الأحد، 21 يونيو، 2009

ماذا بعد أن غرقت السفينة؟

هذه اللقطة من فيلم "دكان شحاتة"


((هذه الرسالة تلقيتها أخيرا وأثارت في الكثير من الشجون والآلام لذا رأيت أن أخصص لها مكانا بارزا وأن أرد عليها بقليل من الاستفاضة)).

تحياتى أستاذ أمير:
انطلاقا من مقالاتك عن جماعة سينما الغد والحركة الطلابية فى السبعينات مع الوجود الحالى لمحاولة الوزير فاروق حسنى الترشح لمنصب اليونسكو اسمح لى أن أشارك حضرتك بهذه التساؤلات (أو الهواجس) عن مستقبل الثقافة المصرية , هل هناك أمل أن تعود نوادى السينما فى جامعاتنا الى وضعها الذى كانت عليه فى السابق. إن كانت كل المشاريع الثقافية قد اجهضت فى زمن الانفتاح فهل جيل الشباب الحالى قادر على تكوين جيل جديد يكمل مسيرة سابقيه. قضيت عاما كاملا- بلا رجعة - فى كلية حقوق القاهرة وكل ما أستطيع قوله أنه فى ظل هذا الجيل قد نجد فى خلال العشرين عاما القادمة مشروع قانون لتحريم السينما وسائر (الأعمال الوثنية الاخرى) يكفى أن تفتح حوارا جانبيا مع شخص يفترض أنه فى اتحاد الطلبة (مسؤول عن الأنشطة الثقافية) بشأن ناد للسينما، ليحدثك عن الذنوب والاختلاط والعرى وتشويش عقل الشباب (أو يريح دماغه ويقولك ايه الكلام الفاضى ده .. احنا ناقصين فنانات ومسخرة) فهل أصبح السبيل الوحيد للعودة هو حدوث ثورة تعصف بكل شئ، أم هناك - ربما -حل أخر؟
فى النهاية حديثى هذا لا يخص اتجاه واحد بل يعنى بالحركة الثقافية المستقبلية فى بلادنا. وهدفى هو فتح تصور عام لما يمكن أن يكون عليه الوضع وطرق المواجهة باعتبار حضرتك صاحب تجربة داخل الأوساط الطلابية وفيما بعد الأوساط الثقافية العامة.

