الأربعاء، 29 يوليو، 2009

خودوروفسكي يبدأ تصوير"كنج شوت" في أكتوبر

آخر أخبار الفيلم المنتظر "كنج شوت" King Shot الذي وصف بأنه سيكون أول فيلم من نوع "ويسترن ميتافيزيقي" للمخرج الشهير أليخاندرو خودوروفسكي (صاحب "الطوبو" و"الجبل السحري" و"الدماء المقدسة") سيبدأ تصويره في إسبانيا في شهر اكتوبر القادم.
وكان خودوروفسكي قد جاء إلى مهرجان كان الأخير (مايو 2009) وتمكن من تدبير باقي الميزانية المطلوبة لانتاج الفيلم، الذي يعد أول فيلم يخرجه خودورفسكي منذ 20 عاما، ويشارك في إنتاجه أطراف من اسبانيا وايطاليا والمجر والولايات المتحدة. وتبلغ ميزانية الفيلم 7.4 مليون دولار، تعتبر ميزانية صغيرة قياسا إلى الأفلام الأمريكية وبالنظر إلى الديكورات الضخمة التي ستبنى خصيصا لتصوير الفيلم.
وكانت قد سرت أنباء في مارس الماضي عن تأجيل تصوير الفيلم للعام القادم بسبب الأزمة المالية، وسيقوم مارلي مانسون في الفيلم بدور بابا للفاتيكان عمره 300 عام.
والطريف أن هناك عشرات المدونات على شبكة الانترنت باللغات المختلفة أنشأها المعجبون بأفلام خودوروفسكي، لمناقشة ومتابعة كل أخباره، ومن الآن تدور التكهنات حول الفيلم ونوعه ومحتواه وتعبر هذه المدونات عن الشوق البالغ إلى عودة هذا العملاق السينمائي الأسطوري للإخراج وهو في الثمانين من عمره.
جدير بالذكر أيضا أن آلان كلاين، موزع أفلام خودوروفسكي الشهيرة مثل "الطوبو" و"الجبل السحري" والذي كان "يعتقل" هذه الأفلام ويحول بينها وبين شبكة التوزيع العالمية ولو من خلال الاسطوانات الالكيترونية DVD، قبل أن يتصالح العام الماضي مع المخرج الكبير، قد توفى مؤخرا. وكان خلافه مع خودوروفسكي أشهر خلاف بين مخرج ومنتج في تاريخ السينما، فقد غضب عليه الأخير فقرر عدم عرض أو توزيع أفلامه إلى أن يموت، لكنها عادت إلينا لحسن الحظ قبل وفاته!
كنت منذ فترة أتساءل: إذا كان عماد الدين أديب (جود نيوز) يتوق إلى أن يصبح منتجا عالميا فلماذا لم يتقدم لإنتاج الفيلم ودخول تاريخ السينما كمنتج حقيقي لأفلام ستعيش طويلا في الذاكرة.. أليس هذا أفضل وأبقى من إنتاج أفلام مثل "ليلة البيبي دول" وأمثاله؟!
ديفيد لينش هو الذي تعاقد على إنتاج الفيلم. والأموال أصبحت جاهزة، ولكن هناك كلام عن أن آسيا أرجنتو قد لا تقوم بدور البطولة في "كنج شوت" بعد أن حملت مرة أخرى!

