من الآمال.شاهدنا أمس الفيلمين التونسي والجزائري، وكلاهما متوسط المستوى، بالتأكيد ليس على مستوى العرض بالمسابقة وإن كانت هناك أفلام أقل بكل تأكيد في المسابقة، وسنعود تفصيلا إلى الفيلمين لاحقا.
مجلة "فاريتي" تنشر لليوم الثاني على التوالي عن السينما المصرية وما يحدث فيها وأفلامها الثلاثة المشاركة في فينيسيا. على الصفحة الأولى موضوع كتبه الشاب النشيط جدا علي جعفر الذي يمكنك أن تشم من كتاباته رائحة الترويج المدفوع بعد أن خصصته المجلة لإرضاء غرور البسطاء في الشرق الأوسط الذين يدفعون مقابل نشر الأخبار والتحقيقات عنهم.
جعفر هذا (من أصل لبناني يقيم في لندن ويعمل بمؤسسة السينما البريطانية) يكتب مقالا بعنوان "المصريون يعثرون على بؤرة جديدة" وكنت اتصور أنه يقصد بالطبع مهرجان فينيسيا الذي لم يكن أحد من المصريين يوليه اهتماما إلى أن وجدوا ذات يوم ثلاثة من أفلامهم في البرنامج الرسمي للمهرجان، إلا أنني فهمت مما كتبه أنه يقصد أن الأفلام المصرية أصبحت تركز على مواضيع أكثر علاقة بالمشاهدين مما كان خلال الثلاثين عاما الماضية على حد قوله، وهو قول خاطيء بكل تأكيد خاصة وأنه يقول إن هذه الافلام الثلاثة تشير إلى استعادة السينما المصرية ما كانت عليه من مجد في عصرها الذهبي في الأربعينيات والخمسينيات، وهو ما يعني أنه لا يفهم جيدا تاريخ السينما المصرية، فمعظم ما كان ينتج من افلام في الأربعينيات والنصف الأول من الخمسينيات كانت من أفلام التسالي والتهريج. وقد نسي هو أن السينما المصرية أنتجت في السبعينيات والثمانينيات عددا من أفضل ما أنتجته في تاريخها من افلام.
على أي حال، جميل أن تكتب فاريتي، وأن تقتنع الشركات المصرية بل ووزارة الثقافة أيضا، بأهمية أن تدفع مقابل الاعلان المباشر وغير المباشر في فاريتي وغيرها، وجميل أن يكون هناك اهتمام بالتواجد والتأثير والتأثر.ولكن هل سيستمر هذا الزخم عاما بعد عام أم أنه طفرة مفاجئة استثنائية؟
علمت أيضا أن وزير الثقافة مول حضور وفد صحفي مصري مكون من 23 صحفيا واعلاميا بينهم منى الشاذلي صاحبة البرنامج الشهير "الساعة العاشرة مساء" وهي في رأيي الشخصي وبحكم خبرتي الإعلامية المتواضعة لا تصلح مقدمة لبرنامج محوري على هذا النحو، أو أنها على الأقل في حاجة إلى تدريب طويل وشاق على الحديث واستخدام الألفاظ واجادة اللغة العربية بدون تلعثم، وأن تتعلم كيف تنظر إلى الضيف الذي تحاوره وليس إلى عين الكاميرا، أي إلى عين المشاهد وكأنها تتطلع إلى نفسها في المرآة طوال الوقت، كما يتعين عليها أن تتعلم أيضا ان تتوقف عن الإعجاب الزائد بنفسها واللعب بشعرها الهفهاف طول الوقت، وأن تركز أكثر على الموضوع، وتكف عن نفاق المسؤولين في حين أنها تريد أن توحي لنا أنها تتخذ موقفا صلبا منهم، واللعبة مكشوفة تماما، بل وقد ثبت من حكاية فينيسيا أن منى الشاذلي ترس صغير من تروس الآلة الاعلامية الرسمية رغم أنها تعمل لقناة "مستقلة" أو بالأحرى "مستغلة" يملكها رأسمالي متزوج من أحد فروع السلطة السياسية.
الشاهد أن الشاذلي وغيرها من الصحفيين والصحفيات من صحف الحكومة وصحف بنت أخت الحكومة، أي المعارضة المستقلة جدا جدا، سيصلون لقضاء الأيام الأربعة الأخيرة من المهرجان، أي تحديدا للاحتفال والاحتفاء بالفيلم الذي أنتجه الوزير فاروق حسني وهو فيلم "المسافر" في عروضه الصحفية ثم عروضه العامة بالمهرجان، لكي يكتبوا في الترويج للفيلم وللوزير في الصحافة المصرية.. فهل رأيتم خيبة أكبر من هذه؟الخيبة تأتي من كون الدولة لاتزال تؤمن بالصحافة الموجهة الدعائية التي يمكن توظيفها، والانفاق على صحفييها، حتى لو كانوا من الصحف التي تعتبر نفسها (حرة، مستقلة، معارضة) وهو ما يعكس إهانة ما بعدها اهانة للصحفيين والنقاد الذين سيتمتعون بالنزول لأربعة أيام في أغلى فندق على شاطيء الليدو وهو فندق "إكسليسيور" على حساب الوزير من أموال دافعي الضرائب المساكين طبعا!
ثانيا: كان من باب أولى أن يخصص الوزير- الفنان الحملة الدعائية المنظمة له ولفيلمه وجماله وحلاوته، في الخارج حتى تنفعه في ترشحه لليونسكو، بدلا من أن يدعو لنفسه ولانجازاته أمام شعب لم يعد يبالي أصلا بموضوع الثقافة بعد أن يأس من حل مشكلة رغيف الخبز.. وللحديث بقية.

الأحد 6 سبتمبر
* التساؤلات بدأت مجددا حول مستوى أفلام المسابقة التي لا يبدو أنها تحظى بإعجاب معظم النقاد الحاضرين هنا حتى الآن، بعيدا بالطبع عن الفيلم التايواني "أمير الدموع" الذي أراه "تحفة" رائعة وعملا جديرا بالتكريم، وطبعا الفيلم الصادم والمنير "الرأسمالية: قصة حب" للعبقري مايكل مور الذي أحدث ثورة حقيقية في علاقة الجمهور بالفيلم التسجيلي. وأتصور أيضا أن الوقت لايزال مبكرا للحكم على مستوى المسابقة عموما فلايزال هناك 14 فيلما لم تعرض بعد سنشاهد منها اليوم فيلمين هما الفيلم القادم من سيريلانكا "بين عالمين"، والفيلم الفرنسي "المادة البيضاء".
* مجلة فاريتي في عدد أمس السبت، نشرت إعلانا على صفحة الغلاف الأمامي من القسم الإيطالي (هناك أيضا قسم إنجليزي) عن الفيلم المصري "المسافر" تتصدره بالطبع صورة لعمر الشريف.لاتزال هناك حالة من الغضب على ضم فيلمين (عاديين) للمخرج الألماني فيرنر هيرتزوج في المسابقة دون أي مبرر حقيقي، وما يعكسه هذا من خلل في مبدأ تكافؤ الفرص بين السينمائيين، خاصة وقد اعتبر فيلمه الثاني الفيلم المفاجأة في المسابقة!* فيلم مايكل مور عن الأزمة المالية العالمية عمل كبير غير مسبوق، ولاشك أنه أيضا يفتح عيون البشر في العالم إلى حقائق لا يتكلم عنها أحد. ولاشك أنه سيكون هناك مقال خاص تفصيلي عن هذا الفيلم.
* إدارة مهرجان فينيسيا خصصت للضيوف والنقاد عددا من المطاعم التي تقدم لهم خدمة بأسعار ليست رخيصة لكنها على أي حال في المتناول أي قريبة من دائرة النشاط. والمباني الجديدة التي تشمل قصرا جديدا للمهرجان بدأت في الإنشاء قبل فترة، لذا تم إغلاق المنطقة المحيطة تقليديا بقصر المهرجان والمكتب الصحفي وابتدعت طرق فرعية جديدة ومسارات ومداخل ملبدة بالحراسة الأمنية وتخضع للتفتيش الدقيق. هناك بالمناسبة هوس خاص لدى الإيطاليين بالأمن. حراس بل وجنود أمن وطني في كل مكان قرب منشآت المهرجان. ولكن إذا كان المهرجان يهتم كثيرا بالتوسع في قاعات العرض ويخص مطاعم لضيوفه فلماذا لا يستثمر أيضا في إنشاء مجمع فندقي يشمل مثلا 1500 غرفة من مستويات معقولة وبأسعار تنافسية حتى يحد من تضاعف أسعار الغرف الفندقية في جزيرة لم تشهد أي توسع فندقي منذ أكثر من ثلاثين عاما، فأنت هنا تدفع أرقاما فلكية وتحصل على خدمة فندقية أقل من المتوسط. إنه موسم الاستغلال النشيط من جانب أصحاب الفنادق. ومعظمها بالمناسبة صغيرة وقديمة والكثير منها في منازل كانت ملك عائلات أرستقراطية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. الكثير من النقاد والصحفيين أصبحوا حاليا يفضلون الاقامة في جزر أخرى بعيدة ويستخدمون الحافلات المائية يوميا عدة مرات.. ومستقبلا ربما يلجأ البعض إلى السباحة أيضا من أجل الوصول إلى الليدو.. فمن يدري!
* الجلسة المسائية الطويلة مع محمد رضا للمرة الأولى منذ سنوات بعيدة بعيدة، كانت مفيدة بوجه خاص لتوضيح الكثير من الأمور التي تساعد على إزالة أي شائبة من سوء التفاهم أو سوء التقدير.. ولعلم كل الذين يستثمرون في الخلافات بين البشر.. نحن بشر، نخطيء ونصيب، كما ننفعل بحكم مشاعرنا الجامحة، لكن طيبة القلب تتغلب دائما في النهاية.. وسنظل أصدقاء رغم كل شيء وسنبقى كذلك.