خالص التحية
عمر منجونة

** الصديق العزيز عمر يطلب مني ربما أكبر مما أملك.. أسئلة كبيرة قد تحتاج إلى كتاب كامل لاستعرض تدهور النخبة المثقفة وتدهور الوعي الطلابي بعد أن كان صوت الطلاب يهز عرش السادات ونظامه في السبعينيات ثم استشراف مستقبل الثقافة المصرية. لكن المشكلة أنه حتى الكتاب في حالة ما استطعنا انجازه، لن يصل إلى الطلاب والشباب والمتطلعين إلى حركة جديدة للوعي لأسباب كثيرة، وحتى إذا اقترضنا أنه وصل وقرأه المعنيون بالأمر، فلن نسمع بعد ذلك أكثر من "الله ياأستاذ.. هذا كتاب جميل فعلا.. أعطانا صورة شاملة لما حدث".. وسيظل السؤال قائما: وماذا بعد؟ أي ماذا سيحدث بعد صدور الكتاب وبعد انتهاء التشخيص؟
كان لدى أنور السادات، تعبير أثير يردده في قمة الأزمات والتحديات التي يواجهها نظامه دائما، فقد كان يردد والغضب يرتسم على ملامح وجهه: أنا بطبعي متفائل!
وأنا لن أردد هنا مقولة السادات الزائفة، فلست من أنصار التفاؤل الزائف، ولا الإيحاء بالأمل الخادع، فالواقع نفسه لا يدعو إلى التفاؤل على المدى القريب على الأقل، بل إنني أرى مزيدا من التدهور والانهيار في الطريق حتى تستقر السفينة الغارقة على القاع تماما، ثم يبدأ الباقون على قيد الحياة في داخلها في البحث عن طوق للنجاة أو عن مخرج لهم، وساعتها لن يتشبثوا بالأسباب التي كانت وراء الغرق.. وإن كنت لست على ثقة من ذلك تماما، فسيظل هناك دائما بعض الذين يدمنون خداع الذات بالأوهام.
إن ما نراه حاليا يشير إلى عدة أسباب لهذا الغرق:
1- طبقة حاكمة فاسدة حتى النخاع، رموز هذه الطبقة يسترون فسادهم بادعاء أنهم يعملون من أجل الشعب وإنهم ليسوا في حاجة أصلا إلى مناصب الوزراء وغيرها فلديهم أعمالهم التي تدر المليارات، وأنهم ينفقون من جيوبهم على الوزارة.
2- طبقة وسطى (عمود أي مجتمع) متدهورة، متلاشية، فاسدة، فاقدة كل القيم الحقيقية، متلحفة بمظاهر اللوثة الدينية (لم يعد غريبا أن ترى أطباء ينصرفون عن المرضى الذين يحتاجون إلى اسعافات عاجلة من أجل أداء الصلاة.. فهل يجرؤ أحد من أهالي المرضى على نهرهم). هذه الطبقة فقدت الثقة بنفسها، كما فقدت الثقة بالعالم، وأصبح اهتمامها بالثقافة هامشي أو شبه منعدم، فهي مشغولة أكثر بالبحث عن لقمة العيش بأي طريقة حتى لو كانت الرشوة، وتبرير تقاعسها عن القيام بدورها حيال النخبة الحاكمة الفاسدة.
3- نخبة مثقفة مصابة بفصام الشخصية، أصبح أهم شيء عندها هو الصراخ ضد أمريكا وإسرائيل، واستعراض قوة حنجرتها في التظاهر من أجل العراق وفلسطين، لكنها لا تثور ولا تتظاهر بشكل جاد من أجل قضايا الحرية والديمقراطية والعدل والمساواة والتقدم في الداخل، ولا تسعى حتى في أحلامها المؤجلة إلى تغيير النظام الحاكم.
4- احتلال مباشر للشارع من قبل قوة تتلحف بالدين بينما هي قوة سياسية فاشية، يدعمها الكثير من أعضاء النخبة حتى من القوى الوطنية الديمقراطية بدعوى: فلنعطها فرصة.. هي أحسن من السلطة لأنها ليست فاسدة.. من غيرها يمكنه أن يكون البديل.. هم لم يجربوا الحكم دعهم يجربون ثم يفشلون..إلخ
بدون أسلحة ولا دبابات ولا مدرعات، ولا أجهزة مخابرات كما حدث في إيران مثلا، سقط الشارع المصري بمفاهيمه وأفكاره واستنام لحزب سياسي فاشي وتبنى دون أن يدري شعاراته لأنها "مريحة" مثل الأدوية المنومة، فأنت عندما تعلن فشلك في العثور على أي حل لقضايا مجتمعك وتحيله إلى الله وحده عز وجل، لكي يتولى نيابة عنك النزول من عرشه والتدخل المباشر في التاريخ الأرضي، فأنت تعلن الاستسلام التام والتخلي عن القيام بأي دور فاعل في التاريخ الأرضي وهو ما يناقض كل التعاليم السماوية التي تحض على العمل وعلى الجد والاجتهاد (بل لقد بتنا نرى من يستدعي الله في مباريات كرة القدم لكي ينصر مثلا فريق الزمالك على الأهلي، وعندما يفوز الأهلي يقول أنصاره إن الله كان يريد أن ينتصر الأهلي.. وهذه كلمات نسمعها يوميا في إعلام الدولة المفككة، يبتلعها المثقفون والمتثاقفون بدون إبداء أي استغراب.. وكأن الله ينزل عن عرشه لكي يتدخل بنفسه في تحديد نتيجة مبارة كرة قدم.. فمن الذي يملك الاعتراض على أي عبارات يرد فيها اسم الله)!