السبت، 25 يوليو، 2009

"موسم المسوخ": رؤية فوضوية مخيفة للعالم


شاهدت فيلم "موسم المسوخ" Season of Monsters في مهرجان فينيسيا السينمائي عام 1987 وأثار وقتها الكثير من الجدل والمناقشات حول التغير الكبير الذي طرأ على مسيرة مخرجه ميكلوش يانتشو الذي يعد من أهم مخرجي سينما الفن الرفيع في تاريخ السينما (وهو لايزال على قيد الحياة في الثامنة والثمانين من عمره)، وقد أعيد طبع عدد من أفلامه البارزة أخيرا على الاسطوانات الرقمية المدمجة. هنا المقال الذي كتبته عن الفيلم ونشر في حينه.
مخرج فيلم "موسم المسوخ" هو المخرج السينمائي المجري الكبير ميكلوش يانشتو MIKLOS JANCSÓ ، المولود في 1921، والحاصل على الدكتوراه في القانون، وبعد ذلك درس الأدب الشعبي وتاريخ الفن، وحصل على الدبلوم عام 1944. وفي عام 1950 تخرج من أكاديمية المسرح والسينما في بودابست، والتحق بالعمل مخرجا لأفلام الجريدة السينمائية.
أخرج يانتشو عددا من الأفلام القصيرة قبل أن يقدم فيلمه الروائي الأول "الأجراس ذهبت إلى روما" The Bells Have Gone to Rome عام 1958. أنتخب عام 1976 رئيسا لاتحاد السينمائيين المجريين، تعاون في معظم أفلامه مع رفيقه وصديقه، كاتب السيناريو جيولا هرنادي، الذي قضى فترة معه في السجن. وقد عرف الاثنان منذ الخمسينيات بمواقفهما المناهضة للستالينية، وتعرضا للسجن بسبب اعتراضهما على الغزو السوفيتي للمجر عام 1956.
أخرج يانتشو خمسة أفلام من الإنتاج الإيطالي إضافة إلى فيلمين من الانتاج المجري- الايطالي المشترك. أهم أفلامه هي "الأحمر والأبيض" (The Red and the White (1967، "صمت وبكاء" Silence (and Cry (1968، و"المواجهة" (The Confrontation (1968، "المزمور الأحمر" Red (Psalm (1971، "روما تريد قيصرا آخر"(Rome Wants Another Caesar (1973، "إليكترا" (1974)، و"رابسودي مجرية" (Hungarian Rhapsody (1978. وقد حصل فيلمه "المزمور الأحمر" على جائزة الاخراج في مهرجان كان السينمائي.
أما فيلم "موسم المسوخ" فقد حصل عن جدارة، على جائزة الإخراج في مهرجان فينيسيا، وكان بلاشك يستحق الحصول على الجائزة الكبرى.
يتمير أسلوب يانتشو الخاص بالاعتماد على الصورة واللقطات الطويلة، وحركة الكاميرا الدائمة، وتحطيم الشكل التقليدي للسرد. وهو أيضا مخرج مثقف، يمتلك خبرة كبيرة، ورؤية خاصة، واسلوبا ممتعا مثيرا للعقل والذهن.
يعتبر فيلم "موسم المسوخ" أحد الأفلام الصعبة بالنسبة للمتفرج المعتاد على مشاهدة قصة درامية تلعب فيها شخصيات رئيسية محدودة، الأدوار الأولى، تسندها شخصيات ثانوية، وتحكمها أحداث معينة تصل إلى العقدة أو الذروة إلى أن ينفك الصراع الدرامي بينها في النهاية. وقد يستخدم المخرج أسلوب التداعي الحر أحيانا، وتداخل الأزمنة أحيانا أخرى، دون أن يفقد المشاهدة القدرة على القراءة البصرية السهلة للفيلم.
أما "موسم المسوخ" فمن المؤكد أنه لا ينتمي إلى ذلك النوع من السينما. إنه عمل أكثر تعقيدا في جزئياته وتفاصيله، الدرامية والبصرية. وهو ينتمي إلى ما يمكن تسميته بالسينما الفلسفية أي السينما التي لا تعتمد على الفكرة أو الموضوع والحوار المحمل بعشرات الرموز والإيحاءات، بقدر اعتمادها على رؤية بصرية متحررة تمتليء بالعديد من التفاصيل الصغيرة، كما تهتم بالضوء والحركة داخل الصورة، وتكوين اللقطات، وزوايا التصوير، ولكن بطريقة تختلف عن مجرد توظيف كل عنصر من هذه العناصر لتحقيق السلاسة في رواية الموضوع. وفضلا عن هذا، تطرح هذه السينما عشرات الأسئلة حول الكثير من الأمور المجردة في حياتنا: الموت والوجود وقيمة العلم ومصير الإنسان، كما تحاول طرح بعض النبؤات المستقبلية.
"موسم المسوخ" يبتعد إذن في مضمونه، عن الواقعية، مقتربا من الفوضوية، ويبتعد في شكله عن الأسلوب التقليدي متجها بشدة نحو السيريالية.
ويظل السؤال البديهي هنا: ولكن هل هناك بالرغم من هذا كله، قصة يرويها الفيلم؟
نعم.. هناك قصة ولكنها ليست القصة التقليدية في بنائها الشائع، فهي لا تعتمد على شخصيات رئيسية وثانوية، بل ويمكن القول إنه لا توجد شخصيات في الفيلم كله تمتلك أبعادا درامية، فهناك أشباح لشخصيات، لا يهم هنا تحليل كل شخصية منها على حدة لكي نفهم دوافعها ومبررات وجودها وتصرفاتها، بقدر ما يهم النظر إلى العلاقات المرئية (الخفية أحيانا) بين أشباح تلك الشخصيات التي تتحرك أمامنا وكأنها تتحرك داخل حلبة سيرك كبير. وهو أسلوب يقصده المخرج تماما ويريدنا أن نرى فيلمه من خلاله.
في البداية نرى البروفيسور "زولتاي" وهو يدلي يحديث للتليفزيون، ثم تنتقل الكاميرا إلى منظر عام من بعيد لطائرة هليكوبتر تحلق فوق نهر الدانوب، ونرى ضفة النهر مزدحمة بالسيارات، والأعلام منتشرة في كل مكان. إنه يوم الاحتفال بالعيد الوطني للبلاد. الشمس ساطعة والجميع في حالة لهو وسعادة بالعطلة الرسمية. ونرى زولتاي يطل من نافذة مبنى فخم يطل على الدانوب. ونشاهد سيارة "فولكس" في سباق للسيارات في وسط المدينة تحرسها سيارة للشرطة.
وفي قاعة الاستقبال في أحد الفنادق الكبيرة يدخل الدكتور باردوش ويأخذه ضابط شرطة لمطابقة جثة قتيل في قاعة الاستقبال.. وهناك نرى جثة الدكتور زولتاي بعد أن أنهى حياته بالانتحار. ويراقب ضابط الشرطة الانفعالات على وجه باردوش على شاشة تليفزيون متصلة بدائرة داخلية للفيديو في غرفة أخرى. لقد كان باردوش وزولتاي زميلي دراسة. ونستمع إلى عزف موسيقي على آلة الساكسفون.
بعد هذه البداية التي توحي بأننا أمام فيلم بوليسي، تنتقل بنا الكاميرا إلى مكان آخر، حيث نرى التلاميذ السابقين للدكتور كوفاكس وهم يعدون احتفالا خاصا في منزل ريفي مطل على البحيرة بمناسبة بلوغ كوفاكس سن الستين. ونرى ثلاث فتيات يقفن في الطريق إلى المنزل، يرشدن الضيوف القادمين إلى الحفل. وتتجمع عشرات السيارات في ساحة المكان، والبروفيسور كوفاكس مسرور للغاية برؤية تلاميذه السابقين مرة أخرى وقد اجتمعوا معا بعد أن تفرقت بهم السبل وانتشروا في أرجاء العالم المختلفة.
ويقدم الدكتور كوفاكس فتاة ترتدي سترة جلدية سوداء إلى الضيوف باعتبارها ابنته. وتصبح هذه الفتاة منذ تلك اللحظة هي الدليل الذي سيصحب المجموعة، وتقوم الفتاة بالاشتراك مع تابع آخر يرتدي زيا أبيض، بأعمال التسلية والترفيه عن ضيوف الحفل.
والحفل هو محور بناء الفيلم، وهو المفجر لكل التناقضات والتداعيات المرئية التي تصل في النهاية إلى الفوضى التامة، المنظمة جدا بالطبع.
أولا هناك ثلاث فتيات هن "كاتي" و"آجي" و"أنا بليك"، يلعبن معا لعبة غريبة. وعندما يصل الدكتور كوموندي، وهو آخر من يصل من الضيوف إلى الحفل، يعرضن عليه فيلما مصورا بكاميرا الفيديو له وهو في طريقه إلى المنزل. ثم يشاهد تسجيلا للمقابلة التي أدلى بها الدكتور زولتاي للتليفزيون قبل انتحاره. ويكتشف أن كلمات زولتاي استبدلت بكلمات لكوموندي نفسه.
ويتفجر الجدل بين كوموندي الذي يؤمن بالجموع وبحقهم في التمثيل في السلطة، وباردوش الذي يؤمن بأحقية النخبة في إدارة الجموع. ويمتد الحفل حتى الصباح، ويتحول تدريجيا إلى الفوضى والصدام بين الجميع. وتبدأ الفتيات في إيذاء بعضهن البعض، وتقع أحداث عنيفة يروح ضحيتها رجال الاستعراض جميعا، وتتهم مجموعة الضيوف "كوموندي" بقتل رجال الاستعراض ودفن جثثهم في البحيرة بعد ان يغرق سيارته في جوفها وفيها جثث الرجال. ويصل مفتش الشرطة للتحقيق في الأمر، ويستعين برجل يعمل على آلة رافعة لرفع ما في أعماق البحيرة، وينتهي الأمر باستخراج حطام من مخلفات الحرب العالمية الثانية، ولكن لا أثر للجثث أو للسيارة.
مع انعدام الثقة وسيادة التشكك والرغبة في تدمير الذات بين الجميع، تقع مشاجرات عنيفة بين كوموندي وباردوش. ويعثر رئيس مجموعة التحقيق على الجثث، ويقوم بإحياء الموتى من جديد في شكل معجزة يشهق لها الجميع!
يترك المهرج خنجزا بالقرب من باردوش وكوموندي، ويقوم أحدهم بغرس الخنجر في رقبة أحد الأشقياء من الدخلاء المتطفلين على الحفل. وفي النهاية تصعد كل الشخصيات على ظهر ناقلة صغيرة لشحن الماشية، ويبتعدون وسط الضباب والانفجارات النارية التي تملأ المكان، وتحلق طائرة هليكوبتر فوق الجميع ولا تكف عن مطاردة الناقلة. ونسمع مجددا صوت آلة الساكسفون التي سبق أن استمعنا لها في افتتاحية الفيلم. تسقط الأمطار، وتضرب نافذة مكسورة، وينزل عنوان على الشاشة يتساءل: هل انتهت القصة أم أن هذه هي فقط البداية!
وينتهي الفيلم الغريب الممتع بكل ما يتضمنه من إثارة ذهنية، وتبقى عشرات التساؤلات: ما معنى هذا كله، وماذا يريد يانتشو أن يقول لنا، وعن ماذا تحديدا يتحدث، وهل هي رؤية للعالم أم للواقع أم لما بعد الموت؟


