الثلاثاء، 11 أغسطس، 2009

"جرائم الشرف" وغياب العقل: جماعة قتل الزوجات



بقلم: أمير العمري

في الأدب العربي الكثير من النماذج البارزة المحفورة في الذاكرة عن الهوس بالمرأة كهدف للجنس فقط، عن اعتبارها نوعا من الملكية الخاصة للرجل، يفعل بها ما يشاء، يبقيها دائما تحت رحمته، يختار لها كيف ومن تتزوج، ويحدد لها الطريق الذي يجب أن تسلكه، بل ويلقي على عاتقها أيضا بضرورة تحمل ما لا تطيق من أجل إنقاذ العائلة، والحفاظ على "شرف العائلة"، فهذا "الشرف" يرتبط أساسا بتصرفات المرأة، وتقييد هذه التصرفات هو الضمان للحفاظ على هذا الشرف، أما الرجل فله مطلق الحرية بالطبع.
وعندما يبلغ شك الرجل في المرأة مبلغه، يكون قتلها عقابا عادلا لا يحاسب عليه الرجل ولا يجب أن يحاسب، فهو "غسل للعار"، واسترداد للكرامة وشرف العائلة.
هل هو "ميكانيزم" دفاعي موروث، عن نظام القبيلة، أو مداراة ضعف أصيل في هذا النظام الذي انتقل إلى الأسرة في المجتمعات الشرقية، حتى أصبح ذلك العدوان على النساء يتم أيضا بمبادرة وأوامر عليا من المرأة- الأم أحيانا، وليس فقط من الأب- البطريرك.