الإثنين 7 سبتمبر
* الفيلم الفرنسي الثاني في المسابقة هو فيلم "36 منظر لجبل سانت لوب" لكبير السينما الفرنسية أو أحد كبرائها جاك ريفيت، مسرحية بالمعنى الحرفي للكلمة، وقد اختار هو لذلك أن يضع على الشاشة اسمه ليس كمخرج للفيلم بل كمسؤول عن "الميزانسين" أي تحريك الممثلين في الديكورات، سواء الطبيعية أو المصنوعة. والحوار هو العنصر الأول في توصيل مفهوم الفيلم الوجودي.
* السينما الفرنسية لا تبشر بخير بعد الفيلم الأول من بين أربعة أفلام، في المسابقة وهو فيلم "مادة بيضاء" للمخرجة كلير دينيس. هذا الفيلم يدور في بلد افريقي يشهد انقلابا عسكريا قوميا على نظام موال للفرنسيين، ويعكس حيرة وتخبط وعجز أسرة فرنسية (زواج وزوجو وابن) عن المغادرة، عن الانضمام للثورة أو الهرب إلى بلادهم مع الهاربين. هناك حب للبقاء في البلد تجسده الزوجة- الأم تحديدا التي تقوم بدورها إيزابيل أوبير، وعجز يؤدي إلى الدمار من جانب الزوج والابن، الإبن يقتل في حريق يشعله العسكريون الثوار في المنزل، والزوج يقتل على يدي الزوجة، والأخيرة تضل وتفقد القدرة على التفكير السليم.
لكن مشكلة هذا الفيلم أنه لا يتجاوز مجرد وصف الحالة والدوران حول الفكرة وتكرارها، مع خواء مثير للدهشة والاستغراب في باقي الفيلم الذي يخلو من الحبكة والصراع والتطور الدرامي، كما يخلو من أي عمق سياسي في طرح الموضوع بحيث أن الأمر يختلط على المتفرج أحيانا، فهل يدين الفيلم الثوار المحليين الذين يصورهم في صورة قتلة همجيين، أم الفرنسيين المستوطنين الذين كانوا ينتفعون من فساد النظام الذي سقط للتو. إن حير البطلة الضائعة روحيا ونفسيا، تنتقل إلى المتفرج فيفشل في اتخاذ وجهة محددة أثناء متابعة الفيلم، فيفقد بالتالي القدرة على المتابعة وتتوه الخيوط من بين يده.
وهذا نموذج للتحذلق المفتعل في السينما الفرنسية، لكن هناك، لايزال، فيلمان من فرنسا في المسابقة علينا أن ننتظر إلى أن ننتهي من مشاهدتهما قبل اصدار حكم على الوضع الرهن لأفضل ما في تلك السينما حسب القديس ماركو "موللر" الذي أتى إلينا بتلك الأفلام هو وفريقه.

الثلاثاء 8 سبتمبر

موضوع تأخر عروض الأفلام يتفاقم يوما بعد يوم. فبعد أن وقفنا قبل أيام لمدة 40 دقيقة تحت الشمس الحارة في انتظرا دخول قاعة العرض لمشاهدة فيلم "الحياة في زمن الحرب" ثم تأخر عرضه داخل القاعة، ثم عرض نسخة عليها ترجمة ايطالية غير متوافقة مع الصورة مما أدى إلى احتجاج الجمهور الايطالي الغفير وانسحاب الكثيرين منه، وقفنا بعد ذلك ننتظر أكثر من نصف ساعة لمشاهدة الفيلم النمساوي "لاودرز" بدون أن نحصل على أي تفسير مقنع علما بأن قاعة العرض في الداخل كانت خالية!
ويجب أن يكون واضحا أنني عندما أكتب عن الوقوف لمدة 40 أو 30 دقيقة خارج قاعة العرض فالمقصود أن الموعد المحدد لعرض الفيلم يكون قد تم تجاوزه بهذا الزمن وليس الانتظار الطبيعي قبل الدخول!
وقد تكرر الأمر مساء أمس أيضا مع الفيلم الإسرائيلي "لبنان" الذي كان مقررا أن يبدأ في السابعة و45 دقيقة مساء إلا أنه لم يبدأ سوى في الثامنة و45 دقيقة، أي متأخرا عن موعده ساعتين كاملتين لأن القاعة كانت مشغولة بعرض الأفلام القصيرة المشاركة في المسابقة، وقبلها كانت ندوة للاحتفاء بستديو بيكسار التابع لشركة ديزي المتخصص في إنتاج أفلام الرسوم المجسمة مثل "إلى أعلى" Up قد امتدت فيما يبدو خارج الوقت المحدد لها وهو ما يعكس فوضى إدارية يتحمل مسؤوليتها دون أدنى شك مدير المهرجان ماركو موللر، ففي الوقت الذي تبذل فيه كل الجهود لجعل هذا المهرجان يعود إلى موقعه القديم المتقدم بعد كان مباشرة، يأتي هذا الاضطراب لكي يقوض سمعته مجددا.
* حتى الآن عرض من أفلام المسابقة 15 فيلما من 24 هي أفلام مسابقة الأفلام الطويلة، أفضلها على الإطلاق بفارق كبير بينها وبين باقي الأفلام فيلم "أمير الدموع" التايواني للمخرج يونفان، وفيلم "الرأسمالية: قصة حب" التسجيلي لمايكل مور، ثم "باريا" لتورناتوري. أما الأفلام الأخرة فتحصيل حاصل أو ملىء فراغ بما فيها فيلم جاك ريفيت الذي يبدو أنه أصبح يصنع الأفلام لمزاجه الشخصي، ولست أدري حقا لماذا يميل المخرجون الفرنسيون عندما يتقدم بهم العمر إلى المسرح المصور، مثلما يفعل جاك ريفيت وآلان رينيه وإريك رومير!