اللعبة الكبرى
فيلم "موسم المسوخ" يستخدم مخرجه شكل اللعبة لاستدراجنا إلى عالمه حيث يطرح تساؤلاته العميقة المقلقة حول حقيقة الوجود الإنساني، مغزاه طبيعته، حقيقة الحياة ومغزى الموت، والبحث الإنساني الشاق عن المعرفة والحقيقة، ورؤية يانتشو هنا رؤية فوضوية مخيفة للعالم تلخص رحلته في هذا الاتجاه، بدأها في أفلامه الأولى.
يانتشو لا يرى أملا كبيرا في النجاة، وهو يلخص في فيلمه رؤيته الخاصة عن الصراع الانساني ولكن باستخدام المجردات. إنه يستخدم أولا العناصر الثلاثة الرئيسية في الحياة (طبقا للنظرية القديمة) أي النار والماء والتربة. ويركز الكاميرا على كل عنصر من هذه العناصر ويستخدمه في تشكيلات سيريالية لكي يصور علاقته بالانسان أو علاقة الإنسان به، في إطار تلك اللعبة الغريبة التي يصورها ويلخص من خلالها فكرة الصراع.
الماء في البحيرة يخفي، كما تعتقد المجموعة، مسخا أو وحشا هائلا ينفث سمومه وأحقاده على العالم. والنار تشتعل من مكان إلى آخر بدون سبب، وتنطفيء من تلقاء نفسها لكي تشتعل في مكان آخر وهكذا. والساحر (أو رجل الاستعراض) يشير بإصبعه إلى مكان ما فتشتعل فيه النيران على الفور. والتربة أو الرمال، تستخدم لحفر القبور ودفن الموتى. وتغطيتهم بالعشب والتراب ثم تشتعل النار في الكومة الهائلة التي تغطي الجثث. وبعد ذلك يظهر من يحيي الموتى.

الفيلم والأسطورة
يتضمن الفيلم نقدا لاذعا للأساطير القديمة وأوهام "الميثولوجيا" المختلفة حول أصل الحياة، ويتهمها بالسخف، ويتخذها مادة للعبة ساخرة يمارسها الجميع. هناك أيضا فكرة يهوذا المعاصر الشرير، وفكرة البعث بعد الموت، وفكرة الكارثة النهائية التي تقضي على العالم أي فكرة نهاية العالم. وهناك أسطورة المسخ المجهول في أعماق البحيرة، التي يرد عليها يانتشو باظهار أن المسوخ الحقيقية موجودة داخل النفوس البشرية.
وفي الفيلم جرعة عالية من التمرد على فكرة الثورة وادارة المجموع التي يسخر منها يانشو بوضوح، وهو يصورالمجموع وهو يعاني من فراغ روحي كبير. ويكشف أن الإنسان يخضع للكثير من المعتقدات البالية الموروثة خضوعا آليا، ويصور كيف أن العالم يقترب من الكارثة دون أن يدرك أحد أنها قريبة، بل يستغرق الجميع في لعبة ممتدة مجنونة لاذاء النفس والغير، غير مبالين بما يرقد تحت السطح من خطر قريب.
في أفلامه السابقة كان يانتشو متمردا أصيلا، ولكنه كان يرى دائما بصيصا من الأمل والضوء في نهاية النفق.. في أعماق الصورة القاتمة.. قد يتمثل في شخصية ترشد الآخرين إلى طريق الخلاص. أما في هذا الفيلم فهو يغرق تماما في التشاؤم ويعبر عن رؤية فوضوية مخيفة يبررها بثقة شديدة أيضا. إنه نفس ما سبق أن انتهى إليه المخرج اليوغسلافي المتمرد دوسان ماكافييف في منتصف السبعينيات.
ويتفق يانتشو مع المخرج البريطاني ليندساي اندرسون- ذلك الفوضوي العظيم الذي رفع لافتة ضخمة في فيلمه "يالك من رجل محظوظ" تقول "الثورة أفيون المثقفين" ردا على مقولة ماركس الشهيرة.
أما على مستوى الأسلوب فقد كان محتما أن يصل يانتشو إلى السيريالية مذهبا، فهي الإطار الطبيعي لرؤيته الفوضوية العنيفة المقلقة.
إننا هنا أمام لوحات ضخمة تحتوي على كل العناصر السيريالية المعروفة: النار التي تشتعل في كل مكان ولا نعرف لها مصدرا، بل إنها تشتعل أيضا في الماء، والجثث التي تعود إلى الحياة، والأشخاص الذين يختفون فجأة، والهليكوبتر التي تحلق طوال الوقت في الجو دون أن نعرف ما هي وماذا تريد، وكأنها القدر الخارج عن نطاق الأفراد، والفتيات في ملابسهن البيضاء المثيرة وهن يقدمن عروضا استعراضية قريبة من فن "الايروتيك" دون أن نصل في أي مشهد في الفيلم إلى تصوير الجنس، فاللذة غائبة بعد أن حل محلها الاستعراض والتظاهر من على السطح، والاشباع مفتقد، والرغبة في تدمير الذات أصبحت هي محرك الشخصيات.
وتختلط الحقيقة بالخيال في الفيلم، والتكنولوجيا الحديثة بالأساطير القديمة، وتصبح جزءا من اللعبة، تساهم في تحقيق الكارثة أو التعجيل بوقوعها أو التعليق عليها. وفي الفيلم استخدامات واضحة لأجهزة التليفزيون والمراقبة والاستماع.