في الثقافة الأخرى
أعمال أدبية مثل رواية "البوسطجي" ليحيى حقي، و"حادثة شرف" ليوسف إدريس، و"دعاء الكروان" لطه حسين وغيرها، تناولت جوانب من هذا الموروث وصورته.
غير أن الأمر لا يقتصر على ثقافة ذات ملامح محددة هي الثقافة العربية أو الإسلامية كما يشاع، بل تمتد أيضا إلى الثقافة الأخرى، المسيحية، فمن المعروف أن الروائي الكولومبي الشهير جابرييل جارثيا ماركيث، استمد روايته ذائعة الصيت "وقائع موت معلن" من حادثة حقيقية وقعت لصديق له هو جايتيانو جنتيلي في بوليفيا عام 1951. وكان هذا الرجل قد أقام علاقة مع فتاة تدعى مرجريتا شيكا سالاس ثم هجرها. وفي يوم زفافها إلى رجل آخر علم الأخير أن الفتاة التي يوشك على الزواج منها فقدت "عذريتها"، فأعادها إلى أسرتها حيث قام أشقاؤها بتدبير قتل جنتيلي وتمزيق جسده. وقد أرجع ماركيث الجريمة البشعة إلى تسلط الكنيسة الكاثوليكية بمفاهيمها الأخلاقية المتزمتة على مقدرات الناس في تلك البلدان.
سلسلة الجرائم التي تقع وتعرف بـ "جرائم الشرف" لا تعرف حدودا، لا في الزمان ولا في المكان. ففي بريطانيا العظمى، في منطقة ساري القريبة من لندن، وقعت قبل بضع سنوات، جريمة قتل بشعة راحت ضحيتها فتاة كردية شابة تدعى بناز محمد، بعد أن رفضت قبول الزوج الذي أرادت أسرتها فرضه عليها، وأرادت أن ترتبط برجل آخر (كردي، مسلم ايضا) في حين رأت أسرتها ان هذا الرجل "ليس مناسبا". وكان أن أصدر الأب (البطريرك) أوامره بالتخلص منها فقتلها ثلاثة من شباب العائلة.
أما يشو يونس، وهي فتاة باكستانية (16 سنة) كانت تقطن في غرب العاصمة لندن، فقد لقيت مصيرها على يدي والدها بعد ان أقامت علاقة عاطفية بشاب من خارج المجتمع الكردي في بريطانيا، وكان عليها أن تدفع الثمن: حياتها، فقد طعنها والدها 11 طعنة ثم أراد أن ينتحر.
وقضت نوزيات خان، وهي امرأة متزوجة في جنوب لندن، مصرعها على يدي زوجها بعد أن خنقها، لا لسبب إلا لأنها طلبت منه الطلاق بعد أن أصبحت حياتها معه مستحيلة. وقد فر الزوج بعد ارتكابه الجريمة إلى باكستان ولايزال مطلوبا.
وتقدر السلطات البريطانية عدد النساء اللاتي يقتلن في إطار ما يعرف بـ "جرائم الشرف" بأكثر من 5 آلاف امرأة سنويا، أو بمعدل 13 امرأة في اليوم الواحد. هنا يجب أن نعرف أن مجرد أن ترغب المرأة في الحصول على الطلاق لدى معظم الأسر الباكستانية، يعتبر من الأمور الماسة بالشرف.
أما الشك في حمل الفتاة نتيجة علاقة عاطفية خارج نطاق الزواج فهو بالطبع كبرى الخطايا، هنا ربما تكون الأم هي التي تصدر الأمر بالخلاص من العار، أو تشترك بنفسها في الجريمة.
وتقضي شاكيلا ناز حاليا عقوبة السجن المؤبد في باكستان بعد أن اشتركت مع ابنها في قتل ابنتها المراهقة الصغيرة شازاد بعد الشك في أنها أصبحت حامل من علاقة جنسية.
أفكار طارق علي
المفكر اليساري الشهير طارق علي، وهو بريطاني من أصل باكستاني، والذي كان زعيما للحركة الطلابية في بريطانيا في اواخر الستينيات وأوائل السبعينيات والمنتمي لعائلة "أرستقراطية" باكستانية مسلمة، كتب مؤخرا يروي كيف أن حفيدة عمه "زينب" (18 سنة) قتلت بطريقة وحشية في أكتوبر الماضي على أيدي أشقائها بسبب ارتباطها بشاب أرادت أن تتزوجه، رغم معارضة أهلها ولما استمرت في علاقتها به، أطلقوا عليها سبع رصاصات.
يقول طارق علي إن هناك 1262 جريمة من جرائم "الشرف" ارتكبت في باكستان عام 2006 فقط، إلا أن العدد الحقيقي يتجاوز ذلك لأن الكثير من الجرائم لا يتم رصدها أصلا.
ويضيف طارق علي في عرضه للموضوع بالتفصيل على صفحات "لندن ريفيو أوف بوكس": "تخيل المشهد التالي: يحلم رجل بأن زوجته تخونه، ثم يستيقظ من النوم فيجدها نائمة إلى جواره. وفي فورة غضبه يقوم بقتلها. لقد وقع هذا فعلا في باكستان ولم ينل الزوج القاتل أي عقاب".
ويتساءل: "إذا كان الحلم يمكن أن يصبح مبررا لجرائم الشرف فمن من النساء بمنأى عن الاتهام؟ وطالما أن الشرطة والنظام القضائي يعتبران الجرائم التي تقع داخل الأسرة شأنا خاصا فمعظم حالات القتل لا تنظر أمام القضاء حتى بعد أن يتم التحقيق فيها وتسجيلها".
تقرير مركز الأرض الذي نشر في مارس الماضي عن العنف ضد المرأة المصرية تلفت الفقرة التالية فيه النظر:"كشف التقرير عن مقتل 384 امرأة خلال العام الماضي الذي شهد 478 حادث عنف ضد المرأة، ورصد التقرير تنامي ظاهرة جرائم الاختطاف والاغتصاب. وقال التقرير الذي صدر بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، إن 145 سيدة لقين مصرعهن نتيجة العنف، و48 تعرضن لحوادث اختطاف واغتصاب، وإن 34 سيدة توفين بسبب العنف داخل الأسرة، فيما توفيت 11 سيدة بسبب الإهمال الطبي، وأضاف أن العام الماضي شهد 23 محاولة انتحار أسفرت عن وفاة 16 سيدة، وأن 23 امرأة لقين مصرعهن في حوادث طرق، ولفت إلي أن 56 حالة وفاة نتجت عن جرائم قتل عمد بينها 33 حالة داخل محيط الأسرة".
كذلك يجب التوقف أمام الفقرة التالية من التقرير: "وتصدرت ربات المنازل قائمة الضحايا بعدد 38 سيدة ثم الموظفات والخادمات والطالبات والعاملات، وكان الجناة في غالبية الجرائم من الأزواج، أو المطلقين أو ممن تم تحريضهم من جانب الزوج، وهذه الجرائم شهدت استخدام وسائل الذبح أو التشويه بمواد حارقة أو الماء المغلي أو الحرق بالكيروسين حتي داخل الأسرة، وشهدت الجرائم كذلك الضرب المبرح أو تهشيم الرأس أو الخنق".

في الغرب
ولا يجب ان يعتقد البعض أن "جرائم الشرف" قاصرة على الشرق فقط، بل إنها منتشرة أيضا بكثرة في الغرب رغم كل ما يقال عن الحريات واللامبالاة الاجتماعية وانعدام فكرة "الغيرة" أصلا في عقل الرجل الغربي.
القانون البريطاني مثلا لايزال يتسامح كثيرا في حالة ما يسمى بـ"جرائم الشرف". وفي 2003 مثلا صدر حكم بالسجن لسبع سنوات على رجل قتل زوجته بعد أن اعترفت بأنها على علاقة بمدرب الكاراتيه الخاص بها، وقد وقعت الجريمة أمام ابنتيهما الصبية عندما أخذ الزوج بوجه لزوجته طعنات متكررة. وقال الرجل في المحكمة إنه أصيب بنوع من العمى من شدة شعوره بالغضب.
ويعتبر القانون البريطاني جريمة الشرف قتلا على سبيل الخطأ، ولا ينال مرتبكها أحكاما مشددة مثل السجن المؤبد مثلا، كما يمكن أن يبرؤه القاضي تماما ويلتمس له العذر.