الأربعاء 9 سبتمبر

* مناقشة الفيلم الإسرائيلي في المؤتمر الصحفي بحضور مخرجه وعدد من الممثلين ومنتج الفيلم شهدت زحاما غير عادي، ليس بسبب اهتمام خاص بالفيلم الإسرائيلي بل بسبب أنه يسبق مباشرة المؤتمر الصحفي لنجوم الفيلم الأمريكي "الرجال الذين يحدقون في الماعز" وهما جورج كلوني وايان ماكريجور ومخرجه هيرسوف.المخرج الإسرائيلي يتحدث انجليزية غليظة جدا ويجيب اجابات أحيانا توحي بالبلاهة، فعندما سئل ما اذا كانوا سيترجمون إلى العبرية الكلام الفظ الذي يوجهه الكتائبي اللبناني في الفيلم إلى السجين السوري وكلام السجين بعد ذلك لآسريه الإسرائيليين (وهو بالإنجليزية فقط في الفيلم) أجاب المخرج أنه لا يعرف، وأن هذا الأمر يعتبر إشكالية أو مأزقا وإنهم لم يقرروا بعد ماذا سيفعلون!
أما منتج الفيلم (الذي يتحدث بطريقة أكثر غلاظة وخشونة ويبدو مثل ضابط في الجيش الصهيوني) فما أن وجه إليه سؤال حول الوضع الراهب للسينما الإسرائيلي إلا وانبرى على الفور في نغمة فظة غير مبررة يقول إن إسرائيل دول ديمقراطية وإنه لاتوج رقابة في اسرائيل على تصوير الأفلام السينمائية، وكأنه يود التأكيد لى أمر مشكوك فيه أو يشعر أنه موفد حكومي يتعين عليه التأكيد على ديمقراطية إسرائيل التي تعتقل نحو مليون ونصف مليون شخص، كما تفرض على 2 مليون آخرين من سكان غزة حصارا دمويا.. لكنها الدعاية الشرسة بأي ثمن. يالها من ديمقراطية تلك التي أقامت حاجزا عنصريا لتديمر حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية.. لكن هذلاء في نظر أغلبية يهود إسرائيل أدنى من مستوى البشر، والأغلبية لا تصنع أفلاما تتحدث عن نبذ الحرب!
* أثناء مناقشة الفيلم الثاني وجه أحد الشباب الايطالي الذي قدم نفسه باعتباره من المثليين (الشواذ) سؤالا إلى جورج كلوني عما اذا كانت العلاقة بينه وبين ماكريجور في الفيلم فيها نوع من المثلية الجنسية أو توحي بذلك، فتهرب كلوني من الإجابة، فما كان من شاب آخر إلا أن انبرى يقول لكلوني: أنا مثلي.. وأحبك ياجورج.. أرجوك خذني.. خذني حبيبا لك.. قبلني ياجورج. ثم أخذ الشاب في خلع ملابسه وأظهر صدره وقد ربط ربطة عنق غليظة تدلت فوقه. وكان تعليق كلوني أن ضحك قائلا إن الشاب لا يجب أن يتصور أنه بخلع قميصه سيحقق أي شيء، وأخذ يسخر منه بهدوء، ثم ضحك وقال إنه يسمع صوت سيارة طواريء في الطريق (في اشارة إلى سيارة شرطة) لكن الشاب استمر في هذيانه الأجوف ثم ابتسم لكاميرا تليفزيونية وبدأ يتخذ لنفسه أوضاعا للتصوير والشهرة الزائفة!ووجه ثالث لكلوني سؤالا يقول فيه إن كلوني كان عادة يأتي بصحبة امرأة حسناء إلى فينيسيا، لكنه أتى وحده هذه المرة، فمتى سيتزوج بعد أن تجاوز الخامسة والأربعين؟
فرد كلوني قائلا إنه للمرة الأولى يوجه إليه مثل هذا السؤال خلال 25 عاما، وإن الإجابة التقليدية في مثل هذه الحالة هي أنه لا يعرف!
* بدأت أتشكك في سلامة أحكام عدد كبير من النقاد والصحفيين الإيطاليين الذين كنت أتوقع أن يطلقوا صيحات الاستهجان مثلا بعد الفيلم السخيف "نجاة الموتى" The Survival of The Dead لجورج روميرو الذي يمكن اعتباره بحق، أسخف الأفلام التي شاهدتها، ليس فقط في مسابقة فينيسيا، وما كان يجب أن ينضم للمسابقة أصلا، بل الأسوأ في عام 2009 كله، ولا أظن أنه سيتفوق عليه أي فيلم آخر. لكن هؤلاء الصحفيين فاجأوني بالتصفيق، كما صفقوا أيضا بعد الفيلم الإيراني الفاشل "الحفرة" الذي يصلح لتدريب طلاب السينما على ما يتعين عليهم تفادي ارتكابه أثناء صنع أفلامهم مستقبلا، لكن للمهرجانات أحكامها.. إنها حالة الاحتفال. ولا يشترط أبدا كما نعرف، أن تحصل الأفلام الجيدة على الجوائز بل عادة ما تحصل أفلام شديدة الردءاة على جوائز تحقيقا لتوازنات معينة. بالمناسبة أفضل الأفلام تظل فيلم مايكل مور "الرأسمالية"، والفيلم التايواني "أمير الدموع". وهناك إعجاب بالفيلم الإسرائيلي الجديد في تقنيته وأسلوبه وقد ينال إحدى الجوائز.. ولكن هل ستتبع لجنة التحكيم منهج التوازن في هذه الحالة!

الخميس 10 سبتمبر

السينما الإيطالية تعود بقوة إلى المسابقة بفيلم ميشيل بلاسيدو "الحلم الكبير" الذي يمكن جدا أن يحصل على إحدى الجوائز المهمة في فينيسيا.الموضوع سياسي تماما يدور في 1968- 1969 في تلك الفترة الصاخبة، والمعالجة شفافة تتميز بالرقة والجمال، مع كل تضاريس الفترة بادية في الصورة. سيكون هناك مقال خاص بالتأكيد حول هذا الفيلم بعد أن ينتفض المولد.اليوم العرض الصحفي لفيلم "المسافر". وزير الثقافة المصري فاروق حسني منتج الفيلم تغيب عن الليدو، كما غاب أيضا وكيله علي أبو شادي.
كاملة أبو ذكري حضرت المؤتمر الصحفي لفيلمها "واحد صفر" الذي لقي استجابة جيدة من جانب الصحفيين الإيطاليين.إلهام شاهين وخالد أبو النجا وانتصار وكاتبة السيناريو مريم ناعوم حضروا المؤتمر الصحفي للفيلم.النجم الكبير عمر الشريف سيحضر غدا المؤتمر الصحفي لفيلم "المسافر" مع الحسناء سيرين عبد النور و"الأخ" خالد النبوي. لم أشاهد الفيلم بعد لكني سأكتب عنه بعد مشاهدته مباشرة.
المسابقة بدأت معالمها تتضح بشكل كبير فلم يبق من أفلامها سوى ثلاثة أفلام لم تعرض بعد، ثم يتحدد امصير.لدي إحساس خاص داخلي بأن الفيلم الإيطالي "الحلم الكبير" سيحصل على إحدى الجوائز الرئيسية (هناك اثنان من المخرجين الإيطاليين في لجنة التحكيم). كما لدى أيضا إحساس بأن فيلم "أمير الدموع" التايواني سيخرج أيضا بجائزة، وكذلك الفيلم الإسرائيلي "لبنان". لكن ليست هذه نبؤات أو تنبؤات، فلا أحاول هنا أن أقرأ الغيب، وقد تأتي النتيجة عكس توقعاتنا تماما، وقد يحقق فيلم "المسافر" مفاجأة ويفوز بجائزة رئيسية.. من يدري!
بيرلسكوني يواجه حاليا هجوما شديدا في إيطاليا من جانب المثقفين، وفيلم "فيديوقراطية" الذي رفض المهرجان إدراجه في البرنامج الرسمي يعرض عروضا عامة حاليا في دور العرض الإيطالية ويحقق نجاحا كبيرا، وهو الفيلم التسجيلي الذي أخرجه مخرج ايطالي يقيم في السويد ويوجه فيه سخرية مريرة من بيرلسكوني، ويتهمه باقامة امبراطورية تليفزيونية تلهي الشباب عن الواقع، تجعله يعيش في وهم الصورة، وتفرغ المجتمع من القيم الحقيقية، ويصور بيرلسكوني وسط فتيات الاستعراض محاطا بعدد من هواة الشهرة والظهور الإعلامي في قنواته التليفزيونية المتعددة.بيرلسكوني يحكم رغم أنف اليسار الذي عجز عن تشكيل ائتلاف قابل للحياة طوال تاريخه السياسي المتأرجح في إيطاليا منذ أن انقضت سنوات "الحلم الكبير"!