ما هو التفاؤل؟
في مقابلة معه يدافع يانتشو عن فيلمه ضد من يتهمونه بالتشاؤم فيقول:"إن فيلمي ليس متشائما.. إنه مثل أفلامي الأخرى السابقة. وإذا أخذنا في الاعتبار أن وجودنا يستلزم نوعا من البحث الدائم عن الحلول فإن هذا يعتبر تفاؤلا في حد ذاته. وعلى أي حال ما هو التفاؤل؟ هل هو في الحديث عن الثورة؟ وأين كان التفاؤل في فيلمي "المزمور الأحمر" الذي ترى في نهايته 800 جثة ترقد وقد وقفت الطيور فوقها"؟
"إنني لا أنتمي إلى جيل يعتقد أن الفيلم يجب أن يأتي بنوع من الحلول لحياتنا. وفضلا عن ذلك فإن الوضع العام، الفلسفي والإنساني، مصور في فيلمي. إننا ننكر حقيقة أن مثل هذا النوع من الأفلام قد لا يكون متسقا مع الموضة الشائعة اليوم، طالما أن لا أحد يمكنه أن يدلي باجابات شافية حول الحالة الراهنة للعالم. لقد دأبت المجتمعات الإنسانية على الكذب على مدار التاريخ. وكانت هناك عصور اعتنق فيها الناس الأكاذيب متصورين أنهم عثروا على "حجر الفيلسوف" وأنهم سيصنعون عالما أفضل. ولكن من المؤكد أننا توصلنا إلى اكتشاف أن تلك القناعة بأسرها لم تكن سوى وهم آخر كبير"!

الأربعاء، 22 يوليو، 2009

"جنس وفلسفة"من إيران: البحث عن السعادة في الحب

سبق نشر هذا المقال في موقع بي بي سي الذي يشهد حاليا تطويرا وإعادة بناء، ولذا أعيد نشره هنا حتى يتمكن قراء هذه المدونة خاصة من الوافدين الجدد عليها من قرائته ويبقى في أرشيف المدونة للمستقبل.
جنس وفلسفة" Sex And Philosophy ليس فيلما إيرانيا عاديا، بل لأحد أعلام السينما الإيرانية الجديدة التي برزت بقوة على خريطة السينما في العالم خلال الخمسة عشر عاما الأخيرة، وهو المخرج محسن مخملباف صاحب "كان يا ما كان سينما" و"سلام ياسينما" و"الصمت" و"قندهار".
مخملباف الذي ينتمي إلى تيار "سينما المؤلف" صاحب الرؤية، يكتب أفلامه بنفسه ويقوم بعمل المونتاج لها. وقد اختار منذ سنوات الإقامة خارج إيران، في أفغانستان التي صور فيها فيلمه السابق "قندهار" (2001) الذي أثار اهتماما عالميا كبيرا، وأثارت أفلامه ولا تزال، تثير له المتاعب داخل إيران.
إلا أن شهرة مخملباف وعلاقاته الدولية وما حققه من نجاح كبير خارج إيران، ثم نجاح ابنته سميرة مخملباف كمخرجة متميزة (في أفلامها الثلاثة حتى الآن) جعله يتحول إلى "مؤسسة" خاصة مستقلة، فهو ينتج أفلامه بنفسه بعد أن أصبح بوسعه الحصول على ما يشاء من تمويل.
وفيلم "جنس وفلسفة" من التمويل الفرنسي، أخرجه مخملباف في طاجيكتسان وفيه يتجاوز المحظور أي "التابو" المحرم في السينما الإيرانية السائدة منذ الثورة الإسلامية عام 1979.
وليس معنى هذا أن الفيلم يصور العلاقات الجنسية أو تظهر فيه مشاهد عارية، بل المقصود أنه يتناول فيه بصراحة موضوعا يعد من المحرمات في السينما الإيرانية الحديثة وهو موضوع العلاقة العاطفية بين الرجل والمرأة.

منظور شخصي
مخملباف يقدم فيلمه الجرئ من منظور شخصي فيه الكثير من التأملات الفلسفية التي ترتبط برجل تجاوز ما يسمى "منتصف العمر" ووجد لزاما عليه أن يبدأ في طرح التساؤلات حول الجنس وعلاقته بالحب، وهل هناك حقا حب يدوم إلى الأبد أم أنه وهم كبير، وبما يرتبط الوقوع في الحب، وغير ذلك من التساؤلات.
غير أن ما يجعل هذا الفيلم متميزا، ليس فقط ما يدور فيه من أفكار وقضايا مجردة لا يخجل المخرج- المؤلف من طرحها ومواجهة نفسه بها في شكل أشبه بـ "المونولوج"، بل أساسا في شكله السينمائي.
فالفيلم يستند إلى بناء موسيقي يستخدم فيه الرقص التعبيري أي التعبير بالجسد الأنثوي في تكوينات موحية خلابة، وهو ما تسبب في منع عرض الفيلم في إيران منذ أن انتهى المخرج من صنعه عام 2003.
وليس معروفا سبب عدم عرض هذا الفيلم من قبل أو حتى ظهوره في مهرجانات سينمائية دولية قبل خريف 2005 حيث عرض للمرة الأولى في مهرجان مونتريال السينمائي الشهر الماضي (سبتمبر/ أيلول).
لا يروي الفيلم قصة بالمعنى المألوف، بل يقوم على فكرة تتردد حولها أصداء عديدة خلال مسار الفيلم هي فكرة الحب الدائم المستمر المتجدد عندما يصطدم بمحدودية اللحظة.
بطل الفيلم - المعادل الدرامي لشخصية مخملباف نفسه الذي لا شك أن فيلمه يحمل رؤية شخصية - يدعى "جان" وهو اسم غير إيراني وغير طاجيكستاني أيضا وربما يكون المقصود أن يكون مرادفا للرجل عموما، أي رجل.. بل إن البطل يكرر في سياق الفيلم مرات عديدة أنه يفضل الحديث باللغة الروسية على اللغة الفارسية.
يفتتح الفيلم بطلنا هذا يقود سيارة في شارع فسيح مصفوف بالأشجار الكثيفة، وقد أشعل 40 شمعة وضعها أمامه في مقدمة السيارة، فهو يحتفل ببلوغه الأربعين.
ونحن لا نرى البطل في البداية بل نرى الشموع والطريق من خلال زجاج السيارة الأمامي، ونسمع صوته عبر الهاتف المحمول وهو يتصل بالنساء الأربع اللاتي ارتبط بهن عاطفيا في حياته يطلب من كل واحدة - دون معرفة الأخريات- التوجه للقائه في مدرسة الرقص التعبيري التي يفترض أنه يشرف عليها.