جرائم العار


في الأدب الغربي الكثير من الأعمال عن "جرائم الشرف" أو العاطفة، والتي يرى المستنيرون أنها تجلب "العار" لا الشرف، وأن الحل الأمثل لما يمكن أن يعتبر مساسا بالشرف في هذه الحالة هو الطلاق.
أما فيلسوف الوجودية الفرنسي الراحل جان بول سارتر فلم يكن يعترف بشيء يدعى "جرائم العاطفة". وفي مسرحية له بهذا العنوان يحول الموضوع من قضية تتعلق بالغيرة الشخصية بسبب الخيانة الزوجية مثلا، إلى الغيرة " السياسية، إذا جاز التعبير، بسبب الانحراف عن الهدف الأيديولوجي. فهو يصور كيف يٌكلف شاب باغتيال زعيم الحزب الشيوعي بعد أن انحرف عن الخط السياسي للحزب. لكن الشاب يصادق الزعيم، ويقترب منه، ويتفهم طبيعة أفكاره، ويتردد يالتالي في تنفيذ ما كلف به، ويصبح مثل "هاملت" حائر بين الواجب والمشاعر. ولكنه يحسم أمره عندما يدخل ذات يوم على الزعيم في مكتبه فيجد زوجته في أحضان الزعيم، فيجذب المسدس ويقتله. ويقضي القاتل فترة في السجن ثم يخرج ويختبيء في منزل عشيقته، ويرسل الرفاق رجلا لتصفيته، وتطلب منه الفتاة أن يفصل بين الشخصي والسياسي، أي أن يعترف بأنه قتل الزعيم انتقاما لشرفه المهدور، لكنه يرفض ويصر على اعتبار ما قام به عملا سياسيا ويخرج لملاقاة القاتل الذي يتربص به وينال منه بالفعل فيموت معتقدا أنه بطل من أبطال الحزب، في حين أن رؤساءه في الحزب يقومون باعتماد الرواية التي يريدون ترويجها والتي تتلاءم مع التوجه الجديد الذي يقضي بتبني الخط السياسي للزعيم الراحل أي يتبنون قصة أنه قتل انتقاما لشرفه.
سارتر يرى أن المغتال لا يحقق شيئا من وراء بطولته الزائفة الانتحارية، وأنه كان مسؤولا عن اختياره وقد دفع ثمن هذا الاختيار، فهو يرى عموما، أن الإنسان مسؤول بالكامل عما يفعل، وليس هناك مجال لتبرير ما يفعله بأنه كان واقعا تحت تأثير الانفعال أو الغضب، كما لا يعترف بتأثير الأحلام على الإنسان لأن الأحلام من خارج الواقع. وكان سارتر يستخدم المسرحية لتجسيد ذلك المأزق الوجودي.
وقد أصر سارتر على أن القصد من المسرحية، التي أغضبت في البداية الحزب الشيوعي الفرنسي، لم يكن إدانة الحزب، بل وحظر سارتر عرضها في أعقاب ما وجه إليه في صحف الحزب من انتقادات، على ألا تعرض إلا بعد موافقة الحزب.
جرائم الشرف كارثة اجتماعية بلاشك، لأنها تلغي الدولة والقانون، وتحكم شريعة القبيلة، وتكتفي عادة بمعاقبة طرف واحد. إنها جريمة لا تخضع أساسا لأي منطق أو عقل. وكما قال ألبير كامي فهناك "جرائم الشرف، وجرائم المنطق".

1 comments:

omar manjouneh يقول...

فى رأيى لا تأتى جرائم الشرف من فراغ (على الأقل فى الثقافة الشرقية) بل يمكن أن نقول عنها انها اخر نتيجة لسلسلة من المقدمات تتعرض لها معظم الفتيات و السيدات بدءا من التنشئة الأسرية والمدرسية حتى تتزوج وتصير ام (باعتبار وحهة النظر بان هذه هى النهاية الطبيعية لكل فتاة). الغريب فى الأمر أن الفتيات بدلا من أن يحاولن اثبات ما قد يغير بعض من هذه النظرة المجتمعية , الا انهن (فى الأعم) أصبحن توابع لهذه الرؤية , مثال : يقول الأب (البنات فاضية وبترغى كتير وكل همها شرا الهدوم) , يتردد نفس الكلام من المدرس ثم يأتى أحد الضيوف فى التليفزيون ليردد نفس الكلام .. ثم فجأة وجدت البنت أنها أصبحت فعلا كما يقال وتبدأ فى تأسيس حياتها وصداقاته على هذا المعيار. ما أقوله هنا قد يبدو وجهة نظر بها بعض السطحية أو احادية الجانب , لكنى أرى أن الأمر يتم هكذا فى المنظور العام مع وجود بعض الاختلافات بالطبع. وأظل أرى فى النهاية أن النساء (فتيات وسيدات) هن القادرات الوحيدات على تغيير هذا الوضع . تحياتى

عمر منجونة

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com