الجمعة 11 سبتمبر




* مجلة "فاريتي" التي تصدر يوميا خلال المهرجان بالإيطالية والإنجليزية نشرت للمرة الثالثة إعلانا على صفحة كاملة عن فيلم "المسافر". المجلة تنشر عروضا نقدية سريعة للأفلام التي تعرض بالمهرجان ولكن باللغة الإيطالية فقط، اما القسم الإنجليزي فيهتم بتسليط الأضواء على بعض المحاور والأحداث.العرض الصحفي المخصص لنقاد الصحافة اليومية في قاعة "بيرلا" لفيلم "المسافر" لم يشهد اقبالا كبيرا ربما لأنه عرض في العاشرة والربع مساء، ولكن عددا كبيرا من الصحفيين والنقاد انسحبوا أثناء العرض، بعضم بعد أقل من 15 دقيقة من بدايته. هذه حقيقة وليست "إشاعة" مغرضة، وأنا شخصيا لا أعرف السبب، لكن عندي بعض التصورات التي تتعلق بمفهوم مسبق لدى هؤلاء الأوروبيين عن سينما "الآخر". لكن ليس معنى هذا أنني من المهووسين بهذا الفيلم الذي سأكتب عنه مقالا خاصا ينشر بعد أن تهدأ الضجة.
* الفيلم الإيطالي "الساعة المزدوجة" مزيج من الفيلم البوليسي المثير، وفيلم الرعب، لكنه مصنوع بدقة شديدة ويقدم جرعة جيدة من التسلية والإثارة. وجوده في المسابقة غريب على أي حال تماما مثل وجود الفيلم الأمريكي "نجاة الموتى" لجورج روميرو وهو يندرج فيما أطلق عليه صديقنا مدحت محفوظ "أفلام التقزيز" إشارة إلى الأفلام التي تتخصص في إثارة القرف والتقزز كنوع من الأثارة والرعب أيضا مثلما هو الحال عندما ترى مجموعة من الجثث ردت فيها الحياة لكنها ليست من الأحياء تماما بل مما يطلق عليه الأدب الغربي zombies وهي تنقض على جثة رجل ميت تنهش أحشاءه وتلغ في دمائه وتخرج أعضاءه الداخلية تلتهمها والدم يسيل من أفواه أفرادها جميعا في مشهد رهيب تقشعر له الأبدان وتتقزز النفوس.بالمناسبة مدحت محفوظ معروف أيضا بتفننه في نحت مصطلحات جديدة مثل كلمة "موجه الفيلم" أي مخرجه وهي ترجمة حرفية لكلمة film director وكلمة توجيه أي إخراج.
* الفيلم الأمريكي "الحياة في زمن الحرب" (وهو فيلم مسرحي تماما يعتمد على الحوار الطريف) لايزال يتربع على قمة الاستفتاء اليومي الذي تجريه مجلة فاريتي ويشمل عددا من النقاد الإيطاليين الذين يكتبون لأهم الصحف الإيطالية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. ويأتي فيلم مايكل مور "الرأسمالية: قصة حب" في المرتبة الثالثة في هذا الاستطلاع بعد الفيلم الإسرائيلي "لبنان".
* الفيلم الألماني "مطبخ الروح" من اخراج التركي فاتح أكين يعتبر من أسوأ الأفلام التي شهدتها أنا شخصيا في هذه الدورة رغم أن كثيرين رأوا أنه مضحك، وأنا أتفق معهم في أنه مضحك أي مثير للسخرية، وفيه نغمة "استهبال" لو شاهدنا مثيلا له في فيلم مصري بطولة عادل إمام مثلا (مثل بوبوس) لأهلنا التراب على السينما المصرية كما يفعل كثير من أشقائنا العرب بعد أن أصبحوا يعتبرون السينما المصرية (هكذا بشكل عام وفي المطلق) "حمالة خطايا" السينما العربية كلها، فهي المسؤولة عن كل أشكال التدني والانهيار، في السينما وفي الحياة، وقد سبق أن حملها المخرج الجزائري الأخضر حامينا مسؤولية هزيمة 1967 أيضا!
(ملحوظة: يجب ملاحظة أن كاتب هذه السطور ليس من المعروفين بالتحدث بلسان السينما المصرية بل من أشد نقادها).أستطرد فأقول إن مستوى "مطبخ الروح" (وهو عنوان سخيف لفيلم أسخف) لن يمنع بالطبع من أن يأتي بعض الكاتبين بالعربية لكي يمتدحوا الفيلم الألماني (التركي الإخراج) فقط لأنه لمخرج تركي (يعتبرونه من أبناء عمومتهم) تماما كما أصبحوا يعتبرون كل فيلم إيراني فيلمهم، والسنيما الإيرانية بديلة لسينماهم. بالمناسبة الأفلام الإيرانية الأربعة في فينيسيا (وعلى رأسها فيلم المسابقة "نساء بدون رجال") أفلام من النوع الهزيل المفكك المتحذلق، وهي أساسا أفلام من التمويل الغربي، تبحث بأي شكل من الأشكال عن رضا الغرب.. وهذا موضوع لابد أن نتطرق إليه قريبا بصراحة كاملة.

السبت 12 سبتمبر

لم أر في حياتي شيئا مشابها لما حدث في مهرجان فينيسيا هذا العام، فقد انساق مدير المهرجان ماركو موللر مع نزواته وأدخل فيلمين من أفلام المفاجأة، وليس فيلما واحدا فقط كما أعلن المهرجان من قبل أن يبدأ، وبذلك أصبح هناك فيلمان اضافيان في المسابقة لم يعلن عنهما مسبقا: الأول الأمريكي "يابني.. يابني.. ماذا فعلت" للمخرج الذي يهبط مستواه بشكل مدهش فيرنز هيرتزوج، والثاني الفيلم الفليبيني "لولا" للمخرج الذي اثار فيلمه الأخير في مهرجان كان الكثير من الاستياء لكنه حصل على احدى الجوائز، وهو بريلانتي ميندوزا، وعنوان الفيلم هو "لولا" الذي لم أشاهده لأنني ببساطة رحلت عن المهرجان قبل أن يعرض في اليوم الأخير، كما لم أشاهد فيلم "رجل أعزب" الأمريكي للمخرج توم فورد الذي لاقى اعجاب الكثيرين كما علمت.
من "المفاجآت" الأخرى في المهرجان أن تمنح لجنة تحكيم المسابقة الخاصة بالأفلام القصيرة جائزة الترشيح لجوائز الاتحاد "الأوروبي" 2009- لاحظ التشديد على الأوروبي هنا- للفيلم "الإسرائيلي" القصير "الخاطئ" لمخرج يدعى ميني فيليب، وهو ما يعني أن المهرجان يعتبر إسرائيل دولة أوروبية بينما تصر اسرائيل نفسها على اعتبار نفسها جزءا من آسيا، ومن الشرق الأوسط، بل ومن أمريكا أحيانا، وفي كل الأحوال، حسب ما يخدم مصلحتها وادعاءاتها الكثيرة التي لا تنتهي. ولاشك أنها أيضا يمكن جدا الآن، أن تعتبر نفسها جزءا عضويا لا يتجزأ من العالم العربي.. بعد أن تخلت دول عربية كثيرة عن التمسك بالعالم العربي وأصبحت تتطلع إلى كيانات أخرى أو إلى مجرد التواجد على الخريطة، أي خريطة!

الثلاثاء، 8 سبتمبر، 2009

"أمير الدموع": أنشودة عذبة عن الحب والصداقة والخيانة في زمن القهر

يعتبر فيلم "أمير الدموع" للمخرج يونفان، وهو فيلم من الإنتاج التايواني المشترك مع هونج كونج، من أفضل وأهم الأفلام التي شهدتها مسابقة الأفلام الطويلة في الدورة السادسة والستين من مهرجان فينيسيا السينمائي.
لماذ نعتبر هذا الفيلم عملا متميزا؟
الأسباب هي أولا توفر سيناريو جيد شخصياته مرسومة ببراعة والعلاقات المتداخلة المركبة فيما بينها، تتطور بشكل سلس ومقنع، والعلاقة بين الخاص والعام في هذا السيناريو منسوجة ببراعة، وبدون إقحام أو خطابة.
ثانيا: الإخراج المتميز بلمسات شاعرية رقيقة كالنسيم، مما يجعل الفيلم رغم قتامة موضوعه وقسوته، يبدو كالقصيدة الجميلة التي تخاطب العقل والقلب والوجدان، كما أن الأداء التمثيلي يتميز كثيرا من جانب جميع الممثلين الذين اشتركوا في الفيلم، من الأطفال إلى الكبار.
ثالثا: التصوير السينمائي البديع الذي يجعل الإنسان يتماهى مع الطبيعة، ويجعل الطبيعة شاهدا على ما يحدث من قهر للإنسان، كما أن المخرج يعرف أين ومتى يتوقف عن الاستمرار في السرد وتطوير الحبكة، لكي يتيح لأبطاله وجمهوره بالتالي، لحظات من الأمل وطرح التساؤلات التي لا نسمعها وإنما نشعر بها تحت جلد الصورة.
رابعا: الموسيقى المصاحبة المتميزة بكلاسيكيتها ورونقها الخاص، والتي تضفي جوا من السحر على الصورة فتساهم في تكثيفها، كما تتناسب مع أجواء العلاقة البارزة في الفيلم بين عالمي الأطفال والكبار.
موضوع الفيلم يدور في تايوان الخمسينيات أي في الفترة التي شهدت أجواء سياسية محمومة، حينما كانت السلطة السياسية تشم رائحة الخيانة والتسلل الشيوعي في كل مكان، وكان لابد في تلك الأجواء المشوبة بالتوتر والقلق وانعدام الثقة، أن تكثر الوشايات ويسقط الكثير من الضحايا الأبرياء أو يدفع الكثيرون ثمنا باهظا لغير ذنب ارتكبوه. وكانت جزيرة "فورموزا" التي أصبحت "تايوان"، قد أصبحت محورا لنزاع سياسي لايزال قائما حتى اليوم، منذ أن لجأ إليها الزعيم الصيني القومي تشانج كاي تشيك بعد خلافه مع حلفائه الشيوعيين بزعامة ماوتسي تونج وبعد انتصار الشيوعيين وسيطرتهم على السلطة عام 1949، ثم ما أعقب ذلك من إعلان الأمريكيين ضمانهم لنظام تايوان (الرأسمالية) ولبقائها بعيدة عن خطر الزحف الأحمر، مع استمرار الصين في التلويح بضرورة ضمها إليها باعتبارها كما تقول، جزءا لا يتجزأ من أراضيها.
وعلى العكس تماما من معظم الأفلام التي شاهدناها من قبل حول الصراع بين الصين وتايوان، خصوصا في تلك الفترة المشحونة من أوائل الخمسينيات، يدور فيلم "أمير الدموع" حول "القمع الأبيض" في مقابل "القمع الأحمر" المعهود. فنحن هنا أمام تصفيات تقوم بها أجهزة الأمن في تايوان (الديمقراطية) ضد كل من تتصور أنه قد يكون لديه أي نوع من التعاطف مع نظام بكين، بل وتستخدم هذه الذريعة، من أجل تصفية حسابات شخصية.
محور الفيلم قصة حب بين طيار شاب مخلص لبلاده، وزوجته الحسناء المخلصة التي تربي ابنتيه.
لكن هناك من يحيك لهما المؤامرات هو صديق الزوج ورفيقه في الماضي الذي أصبح الآن عميلا للشرطة السرية، والذي يرغب في الاستيلاء على قلب الزوجة، لذا فإنه يدبر مؤامرة تبعد الزوج لكي يتم إعدامه رميا بالرصاص، وتبعد أيضا الزوجة لبعض الوقت إلى السجن لكي يبدو الأمر مقنعا، إلى أن يتم اخراجها لكي يتزوجها الصديق الواشي (الذي سقا الخمر بيديه لصديقه قبل إعدامه مباشرة).