ثورة على النفس
ويردد "جان" العبارة نفسها للنساء الأربع: "لقد قررت الثورة على نفسي" أي أنه قرر مواجهة نفسه بالحقيقة ومواجهتهن بأسباب انتهاء علاقته بهن.
ويقدم مخملباف أربعة فصول مع كل واحدة من النساء الأربع، داخل مدرسة الرقص ولكن دون أن يكرر نفسه أبدا، من خلال مشاهد الرقص التي تشترك فيها - إلى جانب البطل والمرأة- مجموعة من الفتيات.
ويختلط الماضي بالحاضر من خلال العودة إلى لحظة الوقوع في الحب التي يصر بطلنا طوال الفيلم على أنه نتيجة "أمر تافه الشأن".
وحسب ما يوضح مع الحبيبة الثالثة "لولا أنني أصبت بإسهال وذهبت إلى المستشفى الذي كنت تعملين به لما كان الحب"!
أما الحبيبة الرابعة فتفاجئه عندما تدعو ثلاثة رجال للاحتفال بعيد ميلاده وتعترف أمام الجميع بأنها كانت تتخذ الأربعة عشاقا في وقت واحد حيث كانت تبحث عن الحب في كل منهم، وهي نفس فلسفة بطلنا في البحث عن السعادة.
يستخدم مخملباف تناول العشاق للخمر كمعادل للمتعة، والرقص التعبيري كمعادل للجنس، والموسيقى والشعر كمعادل للوجود من خلال الآخر.
ويطرح مخملباف رؤيته من خلال طرح التساؤلات حول مغزى الحب: كيف ينتقل من مستوى إلى آخر، من الحب الرومانسي المطلق إلى الغيرة والرغبة في السيطرة إلى إعلاء الجنس على قيمة الحب إلى محاولة إعادة خلق الحب.
ويذهب مخملباف أكثر من ذلك عندما يجعل بطله المتشكك في مفهوم السعادة عن طريق الحب يستخدم ساعة يمكن التحكم فيها لقياس لحظات السعادة في لحظات الحب.
وفي مشهد من الفيلم تحسب له الحبيبة الأولى لحظات سعادته حسب منطقه فتقول إنها لا تزيد عن 40 ساعة، أي بمعدل ساعة واحدة كل سنة من عمره!
مفهوم الحب
هناك بالتأكيد رغبة في اعتبار الحب بمفهوم مخملباف متعارضا - على نحو ما - مع الجنس- حسب مفهومه الشخصي النابع من ثقافته، وانعكاس هذا على الفيلم باستبعاد كل احتمال لمشاهدة لقطات حميمية بين الرجل والمرأة.
إلا أنه ترك المجال متاحا في مشاهد أخرى عديدة للتفسير والتأويل من خلال إشارات عديدة كامنة.
ويستخدم مخملباف تناول العشاق للخمر كمعادل للمتعة، والرقص التعبيري كمعادل للجنس، والموسيقى والشعر كمعادل للوجود من خلال الآخر.

يبدأ الفيلم ببطلنا وهو ينشد الخروج من الشعور بالوحدة فيبحث - كما يقول - عن موسيقيين أو مغنين يذكرونه بوالديه، ثم يعثر على أحد جانبي الطريق على مغن عجوز أعمى يحمل آلة الأكورديون وزوجته تمسك بيده، ويصعد الاثنان يركبان السيارة خلفه ويأخذ الرجل في العزف والغناء.
وفي المشهد النهائي من الفيلم نرى البطل وقد أصبح أكثر إحساسا بالوحدة عما كان، وهو يعود فيلتقي مجددا بالمغني الأعمى وزوجته وينتهي الفيلم بالغناء.
وقد يكون فيلم "جنس وفلسفة" من أكثر أفلام مخملباف تحررا وجرأة في السرد والشكل الفني. هنا لا يتميز الفيلم بما يميز عادة أفلام مخملباف أي المزج بين الطابع التسجيلي والطابع القصصي بل هناك تداعيات حرة تدور حول الفكرة التي تتركز حول الذات.

تكوينات مدهشة
هذا الطابع المختلف يجعل مخملباف يعتمد هنا على التشكيل بالألوان والتكوين باستخدام كتل الراقصات ويطوع الكاميرا، ويجعلها تلتقط فقط ما يريده ويبرزه في المنظور الأمامي بينما يشحب المنظور الخلفي.
ويكرر أحيانا الحركة مرات عدة ويميل إلى الإيقاع البطئ واللقطات الطويلة لاتاحة مساحة للتأمل.

ويستخدم مخملباف اللونين الأبيض والأحمر طوال الفيلم: لون هادئ ولون مشتعل، أو الهدوء الخارجي الظاهري والاشتعال الداخلي.
ويصور لقطة فراق الحبيبة الثالثة من أعلى، من عين طائر يحلق فوق المكان (غالبا من طائرة هليكوبتر لا نلحظ أي أثر يدل على وجودها). يسير الرجل مبتعدا في شارع ملتو بينما تغطي الثلوج أسقف المنازل وحواف الطريق وقد فقدت الأشجار أوراقها.
يحمل الرجل مظلة حمراء (دائما هناك مظلة في هذا الفيلم رغم عدم هطول المطر) ويسير مبتعدا مسافة طويلة ثم يتوقف ويعود مجددا من حيث أتى وتتابعه الكاميرا مرة أخرى من نفس الزاوية المرتفعة القريبة للغاية من أسقف المنازل وحواف الأشجار، إلى أن يلتقي بالمرأة التي تتوقف لكي يناولها المظلة ثم يستدير ليعود يواصل طريقه.
ولا شك أن الصورة الخلابة الأخاذة والتكوينات البصرية المدهشة في هذا الفيلم تعود للتعاون المتكامل بين مخملباف ومصوره المفضل ابراهيم غفوري.
"جنس وفلسفة" بموضوعه الجرئ الذي يتردد الكثيرون في طرحه، وبأسلوبه الفني والبصري المدهش وتمكن مخرجه في التعبير بالجسد والحركة والتكوين، ربما يكون أكثر الأفلام الإيرانية إثارة للفكر والخيال، غير أنه لهذه العوامل تحديدا ضمن أن يظل ممنوعا من العرض في إيران حتى إشعار آخر.

((تحذير: جميع الحقوق محفوظة))

الثلاثاء، 21 يوليو، 2009

في الطريق إلى مهرجان فينيسيا السينمائي

ملصق فيلم "الحرب العظمى"

لاشك أن المهرجان الأهم والأكبر المنتظر في الثلث الأخير من العام الجاري سيكون هو مهرجان فينيسيا السينمائي، أعرق مهرجانات السينما في العالم والأول في الاحتفال بهذا الفن الذي لم يكن ينظر له كفن راسخ قبل أن يؤسس هذا المهرجان عند بدايته في 1932 له باعتباره فنا يستحق العرض مثله في ذلك مثل الفن التشكيلي.
المهرجان أعلن أن لجنة التحكيم الدولية لأفلام المسابقة الرسمية سيرأسها في الدورة القادمة، السادسة والستين، المخرج الكندي- التايواني الشهير أنج لي الذي حصل على الأسد الذهبي في فينيسيا عام 2006 عن فيلم "جبل بروكباك".
المهرجان يقام في الفترة من 2 إلى 12 سبتمبر، والافتتاح كما سبق أن نوهنا في هذه المدونة، سيكون بالفيلم الإيطالي "باريا" للمخرج جيوسيبي تورنتانوري العائد إلى سينما بعد خمس سنوات من الغياب.