في إيران نجح هذا الحزب في أن يحكم السيطرة على رقاب العباد رغما عنهم إلى أن فاض الكيل وطفح بالإيرانيين، فخرجوا إلى الشوارع أخيرا في انتفاضة أظن أنها ستستمر حتى الإطاحة بنظام غير طبيعي، في حين أنه نجح في مصر بدون أي حاجة إلى قهر ولا دبابات ولا مخابرات وقبل أن يصل إلى السلطة الفعلية بل يدعي أنه مازال في المعارضة.. لذلك فالأمر أكثر تغلغلا وأكثر خطورة، والأمل أضعف كثيرا في الانتفاضة على هذا الحزب الفاشي وتعاليمه بل وكل الأحزاب الأحادية المشابهة وعلى رأسها الحزب الحاكم بأمره!
طبيعي إذن أنك عندما تطالب بناد للسينما أن يصبح هذا معادلا لنشر الفجور والعري والإباحية.. والشباب في معظمه، حتى من يدرس منهم علوم الكومبيوتر والتكنولوجيا الحديثة، أصبح يعتنق أكثر الأفكار جنوحا إلى الغيبية واللامنطق بل إن أي محاولة لدفعهم للتفكير مرفوضة سلفا، وأي شيء "مختلف" عما اعتادوا عليه يرفضونه بل ويرفضون مناقشته، فهذا "خارج عن الجماعة" أو عن الفكر السائد، لأنه يهز القناعات السائدة، أو "مستورد" ووراءه "مؤامرة غربية".. وطبيعي أن مجتمعا بأسره يخضع لفكرة المؤامرة المستمرة ضده لا يمكن أن يصنع التقدم.. فهناك تصور خرافي يتمثل في أن الأنظمة الغربية لا تنام الليل قبل أن ترسم مؤامرة ضدنا، تستهدف قيمنا وعقائدنا (بينما عقائدنا هذه مستقرة لا يمسها أحد منذ أكثر من 14 قرنا). هذا الفكر الذي يعبر على نحو ما، عن الهزيمة العميقة والشعور بالدونية، يخضع في الوقت نفسه لأفكار أخرى تغالي في التطرف الشوفيني مثل فكرة أننا "الأفضل والأعظم والأعرق والأكثر تحضرا" في حين أننا فشلنا حتى في ضبط نظام البالوعات في شوارعنا بحيث لا تحتك بها السيارات أو تنقلب عجلاتها داخلها!
الحركة الطلابية القائمة حاليا هي حركة تعبر عن فقدان البوصلة والهدف بل والاتزان لأن السفينة غرقت بالفعل.. فهي حركة ضد التقدم، وضد العقل، وضد التاريخ، توهم نفسها بأنها جزء من الحركة الوطنية بينما هي جزء من الحركة النازية المعادية لمسار الحركة الوطنية تاريخيا، التي لم تعرف هذا الارتداد ولا هذا التردي ولا هذه الدروشة، ولا هذا العداء الشرس للحداثة والعقل باسم الدين بينما تتناقض كل السلوكيات اليومية مع منهج الدين وجوهره. لقد تحول طلاب العلم إلى رقباء على الفكر والفن باسم الأخلاق القويمة والقيم، وأصبحوا يشهرون كتاب الله في وجه كل من يخالفهم، فهل يقدر أحد أن يخالفهم!
عن أي سينما إذن نتكلم.. وعن أي نواد للسينما في الجامعة.. وقد أصبحت الجامعة مكانا للقبح في المظهر والسلوك بل والأفكار.
لا أنس أبدا شخصيا منظرا رأيته بنفسي وأنا أحاضر ذات يوم من عام 2002 في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة، وأمامي صف كامل من الطالبات المنقبات.. تصدر عنهن بين الحين والآخر ضحكات جريئة.. فأي اغتراب وأي اغتراب.. جامعة بمثابة نافذة للنور.. أصبحت مكانا للظلام.. ثقبان يلمعان من وراء حجب سميكة باسم تجنب العورة والحرام والشيطان والشهوة والمعصيات. ومجتمع بهذا النفاق لا يمكن له أن يتقدم.. فقط يتعين علينا أن ننتظر إلى حين تستقر السفينة فوق القاع.

1 comments:

omar manjouneh يقول...

أشكرك أستاذ أمير على افراد تلك المساحة لرسالتى. لا جديد عندى فى هذا الموضوع الا القول ان تجربتى فى تلك الجامعة " العريقة " بقدر أحباطها لى بقدر ما أفادتنى بمعرفة فئة عريضة مما يفترض أنه المكون الأساسى لمستقبل بلدنا. عمر منجونة

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com