الذريعة هنا أن الزوج الطيار عاد إلى منطقة يسيطر عليها الشيوعيون في الصين لأنه جاسوس، بينما الحقيقة أنه اضطر للعودة لانقاذ ابنته الكبرى.
الأم تتنكر في لحظة ما لابنتها لأنها السبب في اعدام الأب، والإبنة لا يمكنها أن تغفر للأم أن صديق العائلة، تخلص من والدها رغبة في الاستيلاء على الأم، بل والأم أيضا توافق وتقرر العيش معه.. أي مأساة!
إنه فيلم عن الصداقة والحب والخيانة والتآمر، وعن الجنرال الذي يملك قلب شاعر، وزوجته الحسناء التي تقع ضحية لتناقضاتها بين الرغبة في امتلاك الأشياء الثمينة وتذوق طعم الأشياء، وقناعاتها بالوقوف مع النظام الجديد في الصين الأم.. النظام الذي يتحدث باسم الفقراء والمطحونين، وعن التضحية الكبرى عندما تكون مطلوبة من أجل النجاة في زمن الموت الذي قد يأتي بدون ميعاد ولا مبرر، أو التجويع والتشريد لأصغر الأسباب.
أسلوب إخراج موضوع من هذا النوع يغري بالوقوع في التبسيط واتخاذ موقف أحادي هنا أو هناك، كما يغوي بالوقوع في الميلودراما الأخلاقية المباشرة.
أما الفيلم الذي شاهدناه، فينجح مخرجه يونفان بعبقرية، في تقديم عمل يفيض بالمشاعر دون أن يصبح ميلودراميا عالي النبرة، يبتز المشاعر بدون حساب، كما يفلت من توجيه الإدانة أو الشطب على شخصية لحساب أخرى.
إن كل شخصياته تبدو ضحايا تلك الفترة بأحداثها الصاخبة، ضحايا الصراع السياسي الذي لا أخلاق له ورغم أن هناك من يدفع الثمن بشكل مباشر إلا أن الجميع يدفعون، على نحو أو آخر.
وأسلوب الإخراج ينجح تماما في التحرر من الحبكة التقليدية، ويترك لنفسه العنان في التحليق بالموضوع فوق الماضي والحاضر، والانتقال من العالم الصغير، إلى العالم الكبير، كما يجيد استخدام الرمز الكامن في قصة "أمير الدموع" التي تروى في احدى كتب الأطفال المصورة، عن ذلك الأمير الذي جمدت دموعه وتحول هو نفسه إلى تمثال من الجماد احتجاجا على الشر المحيط به في العالم.
هذه الفكرة الرومانسية هي التي تغلف الفيلم وتروى من وجهات نظر مختلفة، وتتخذ أيضا طابعا فلسفيا إنسانيا عندما ترويها زوجة الجنرال قبل أن تقرر العودة إلى الصين الأم.
هناك دفء كبير يربط أيضا بين الشخصيات النسائية في هذا الفيلم على نحو لم يسبق أن شاهدناه في أي فيلم صيني، وهناك وجود قوي ومؤثر للأطفال، مع تمتع الفيلم بطاقم شديد الموهبة من الممثلين والممثلات.
إنه سباحة في التيار العكسي لفيلم "العيش" لجانج ييمو الشهير الذي كان يروي مأساة أسرة في زمن "القمع الأحمر". وهو أيضا مثله يستند إلى أحداث وشخصيات حقيقية يكشف عنها الستار في نهايته عندما يشير إلى مصائرها التي امتدت طويلا. ورغم أنه يعتبر فيلما سياسيا إلا أنه مصنوع لكي يلقى قبولا لدى الجمهور العام في اطار موضوعه الانساني.
وهو أخيرا، درس في الاستفادة من ذكريات الطفولة، مما حدث في الواقع، لتقديم "رؤية" خاصة شديدة السحر والجمال.. أليس هذا هو جوهر السينما كفن!

الأحد، 6 سبتمبر، 2009

أفلام من مهرجان فينيسيا


* باريا (أو باغيريا) Barria:
الفيلم الذي استثمر فيه الإيطاليون (من إنتاج شركة يملكها ابن رئيس الحكومة بيرلسكوني) 35 مليون دولار واعتبر أضخم إنتاج في تاريخ السينما الإيطالية، يعكس محاولة للعودة بهذه السينما إلى عصرها الذهبي عندما كانت تنتج الأفلام التاريخية المبهرة التي تدور في ديكورات ضخمة، وتستخدم مئات من الممثلين الثانويين (الكومبارس) الذين تجاوز عددهم في هذا الفيلم ألف ممثل ثانوي، وشيدت للفيلم ديكورات لقرية في ريف صقلية أهمها بالطبع الشارع الرئيسي بمبانيه التاريخية، وبنيت الديكورات في تونس حيث دار التصوير الخارجي في معظمه.
فيلم "باريا" بعكس أيضا رغبة مخرجه عاشق السينما الكبير جيوسيبي تورناتوري، في صنع "ملحمة" عن البشر وعلاقتهم بالمكان، عن الزمن، وكيف ينعكس على العلاقات وعلى البشر، عن العلاقة بين الأجيال وكيف تنتقل الأفكار وتكبر، وكيف تحبط وتصاب بالهزيمة دون أن يكف الإنسان أبدا عن التطلع إلى المستقبل، إلى الأفضل.
بطل الفيلم طفل يكبر يصبح شابا ثم رجلا ينجب عدة أطفال، وهو ينشأ في عائلة فقيرة تنتمي سياسيا إلى اليسار الشيوعي تحديدا، ويصبح من قيادات الحزب في البلدة، ويمر بفترة من التشكك أحيانا، عندما يعجز عن تقديم حل لمشاكل العمال، وبعد أن يعود من زيارة إلى موسكو، ويقول لرفيقه إنه رأى هناك أشياء سيئة مخجلة. وربما يكون هذا كما يرى بعض النقاد الإيطاليين، السبب في حماس بيرلسكوني تحديدا للفيلم، أي الجانب الذي يوجه انتقادات واضحة للتجربة الاشتراكية أو لقدرات الحزب الشيوعي.
والفيلم باختصار يروي قصة تلك الأسرة، التي محورها ذلك الشاب، ويطمح إلى تقديم صورة مكثفة في فصول متعاقبة لإيطاليا المعاصرة من خلال خصوصية تلك البلدة وأناسها، من الحقبة الفاشية إلى عصرنا الحالي، مع مزج الموضوع بقصة حب مغرقة في الرومانسية.
ولاشك أن في الفيلم الكثير من التفاصيل التي تتعلق بالسيرة الذاتية لتورناتوري نفسه، الذي يبدو وهو يطرق دروبا يعرفها جيدا، ويصور اناسا خبرهم وعاش بينهم.
الصورة السينمائية للفيلم على أروع مستوى ممكن، واستخدام حركة الكاميرا للربط طيلة الوقت، بين الشخصيات والمكان، ناجحة خاصة في استخدام مدير التصوير للرافعة "الكرين"، في المشاهد الضخمة التي تستخدم فيها المجاميع. وموسيقى العبقري إنيو موريكوني (الذي يجب أن نفخر بأننا نعيش في عصره) موسيقى تعبيرية تتدرج من الطابع الشعبي (الفولك) إلى الكلاسيكية، وتتميز بنغماته الخاصة المكتوبة للناي أو الكلارنيت ثم البيانو والتشيللو.
غير أن ما يعيب الفيلم الاستطرادات الكثيرة، وهبوط الإيقاع خاصة في الثلث الأخير من الفيلم حيث تفلت الحبكة من بين يدي المخرج فلا تفهم تحديدا أين يتجه لأنه يفشل في الوصول بفيلمه إلى ذروته الطبيعية.
ومن عيوب الفيلم أيضا تعدد الشخصيات بطريقة محيرة ومربكة أحيانا، والجرعة السياسية الزائدة كثيرا عن حاجة الفيلم، وعبوره على بعض الأحداث عبورا سريعا في حين أنه يتوقف أمام غيرها طويلا بلا مبرر.
وكان مستغربا بالفعل أن كل هذه اللقطات والمشاهد الجميلة تجعل مخرجا كبيرا بحجم موهبة تورناتوري (صاحب سينما باراديزو، ومكتشف المواهب) يسقط في حبائلها بحيث جعلته يعجز عن التوقف والقطع والانتقال من مشهد إلى آخر في الوقت المناسب، بل واستبعاد الكثير من المشاهد والشخصيات الزائدة واختصار الفيلم إلى زمنه الطبيعي الذي لا يتجاوز الساعتين (في حين أنه جاء في ساعتين ونصف تماما).