ماريو مونتشيللي

وقد قرر المهرجان الكبير أن يعرض فيلما كلاسيكيا شهيرا في اليوم السابق للافتتاح الرسمي في الأول من سبتمبر سيكون هو فيلم "الحرب العظمى" (1959) للمخرج الإيطالي الكبير ماريو مونتشيللي، وهذا الفيلم يعد إحدى التحف التي أخرجها مونتشيلي والذي سيحضر، وقد بلغ الرابعة والتسعين من عمره الآن، عرض فيلمه الذي تمكنت ستديوهات مدينة السينما في روما أخيرا من استعادته وانقاذ الأجزاء التالفة منه، بمساعدة مصوره العظيم جيوسيبي روتونو الذي تمكن بفضل التقنيات الحديثة في مدينة السينما، من استعادة الطابع الخاص للصورة، والرونق القديم الساحر للأبيض والأسود.
وكان هذا الفيلم، الذي يقوم بدوري البطولة فيه ألبرتو سوردي وفيتوريو جاسمان، قد حصل مناصفة، على جائزة الأسد الذهبي قبل خمسين عاما في مهرجان فينيسيا (1959) مع فيلم "الجنرال فيلا روفييري" للمخرج الكبيرالراحل روبرتو روسيلليني الذي يعد رائد الواقعية الجديدة في السينما الايطالية.
مهرجان فينيسيا أيضا عقد أيضا اتفاقا مع مجلة "فاريتي" الأمريكية الشهيرة المتخصصة لتغطية نشاطات صناعة السينما في العالم، وعلى اصدار طبعة خاصة يومية طوال أيام المهرجان، باللغتين، الإيطالية والإنجليزية. وهذه هي المرة الأولى التي تصدر فيها المجلة بصفة يومية من فينيسيا.
وكان المهرجان قد تعرض لانتقادات شديدة العام الماضي بسبب ردءاة اختيارات لجان المشاهدة خصوصا فيما يتعلق بأفلام المسابقة، وأعرب كثير من النقاد والسينمائيين عن سخطهم، كما وجهت انتقادات عنيفة لمدير المهرجان ماركو موللر الذي تعد السنة الجارية الخامسة له في ادارة المهرجان.
ولذا ينتظر أن يسعى موللر وفريقه للحصول على عدد من أفضل الأفلام، خاصة تلك التي لم تلحق موعد انعقاد مهرجان كان في مايو الماضي.
المشكلة التي تواجه المهرجان الآن أن أهل صناعة السينما نظموا الإثنين مظاهرة في روما، أمام مبنى البرلمان احتجاجا على قرار حكومة بيرلسكوني بخفض الميزانية المقررة لدعم الفنون بمقدار الثلث تقريبا، وهددت يعض الجهات والشركات السينمائية بمقاطعة مهرجان فينيسيا السينمائي كوسيلة للضغط على الحكومة للتراجع عن قرارها.

السبت، 18 يوليو، 2009

فيلم "خفي".. فرنسا- الجزائر: الأنا والآخر والمسكوت عنه

لم يعجبني فيلم مايكل هانيكه الجديد "الشريط الأبيض" الذي فاز بالسعفة الذهبية في مهرجان كان الأخير. وكان رأيي أنه أقل طموحا من ناحية الشكل واللغة والأسلوب بل والموضوع أيضا، من أفلام سابقة له اعتبرها علامات في تكور السينما.
من هذه الأفلام فيلمه البارز "خفي" Hidden أو "دفين" وهو من الإنتاج الفرنسي أخرجه هانيكه الذي يعمل منذ أكثر من خمس عشرة سنة في نطاق السينما الفرنسي عام 2005. وقد حصل على ست من جوائز السينما الأوروبية في تلك السنة منها أحسن فيلم. وهذا ماكتبته عنه في حينه:
للوهلة الأولى يبدو كما لو كنا أمام أحد أفلام التشويق والإثارة البوليسية، فعناصر الفيلم البوليسي المشوق تبدو متوفرة هنا:
* الحبكة التي تدور حول أسرة من الطبقة الوسطى الفرنسية: "جورج" مقدم تليفزيوني ناجح لبرامج الحوارات الحية وزوجته "آن" التي تعمل في إحدى دور النشر الباريسية، وكيف تبدأ هذه الأسرة في تلقي شرائط فيديو تصور المسكن الذي تقطن فيه من الخارج، ثم تتطور أكثر إلى تلقي مكالمات هاتفية غامضة، ثم وصول شرائط تصور أشياء تحمل إشارات إلى الماضي من حياة الزوج "جورج".
* من هنا يبرز التساؤل التقليدي الذي يطرح عادة في الأفلام البوليسية: من الذي يرسل هذه الشرائط وماذا يريد؟
* حالة اضطراب تقترب من "البارانويا" تصيب الأسرة، ثم يبدأ الزوج في البحث عمن يمكن أن يكون وراء تلك التهديدات الغامضة.
* اختفاء الابن الصغير "بييرو" (12 سنة) بعد خروجه من المدرسة وانقطاع أي خبر عنه عن والديه مما يؤدي إلى مزيد من التخبط والاضطراب.
هذه العناصر كلها ليست سوى حيلة خارجية من مؤلف ومخرج الفيلم مايكل هانيكه، لاستدراج المتفرج إلى موضوع فيلمه الذي يتناول قضايا أبعد ما تكون عن ما يطرح عادة في الفيلم البوليسي الذي لا هدف له إلا التشويق في حد ذاته.
ما هو الموضوع إذن؟ ولماذا هذه الطريقة في معالجته؟

أشباح الماضي
شرائط الفيديو التي يتعاقب وصولها إلى عتبة باب مسكن الأسرة تستدعي كوابيس من الماضي المدفون داخل مكنون بطلنا "جورج".
ثقة جورج بنفسه تبدأ تدريجيا في التراجع إلى أن يكاد يصل إلى الانهيار.
علاقة جورج بزوجته تبدو لنا في البداية علاقة متماسكة بين زوجين لا ينقصهما شئ لتحقيق السعادة: البيت الجميل والعمل المثمر والإبن ومجموعة من الأصدقاء من صفوة الطبقة الوسطى الباريسية.
وتحت وطأة ذلك التهديد الخارجي أو ذلك المجهول الذي يقتحم حياتهما بقسوة، تتأزم العلاقة بينهما ويتضح مدى ضعفها رغم تماسكها الظاهري.
جورج تطارده ذكريات من طفولته عندما كان عمره 6 سنوات، وكانت هناك أسرة جزائرية تعمل في خدمة والديه في الريف. وكان للأسرة الجزائرية ولد يدعى "مجيد" هو في عمر جورج تماما.
مجيد يظهر في أحد كوايبس جورج وهو يهوي على رأس دجاجة بمعول حاد فيفصله عن جسدها.
هذا المشهد المروع سنعود في مسار الفيلم فيما بعد عندما يرضخ جورج لإلحاح زوجته ويقبل أن يقص عليها من ماضيه، فنعرف أنه مسؤول عن هذا لأنه أدخل في روع الفتى أن هذه الدجاجة تجلب الشر إلى الأسرة وأن والده يريد منه (أي من مجيد) أن يقطع رأسها لاستئصال الشر نهائيا.
ويعترف جورج أنه اخترع الحكاية، وأنه قال لوالديه حكاية مخالفة عن روح الشر المتأصلة داخل مجيد.
ويروي جورج أيضا كيف التحق والدا مجيد بمظاهرة ضخمة من الجزائريين في باريس لدعم مطلب الاستقلال عن فرنسا وما انتهت إليه من إغراق الشرطة 200 جزائري في نهر السين، بينهم والدا مجيد.


المشكلة الآن أن جورج يشك في أن مجيد هو الذي يطارده بشرائط الفيديو، لتعميق عقدة الإحساس بالذنب لديه، بغرض ابتزازه.
أحد شرائط الفيديو يصور رواقا داخل مبنى سكني في أحد ضواحي باريس، بكاميرا تتحرك إلى أن تستقر على باب مسكن من المساكن.
يفحص جورج وزوجته الشريط مرات على أن يتمكنا من تحديد الشارع، ويذهب جورج يطرق باب المسكن فيجد مجيد في انتظاره.
يرفض الجزائري رفضا تاما اتهامات جورج له، ويؤكد أنه سعيد باللقاء، وأنه لا يريد منه شيئا، لكن حزنا نبيلا كبيرا يشع من عينيه.
يتعمق بنا الفيلم أكثر فأكثر ويكبر السؤال نفسه: من وراء إرسال الشرائط؟
جورج يبدو واثقا إن المسؤول هو مجيد أو ربما ابنه الذي يكتشف وجوده عندما يعود فيما بعد لتهديد مجيد.
أما نحن المشاهدون فيبدو لنا مسار الفيلم يبتعد تماما عن الإشارة بإصبع الاتهام إلى مجيد، بل إن الفيلم لا يبدو معنيا على الإطلاق بالأمر برمته.


مواجهة الذات
المخرج مايكل هانيكه، يستخدم الحيلة لكي يطرح المخفي والمسكوت عنه على المستوى الأعم والأشمل:
عقدة الذنب الفرنسية إزاء الجزائر، العلاقة الشائكة المعقدة بين الشمال الغني والجنوب الفقير: جورج يعيش حياة مرفهة مع أسرته يتمتع بالزوجة والابن والعمل الجيد والشهرة والمال والأصدقاء، في حين يعيش مجيد في مسكن بائس، بلا عمل وبلا أسرة، باستثناء ابنه الوحيد وبدون زوجة.
بعد المدخل الأول المعقد تبدأ أطراف الفيلم في مواجهة نفسها.
جورج يواجه مسؤوليته الآثمة عما وقع في الماضي، موهما نفسه بالطبع بأن ما فات ولى وانقضى وليس هناك أي مبرر للعودة والتكفير عما وقع.
الزوجة "آن" تواجه حياتها التي قامت على الزيف والتظاهر، مع زوج يفضل أن يخفي عنها أشياء تتعلق بحياتهما المشتركة معا وبما يواجهانه من خطر وتهديد.
الابن الذي يعجز عن التحقق وسط والدين انشغلا بأزمتهما عنه فيفضل الهرب من المنزل عن صحبتهما.

مجيد الذي لا يمكنه أن ينسى حتى لو اختار الغفران والاندماج، فهو على الهامش بكل معنى الكلمة. والدة جورج العجوز التي ترقد على فراش الموت لا ترغب في الخروج لأنها تشعر بوحدة أكثر مما تشعر به من وحدة أمام جهاز تستطيع أن تتخلص من سطوته بضغطة بسيطة على "الريموت كنترول". يتجه جورج إلى مسكن مجيد بعد أن اتصل به الأخير يدعوه لزيارته لكي يوضح له أمرا.


نهاية مفتوحة
مجيد يقول لجورج إن لا شأن له إطلاقا بشرائط الفيديو. ويضيف "أردت فقط أن تكون حاضرا"، ويقوم بقطع رقبته بموسى حادة فيتصاعد الدم مغرقا الجدار ويسقط الرجل على الأرض جثة هامدة، في واحد من أكثر المشاهد إثارة للفزع.
وينتهي الفيلم دون أن يصل المتفرجون إلى غرضهم المشروع: معرفة من الفاعل؟
ولا يجيب هانيكه عن السؤال بل يترك نهاية فيلمه مفتوحة، فالهدف ليس معرفة الجاني والقبض عليه وتقديمه لكي ينال جزاءه أما العدالة، فما هي العدالة هنا، وهل الأمر يتوقف عند حدود العامل الشخصي، وهل هناك جريمة أصلا، أم أننا أمام "فكرة" تقوم على عناصر تتوازن مع بعضها البعض لكي نتعرف من خلالها على صورة أعمق واشمل لما يدور في العالم؟
ما هي حقيقة ذلك الإرهاب الذي يتحدثون عنه في الفيلم، من المسؤول عنه، ومن أين أتى، وهل هناك فكرة أحادية مجردة تجيب عن كل شئ.
جورج يتلقى "نصيحة" من رئيسه في العمل بألا يعرض عمله للانهيار جراء ذلك كله.
إنه إذن مهدد. والشاب الجزائري (ابن مجيد) يحاصره في مكتبه قرب النهاية لا لشئ كما يقول له إلا لكي يرى كيف يواجه أمثاله ما حدث، فتكون الإجابة الواثقة من جانب جورج أن ما حدث حدث ولا شأن له به ولا ينبغي أن يكون هذا مدعاة للابتزاز وإلا!
ما هي العلاقة بين وعي جورج المدفون في سبات عميق بصورة إرادية، واللقطات التي يبثها التليفزيون عن وجود القوات الإيطالية في الناصرية وتعيين امرأة إيطالية قائدا عسكريا على الناصرية تحت إشراف البريطانيين!
ما علاقة اللقطات الثابتة الطويلة المصورة لمنزل الأسرة الفرنسية من الخارج، وما يقال من أن السينما هي الحقيقة 24 مرة في الثانية، وإلى أي حد يصدق هذا القول؟

24 كذبة في الثانية
يقول المخرج مايكل هانيكه: "في كل أفلامي أفحص ماهية الحقيقة في السينما والإعلام. وأشك كثيرا في يكون بوسع المرء العثور على الحقيقة من خلال مشاهدة فيلم.
"ودائما ما أقول إن الفيلم الروائي هو 24 كذبة في الثانية، وهي أكاذيب قد تروى بغرض الوصول إلى الحقيقة، بيد أن الأمر ليس كذلك دائما.
"أعتقد أن الطريقة التي استخدمت بها شرائط الفيديو هنا تهز ثقة المتفرج في الواقع. إن المشهد الأول في الفيلم هو واقع مجرد (مسكن الأسرة من الخارج) بينما هو في الواقع صور مسروقة بكاميرا فيديو. إنني واع بالطبع بحقيقة الواقع الذي يُفترض أننا نشاهده من خلال وسائل الإعلام".
في أفلام مايكل هانيكه لا يوجد تفسير درامي سهل واضح معتاد، بل تساؤلات مقلقة ومضنية تنطلق من منطلقات أخلاقية لتصل إلى آفاق تتعلق بالوجود الإنساني نفسه ومغزاه، في علاقته بالآخر.
إنها سينما قلقة معذبة تفتح الأبواب لتدخلك معها، غير أنها لا تكشف لك تماما عما في الداخل.
في المشهد الأخير من الفيلم نرى جورج يعود إلى مسكنه، يتناول قرصين من الأدوية المهدئة، يتصل بزوجته هاتفيا ليقول لها إنه يرغب في أن ينال قسطا من الراحة، ويود ألا يزعجه "بييرو" عندما يعود.
ويتجه إلى نوافذ الحجرة فيسدل الستائر السميكة فوقها، ويدلف إلى الفراش، يغطي نفسه جيدا ويرقد في الظلام.. لقد عاد إلى التقوقع على نفسه ورفض مواجهة الضوء ، وفضل أن تبقى الأشياء مخبأة مدفونة!