* الطريق The Road
توقعنا الكثير من فيلم "الطريق" المأخوذ عن رواية شهيرة بالعنوان نفسه للكاتب كورماك مكارثي تدور في المستقبل (الأمريكي تحديدا) حيث ينتهي العالم ربما بعد ضربة نووية، ويرتد الإنسان إلى الهمجية الأولى وإلى أكل بعضه بعضا.. بشكل حرفي أي تصبح هناك جماعات من أكلة اللحم البشري، وتنتشر الفوضى والخراب في الأرض، ويبحث الذين بقوا على قيد الحياة (ولم يؤكلوا بعد!) عن أي مصدر غذائي للبقاء على قيد الحياة.
المخرج الاسترالي جون هيلكوت Hillcoat تناول الموضوع بشكل تجريدي بغرض توصيل فكرة فلسفية عن التماسك الإنساني والحب بين رجل وابنه، رغم كل مظاهر الانهيار والتدهور والتفكك. إنه يبدأ بتعليم ابنه اطلاق النار من بندقية لا للدفاع عن النفس بل لكي يتمكن كلاهما من قتل بعضهما البعض عند الضرورة، وفي أحد المشاهد عندما يحاصر مجموعة من آكلي اللحم البشري الاثنين ويوشكوا على اللحاق بالإبن للفتك به وابتلاعه، ويكاد الأب أن يقتل ابنه بالفعل إلا أنه يتراجع تحت تأثير عاطفة الأبوة، لكي يواصل الإثنان معا رحلة الهروب. ولكن إلى أين؟
يتحول الفيلم بعد ذلك إلى أحد أفلام الطريق، ولكن في شكل رحلة كابوسية في عالم لم يعد قائما، يلتقيان خلالها ببشر لم يعودوا بشرا، وبضحايا لم يعد هناك أمل في إنقاذهم، بل إن رحلة الهروب نفسها تبدو عبثية، بعد أن تخلت الزوجة الحسناء (تشارليز ثيرون) عن الأسرة هربا من المصير البشع وحتى لا تضطر لقتل ابنها. ويلقى الأب مصيره بالموت، فيما تتبنى أسرة هاربة من الكارثة الإبن لينضم إليها في رحلة الهروب إلى الأمام.. لعلها تعثر على منفذ للنجاة.
المشكلة أن الفيلم يبدو خاويا، لا تطور كبير في أحداثه، والحبكة تعاني من فراغ وتكرار، بعد البداية القوية، لا نرى سوى تكرار لنفس الفكرة، واستطرادات تغذيها دون أن تضيف جديدا إليها، مع تهاوي الإيقاع العام للفيلم، وفقدانه أي قدرة على إثارة الاهتمام. ويبدو أن المشكلة الأساسية تنحصر في السيناريو الذي فشل في تقديم معادل سينمائي قوي يتمتع بالقدرة على التدفق والجاذبية، ربما أيضا بسبب القتامة الشديدة في الموضوع.

* "الحياة في زمن الحرب" Life During Wartime
فيلم أمريكي آخر من أفلام المسابقة (التي بلغت الآن 7 أفلام بعد عرض مفاجأة هيرتزوج!).
هذا الفيلم الذي أخرجه تود سولوندز، بدا أيضا أنه ضل طريقه إلى مسابقة فينيسيا، فهو يحاول التفلسف حول فكرة الغفران والسماح في مقابل النسيان ربما دون غفران، وأيهما أفضل، وهل من الممكن أن ينسى المرء دون أن يغفر لأن في هذا حلا أفضل بالنسبة لكل الأطراف، أم يغفر (ذلك الغفران المسيحي الموصى عليه في الكتاب المقدس) دون أن ينسى، وما فائدة الغفران في مثل هذه الحالة إذن إذا كنا سنظل نحمل في داخلنا ضد هذا أو ذاك أي دون أن ننسى ونسامح.
علاقات متفسخة بين ثنائيات، وعلاقات أخرى تنشأ على أمل إصلاح ما فسد في الماضي، لكنها مهددة بشبح الماضي نفسه.
شخصيات غير سوية في معظمها، منها من يعاني من الميل إلى الجنسية المثلية، ومنها من سبقت إدانته بالاعتداء على الأطفال، ومنها من فشلت في العثور على السعادة مع زوجها الذي أنجبت منه لكنها وجدت أنه لم يكن "رجلا بما فيه الكفاية" وتتخيل الآن أنها عثرت على الرجل الذي يثير كل مشاعرها بلمسة واحدة منه.
هذا الموضوع "الأدبي" أيضا يعالجه سولوندز بطريقته التي تعجب البعض، أي من خلال الحوارات الطويلة الساخرة، والمشاهد المسرحية الجامدة، إلا أنه يمزج فيما بينها، ويجعل شخصياتها تتداخل وتتقاطع، باعتبارها شخصيات متصلة ببعضها، باستثناء شخصية امرأة متقدمة في العمر (شارلوت رامبلنج بعد أن فقدت أنوثتها الطاغية القديمة!) تصطاد رجلا في أحد البارات، يتصادف أنه عاشق الأطفال الذي خرج لتوه من السجن، ويريد العودة إلى أسرته لكنه لا يعرف كيف، لكي تقضي معه ليلة من الجنس المرهق، تنتهي بمحاولته أن يستولي من حقيبة يدها على مبلغ من المال، فتضبطه متلبسا لكنها بدلا من أن تنهره، تمنحه كل ما معها من مال، وتقول له إن الذي يطلب الشفقة هو الوحيد الجدير بعدم السماح.
الكوميديا في الفيلم تنبع من خلال الحوار الطريف والتعليقات الساخرة وليس من خلال المواقف والأحداث، والأداء التمثيلي مسرحي نمطي في معظمه، باستثناء أداء الممثل الأيرلندي شياران هندز (في دور اللواطي المغرم بالأطفال) وشارلوت رامبلنج في أكثر أدوارها توحشا وعنفا بدون أي عنف!
هذا الفيلم الذي يعد استمرارا لفيلم "سعادة" Happiness للمخرج نفسه، يعاني أيضا من ثقل الإيقاع، ومن المبالغات في رسم بعض الشخصيات، ولكن هذا النوع من الدراما يبدو قريبا من جمهور الطبقة الوسطى الأمريكية، ويناسب ذوق واهتمامات تلك الشريحة العريضة من الجمهور التي تدمن على مشاهدة التليفزيون، ولذلك فمكانه الطبيعي أن يستقر في المحطات التليفزيونية.

السبت، 5 سبتمبر، 2009

مفاجأة "الفيلم المفاجأة" في فينيسيا

أصبح حديث الساعة في جزيرة ليدو حيث تجري أحداث الدورة السادسة والستين من مهرجان فينيسيا السينمائي ما يسمى بـ"الفيلم المفاجأة".
هذه البدعة التي يهواها مدير المهرجان ماركو موللر، شملت 4 أفلام، أعلن عن اثنين منها رسميا قبل بدء المهرجان (وانتفت بالتالي فكرة المفاجأة منهما)، وظل هناك اثنان أهمهما بالطبع هو الفيلم المدرج في المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة الذي يجعل عدد أفلام المسابقة 24 فيلما في سابقة غير مسبوقة خلال العقدين الأخيرين (أقصد من حيث عدد أفلام المسابقة).
أما ما حدث واعتبر أيضا أمرا غير مسبوق، ليس فقط في تاريخ مهرجان فينيسيا السينمائي كما اعترفت إدارته في بيان وزع اليوم على الصحفيين، بل وفي تاريخ مهرجانات السينما في العالم على حد معرفة كاتب هذه السطور.
الفيلم المفاجأة في المسابقة عرض ضمن عروض الصحافة الدولية مساء أمس وظل عنوانه مجهولا حتى آخر لحظة على العكس من العام الماضي الذي عرفنا فيه اسم الفيلم قبل بدء عرضه بعد أن تسرب عمدا على الأغلب.
وجاء الفيلم المفاجأة.. مفاجأة غير سارة على الإطلاق فهو فيلم "يابني.. يابني.. ماذا فعلت؟" My Son.. My Son.. What Have You Done للمخرج الألماني الشهير من جيل السبعينيات في السينما الألمانية فيرنر هيتزوج، وإن كان فيلمه من الإنتاج الأمريكي ويدور على أرضية أمريكية وناطق باللغة الانجليزية.
غير أن الأمر المثير للاستهجان والاستياء بل والتساؤل عن "الموضوعية" و"المصداقية" أيضا هو: كيف يمكن تبرير عرض فيلمين لنفس المخرج في المسابقة الرسمية؟ فهناك فيلم آخر لهيرتزوج يتنافس على الأسد الذهبي والفضي وغير ذلك من جوائز، هو فيلم "اللفيتنانت السيء" أو من الأفضل أن نطلق عليه بوضوح "الضابط السيء: مرفأ نيو أورليانز" The Bad Leiutenant: New Orleans
وليت الأمر انجلى في النهاية عن فيلم يمكن قبوله باعتباره عملا غير مسبوق، أي "تحفة" من تحف السينما العالمية، بل تمخض الأمر بأسره عن فيلم شديد الضعف والهزال، مثير للملل بل وللاستنكار أيضا.
الفكرة التي ينطلق منها هذا الفيلم فكرة نظرية تماما، ربما يمكن أن تصنع عملا "إذاعيا" مثيرا للاهتمام في نصف ساعة أو نحو ذلك، أما في السينما فالأمر يتطلب سياقا للسرد يمكنه أن يجذب المتفرج من أول لحظة ويدخله مباشرة إلى العالم الذاتي للشخصية الرئيسية.
لكننا هنا أمام فكرة تقوم على أن العالم سيء ومليء بالشرور (وهذا ليس جديدا) وأن الإنسان الأكثر حساسية يمكن أن يقع ضحية لمشاعره وأحاسيسه المرهفة وقد ينتهي أيضا إلى ارتكاب جريمة تبدو بشعة وتجعله يبدو كوحش في عيون الرأي العام، إلا أنه في الحقيقة، ضحية هذا التدهور المحيط بالعالم، وقد ارتكب جريمته ليس رغبة في ابداء الشر بل في اطار نوع من "التكفير" أو تقديم "القربان" ربما.
ويجب أولا أن أؤكد لقراء هذا المقال من الشباب المحب للسينما، أن التذرع، كما يفعل هذا الفيلم في مقدمته، بأن أحداث الفيلم مبنية على حادثة حقيقية، لا يجب أن يرهبنا أو يجعلنا نسلم بالضرورة بخطورة الفيلم وأهميته، فلا يكفي أن تكون الأحداث قد وقعت في الواقع، بل الأهم أن تبدو مقنعة وأنت تجسدها في السينما، بل ويجب أن يكون تجسيدها أيضا، كما أشرت، يتمتع بالجاذبية والرونق والسحر الداخلي والجمال.
أما في فيلم هيرتزوج الذي تروق له كثيرا فكرة العلاقة بين الإنسان والعالم وكيف يمكن أن يؤدي التدهور الحاصل في العالم إلى تدهور في سلوكيات الانسان الفرد "النقي" "المعذب" "الأكثر حساسية"، فإننا لا نرى نجاحا في تجسيد الفكرة والأحداث.
إننا أمام رجل يدعى "براد" (يقوم بالدور مايكل شانون) وهو ممثل مسرحي يؤدي دورا رئيسيا في احدى التراجيديات الاغريقية لسوفوكليس، لكنه يصل في تقمصه إلى درجة خطيرة تجعله ينتهي إلى القتل بالسيف.
ويبدأ الفيلم والشرطة تحاصر بيت براد الذي تحصن داخله مهددا بقتل رهينتين معه. ونعود في مشاهد "فلاش باك" طويلة ومملة ومليئة بالثرثرة اللفظية واللقطات الطويلة المتوسطة، إلى علاقة براد بالمسرح وبالمخرج وبصديقة له (الاثنان حضرا بناء على طلب الشرطة للمساعدة في "تشخيص" حالة براد مع ضابط الشرطة "وليم دافو") ثم نرى مشاهد طويلة أخرى تدور بين براد وأمه التي تحبه ويحبها هو كثيرا جدا مما يستبعد وجود اي دافع لقتلها.. إلى أن نصل إلى لحظة الجنون التي تجعله يقتلها بالسيف دون أن نشاهد فعل القتل.
الفيلم من البداية يعلن مسبقا عن موضوعه وعن نهايته لذا فليس من المتوقع على الاطلاق أن فيلما بهذا الشكل سيجعل أي جمهور يقبل على مشاهدته خاصة وأن مخرجه يقدمه باعتباره فيلما من أفلام الرعب، ويقول إنه مع ذلك "يخلو من الدماء".
أسلوب الفلاش باك المتكرر بطول الفيلم ممل ولا يثري الفيلم بل يزيد كما ذكرت من جرعة الملل بسبب بطء الإيقاع والاعتماد على الحوارات المكثفة أمام الكاميرا وكأنك تشاهد برنامجا تلفيزيونيا لتشريح حالة مريض نفسي (بسبب ولعه بالمسرح هنا، ونفوره مما يحدث في العالم من نفاق وتدهور وغش!).
لكن يبدو أن هيرتزوج الذي لم يكن يكاد يجد عملا في السينما في بلاده أصبح فجأة من المرغوب فيهم بشدة (لأسباب أجهلها) في السينما الأمريكية.. وقد أخرج فيلمين في العام الجاري وحده هما اللذان يعرضان في فينسيا، وقد منح فرصة اعادة إخراج فيلم سبق إنتاجه وحقق من النجاح ما حققه هو فيلم "الضابط السيء".
وكنت قد شاهدت "الطبعة" الأولى من هذا الفيلم عند عرضه في مهرجان كان عام 1992 من إخراج أبيل فيرارا، وكان يقوم بدور البطولة فيه الممثل الكبير هارفي كايتل.
أما في الطبعة الهيرتزوجية (نسبة إلى هيرتزوج) فيقوم بدور ضابط الشرطة المنحرف الممثل نيكولاس كايج بدون أي نجاح يذكر. وإذا قارنا أداءه بأداء كايتل لبدا كايتل شخصية من لحم ودم ومشاعر أما كايج فهو مثل "روبوت" مفتعل يتحرك في تهالك وتكاسل ويؤدي بطريقة روتينية وبدون حرارة أو صدق.
الموضوع بالطبع قد يكون معروفا لهواة هذا النوع من افلام الصدمة الأمريكية (الصدمة بمعنى الإغراق في العنف والجنس أو بالأحرى الانحرافات الجنسية) وهو يدور حول ضابط يجد كل ما حوله فاقدا للمعنى، يعيش حياة شاردا كالكلب الأجرب، منبوذا لا أسرة له ولا مستقبل، الفساد داخل قسم الشرطة الذي يعمل به بلغ القمة، ولكن يتم التستر عليه بطريقة أو بأخرى، وهو على علاقة بعاهرة تبيع جسدها للأثرياء، وقد أدمن معها تعاطي الكوكايين، وهو على استعداد لارتكاب أي مخالفات من أجل الحصول عليه: السرقة والتهديد والابتزاز، ويتعقب ضحاياه من الشباب لتهديدهم ثم يستولي على ما معهم من مخدرات. لكنه يقع في مأزق تلو آخر، وينجو بأعجوبة من القتل لكي يقوم بتصفية خصومه من المجرمين في العالم السفلي، ثم ينال في النهاية ترقية من رؤسائه الذين يعتبرونه قد نجح في القضاء على عصابة من الأشقياء والمجرمين!
ويبدو البطل/ اللابطل في نهاية الفيلم وقد أصبح وحيدا أكثر عن ذي قبل، وربما يعود ليكرر أفعاله ولا ندري ماذا يمكن أن يحدث له!
لاشك أن فيلم فيرارا كان أكثر جرأة وحيوية في الايقاع والأحداث، أما هنا فنحن أمام مجموعة من "الكليشيهات" أو القوالب النمطية المعروفة والمألوفة الشائعة في الأفلام البوليسية. وإن كانت العلاقة بين الضابط ووالده من ناحية، والضابط وصديقته العاهرة، مرسومة بشكل أكثر حساسية.
وليس هناك في أسلوب الإخراج ما يوحي بنجاح هيرتزوج في تجاوز ما قدمه فيرارا في فيلمه، بل لقد قام أيضا باستبعاد بعض المشاهد التي ميزت الفيلم السابق ربما رغبة في الوصول إلى قطاعات أكبر من الجمهور.