((تحذير: جميع الحقوق محفوظة))

الجمعة، 17 يوليو، 2009

دهشة اكتشاف السينما في السينماتيك الفرنسية

المبنى الحالي للسينماتيك في بيرسي
بعض الأزياء والمقتنيات القديمة في السينماتيك
هذه مجموعة من اللقطات التي قمت بالتقاطها خلال رحلتي الأخيرة إلى باريس من داخل متحف السينماتيك الفرنسية العريقة التي أسسها الرائد هنري لانجلوا، وتظهر فيها بعض الأجهزة القديمة وأهمها الكنتوسكوب الذي اخترعه أديسون وكان من أوائل أجهزة العرض السينمائي في العالم. والمبنى الذي زرته يقع في حي بيرسي في العاصمة الفرنسية وهو المبنى الجديد الذي انتقلت إليه السينماتيك أي دار التحف والقتنيات السينمائية بعد أن ظل لعقود في موقعه القديم في منطقة تروكاديرو بالقرب من برج إيفل الشهير.
وقمت بزيارة السينماتيك بصحبة الصديق القديم صلاح هاشم المقيم في باريس منذ سنوات طويلة، ودارت بيننا مناقشات عديدة ثرية حول السينما في العالم وموقعنا منها. والتقط صلاح لي مشكورا بعض الصور من داخل السينماتيك أنشر منها واحدة هنا.
وتعد السينماتيك الفرنسية الأعرق والأكبر في العالم وهي تحتوي على أكبر كمية من المقتنيات في أي دار من نوعها كما تضم أكبر عدد من الأفلام من شتى أنحاء العالم. وقد بدأ لانجلوا جمع الأفلام في الثلاثينيات ثم تعرض قسم كبير منها للتدمير على أيدي الألمان النازيين بعد احتلال باريس، فقد أمروا بالقضاء على كل الأفلام التي صورت قبل عام 1937 إلا أن لانجلوا تمكن بمساعدة بعض الأصدقاء من تهريب عدد كبير منها خارج باريس وانقاذها بالتالي من الدمار ثم خصصت الحكومة الفرنسية بعد نهاية الحرب في 1946 منحة صغيرة لدعم السينماتيك كما خصصت لها مقرا مؤقتا تغير عدة مرات إلى أن استقر في تروكاديرو قبل أن ينتقل إلى مقره الحالي في مبنى من تصميم معماري أمريكي في بيرسي.
وقد شهدت السينماتيك عصرها الذهبي في الخمسينيات عندما كانت بمثابة معهد لتعلم السينما من خلال المشاهدة والمناقشة التحليلية للأفلام عندما كان يتردد عليها عدد من النقاد وهواة السينما من أمثال جودار وتريفو وريفيت ورينيه وشابرول وفاديم، وهم الذين شكلوا فيما بعد مجموعة السينمائيين الذين صنعوا حركة "الموجة الجديدة" La Nouvelle Vague الفرنسية الشهيرة التي غيرت الكثير من المفاهيم المستقرة عن الفن السينمائي. وكان قد سبقهم جيل السينمائيين المخضرمين الأساتذة مثل روبير بريسون ورينيه كلير وجورج كلوزو في اكتشاف السينما من خلال السينماتيك.

كينتوسكوب إديسون الشهير


ملصق فيلم "كارمن" الفرنسي (1926) الذي قامت ببطولته راكيل ميللر وأخرجه جاك فيدير

الخميس، 2 يوليو، 2009

من رسائل الأصدقاء

الصديق محمد هاشم من القاهرة بعث يطلب رأيي في لجنة تحكيم معينة في مهرجان "كان" يطلق عليها البعض في كتاباته- كما يقول محمد- لجنة التحكيم الإنجيلية، وآخرون يطلقون عليها الوحدوية والكونية إلخ، ويضيف "بدوري أريد أن أعرف منك على وجه التحديد التسمية العربية الصحيحة لها، ولماذا هي متجاهلة دون كل لجان كان، ما هي طبيعتها؟ علمًا بأن هناك الكثير من أعلام السينما فازوا بها، أو بجوائزها مثل تاركوفسكي وأنجلوبولوس"؟
جوابي على محمد هو التالي: نعم هناك لجنة تحكيم تتكون من ستة أعضاء تمثل الاتحاد الكاثوليكي الدولي للاتصال (هذا هو اسمه) والمنظمة البروتستانيتة الدولية للسينما. هذه اللجنة تمنح جوائز لبعض الأفلام على أساس ديني وفني معا.
هذه اللجنة يطلق عليها لجنة وحدة العالم المسيحي Ecumenical Jury وهذا اجتهادي الشخصي في الترجمة لأنني أرى أن الترجمات الأخرى تبدو غامضة (فما معنى الوحدوية أو الكونية!).. المقصود وحدة العالم المسيحي تحديدا لأنها مستمدة من إسم الحركة التي تأسست في القرن التاسع عشر وانتشرت في الأوساط البروتستانتية في أوروبا وكان هدفها الدعوة إلى توحيد الكنائس المسيحية عبر العالم، عن طريق القيام بأنشطة مشتركة بين الكنائس المختلفة تدعم الوحدة المسيحية.
وقد منحت جائزتها في الدورة الأخيرة إلى الفيلم البريطاني "البحث عن إريك" لكن لوتش. كما منحت شهادة تنويه إلى فيلم "الشريط الأبيض" الألماني.
ولا أحد يهتم كثيرا بها لأنها تدخل العامل الديني (الأخلاقي) في قراراتها، ولأن من يحكمون في لجانها من المحسوبين على الكنيسة ومن يدورون في فلكها، وهو ما يراه الكثيرون اقحاما للدين في الفن وهو أمر أصبح منذ عهود طويلة مستبعدا في أوروبا الحديثة، أما عندنا فطبعا هناك من لا يحكمون على الأعمال الفنية إلا من خلال منظور أخلاقي حتى أن البعض أصبح يستفتي الإخوة إياهم، الذين يفتون على الفضائيات مقابل ريالات من الذهب والفضة، في شأن مشاهدة أفلام معينة، وهل هي حرام أم حلال.. والله أعلم!
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com