الجمعة، 4 سبتمبر، 2009

ماذا يحدث في مهرجان فينيسيا؟



افتتاح صاخب يتحدى كان وغير كان، وحشد غير مسبوق من الأفلام الأمريكية (17 فيلما منها 6 في المسابقة)، وتنوع شديد يثري المهرجان بأعمال من بلدان لم يسمع أحد أنها تنتج أصلا أفلاما سينمائية (هناك فيلم من سيريلانكا في المسابقة)، وبلدان أخرى كان وجودها شبه معدوم لعقود كاملة (السينما المصرية التي تعود بثلاثة أفلام داخل وخارج المسابقة).
ليس من المضمون على الاطلاق أن تكون الأفلام الأمريكية على المستوى الفني المنتظر، والفيلمان اللذان شاهدناهما بالفعل وهما "الطريق" لجون هيلكوت، و"الحياة في زمن الحرب" لا يبشران بأي أما، ليس من الناحية الحرفية كما يتصور البعض أحيانا، فالـ"الصنعة" أو الحرفة لا غبار عليها، وهي لم تعد أصلا موضوعا للمناقشة في السينما الأمريكية التي تمتلك أعظم أدوات تكنولوجية في العالم، لكننا حين نقول أن الفيلم ردئا أو ضعيفا، لا نقصد أنه رديء من الناحية الحرفية، فهذا لايزال أمرا مطروحا في تناول الأفلام العربية من المغرب إلى لبنان، ومنها الكثير جدا مما نطلق عليه "أفلاما" تجاوزا أو على سبيل المجاز والتشبيه!
المهم.. لكي لا نتوه كثيرا، أعود لأقول إن الضعف قد يكون مرتبطا بطريقة صياغة الموضوع وأسلوب الحكي ولغة الفيلم واستخدام لغة السينما في التعبير عن موضوع معين، وبدرجة أساسية هنا، استخدام المونتاج بطريقة فنية تجعل الصور واللقطات والمشاهد المؤتلفة معا، تعبر عن "رؤية" بصرية وذهنية تثير من المتعة، بقدر ما تثير من الاهتمام.
وأما فيلم الافتتاح الايطالي "باريا" Barria أو "باغيريا" طبقا للهجة المحلية (أو ربما العمس هو الصحيح) فقد أثار ردرد فعل متباينة. يعتبره الكثيرون هنا أضخم انتاج في تاريخ السينما الايطالية (35 مليون دولار)، وأنا شخصيا معجب كثيرا جدا بتسخير هذه الميزانية الطائلة (ليس بمفاهيم هوليوود بل بمفاهيم أوروبا والبلدان المتقدمة والمتخلفة معا!) من أجل التعبير عن فكر سينمائي مجنون عاشق للسينما عن حق، يعبر عن ذكرياته ويروي تاريخ أسرته المرتبط وخلال ذلك يروي تاريخ ايطاليا من زمن الفاشية حتى عصرنا هذا.
الصورة والحركة (حركة الكاميرا والممثلين وتعاقب اللقطات) والتكوينات المدهشة، والموسيقى العبقرية لموريكوني، هي أبرز ما يميز هذا الفيلم. لكنه يسقط في الاختبار تحديدا بسبب سقوط مخرجه ومبدعه في التكرار والاستطرادات وعدم قدرته على السيطرة على الإيقاع والتركيز في السرد في الثلث الأخير من الفيلم.
الطريف أن "باريا" من انتاج شركة يملكها رئيس الحكومة الايطالية بيرلسكوني الذي امتدح الفيلم كثيرا وأثنى على اختياره لافتتاح المهرجان رغم أنه يروي قصة تتقاطع فيها مصائر الأفراد على خلفية سياسية محددة تنحصر في انتماء بطله بل وعائلته كلها إلى الحزب الشيوعي.
وهناك من سخر من تعليقات بيرلسكوني على الفيلم وطالبه بالكف عن القيام بدور "الناقد السينمائي" أيضا، أو بالأحرى، المنتج والناقد!
يمكنني القول أننا حتى الآن لم نر أي مفاجأة حقيقية. لكننا شاهدنا عملا أصيلا لامعا هو الفيلم البالغ الرقة والرونق والجمال "أمير البكاء" (تايوان- هونج كونج- الصين) الذي أتوقع أن يظهر في النتائج النهائية للمهرجان عند إعلان الجوائز. وسيكون لي وقفة تفصيلية أمامه فيما بعد.
أخيرا.. وعلى الرغم من التجديدات والاضافات الكبيرة التي طرأت على المهرجان إلا أن هناك فوضى لم أشهد لها أنا شخصيا، مثيلا منذ سنوات بعيدة.. فالنقاد والصحفيون يضطرون للانتظار أكثر من 30 دقيقة بعد موعد عرض الفيلم مرتين يوم الخميس فقط. وعندما بدأ عرض فيلم "الحياة في زمن الحرب" الأمريكي بعد 45 دقيقة من التأخر عن موعده، فوجيء الجمهور الايطالي بعدم مطابقة الترجمة مع حواره، وأخذ الجمهمر يطلق صيحات الاستهجان والاحتجاج ولكن بلا جدوى بالطبع، وهنا نقول أن هناك خللا (ليس فقط في النسخة التي أرسلت للمهرجان) بل في اللجنة المشرفة على سلامة واستقامة النسخ التي كان يجب أن تفحصها بدقة قبل اقرار عرضها (في المسابقة ايضا)!
وكلا الأمرين: التأخير المخل، والعيب في ترجمة الفيلم، ليس من الممكن تصور حدوثهما في مهرجان "كان" مثلا وإلا انقلب المهرجان كله واضطرب جدوله، لكنه يحدث في فينيسيا دون أن تقع أي كارثة.
لكن لا يجب أن ننسى أبدا أننا في إيطاليا: بلد العشق اللاتيني والمشاعر المتدفقة الحارة.. ألا يعوض هذا عن كل الأخطاء الصغيرة!

الثلاثاء، 1 سبتمبر، 2009

الاحتفال بمائة عام على مولد كيروساوا العظيم


مهرجان فينيسيا لن ينسى عمالقة السينما في العالم شرقا وغربا. كان فينيسيا أول مهرجان في العالم يحيي العام الماضي ذكرى السينمائي المصري الكبير يوسف شاهين، وفي الدورة التي ستفتتح غدا، يتذكر المهرجان العريق المخرج الياباني الاسطوري أكيرا كيروساوا بمناسبة مرور 100 عام على مولده الذي يصادف يوم 23 مارس 2010.
وستقام بهذه المناسبة مناقشة أو ندوة مفتوحة يوم 6 سبتمبر في قاعاة بيزانيتي، يديرها الناقد البريطاني بيتر كاوي، ويشارك فيها الناقد الفرنسي ميشيل سمون (رئيس الاتحاد الدولي لناقد السينمائيين) وناقد مجلة "تايم" الاسبوعية الامريكية بيتر كورليس، والكاتب الأمريكي دونالد ريتشي الذي يقيم في اليابان، والناقد الايطالي ألدو تاسنوي الذي أصدر عدة كتب عن كيروساوا، والكاتب الياباني تيورو نيجومي الذي عمل مساعدا لسنوات لكيروساوا.
وتتناول الندوة أعمال كيروساوا وأهميتها وتأثيرها على الثقافة الأمريكية ومقارنة تلك الأعمال بأعمال غيره من السينمائيين اليابايين، كما تتناول أفكاره ومواقفه الفلسفية والسياسية.


مسابقة الأفلام القصيرة في فينيسيا

تشمل مسابقة الأفلام القصيرة هذا العام 9 أفلام. ويعرض خارج المسابقة في افتتاح عروض المسابقة فيلم "حقيبة بلاستيكية" للمخرج الأمريكي الايراني الأصل رامين بحراني.
أما أفلام المسابقة فهي "سينماتوغراف" لسالومي الكسي (12 دقيقة) من بولندا، و"تهانئي" (30 دقيقة) من جورجيا، و"أعرف أن هناك رجلا" (10 ق) من ايطاليا، و"تسجيل" (7 ق) ليوناردو كارانو، واليساندرو بيرتيني من ايطاليا، و"مدينة في السماء" (28 ق) لجياكومو سيمين وهو مشترك بين بريطانيا وايطاليا، و"هذه هي الأرض ياأخي" (9 ق) ليان فيكتوفيتش من سلوفينيا، و"الأسرة الثانية" (27 ق) لألبرتو ديلا أرتي (ايطاليا)، و"مازالت طيور" (13 ق) لساره الياسن من النرويج، وأخيرا "مباركة" (19 ق) لبيدرو بيير من البرازيل.
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com