الأحد، 28 يونيو، 2009

نقاد السينما بين النجوم



لا تقل الحقيقة عنهم وإلا فلن تدعى في المرة القادمة

بقلم سيمون هاتينسون

(( ترجمت هذا المقال الطريف قبل أكثر من عشر سنوات عن صحيفة "الجارديان" البريطانية، ونشر ضمن فصول كتابي "النقد السينمائي في بريطانيا" الصادر عن مكتبة الاسكندرية عام 2004. وأهميته في كونه يكشف لنا تفاصيل خافية علينا، من عالم الصحافة السينمائية، ومن عالم السينما أيضا)).

في الأسبوع الماضي تلقيت مكالمة هاتفية من شركة "فوكس". وكان هذا شيئا مفاجئا لأن "فوكس" نادرا ما تتصل بالصحف ذات المستوى الرفيع، فهي تعرف أن "الخبطات" الصحفية ذات التأثير تختص بها عادة صحف "التابلويد" الشعبية، فإشاعة من النوع المتقن أو كلمة أو كلمتان عما شاهده الصحفي في عرض خاص لفيلم ما، قد يساهم في إنجاح الفيلم. وعلاوة على ذلك فقد أصبح روبرت ميردوخ هو الذي يمتلك شركة فوكس، وأصبح المجال بالتالي أوسع للترويج لأفلام الشركة في صحف التابلويد التي يملكها ميردوخ مثل "ذي صن" و"نيوز أوف ذي وورلد".
ولكن كان هناك سبب لهذه المكالمة، فقد نشر لي مقال صغير في ذلك اليوم ضمن ملحق الجمعة عن بيتي توماس مخرج فيلم "دكتور دوليتل" الجديد لإيدي ميرفي. لم يكن مقالا رصينا لكنه كان دقيقا وبعيدا عن الهجومية.
وجاء صوت مسؤولة العلاقات العامة في الشركة عبر الهاتف: "هالو سيمون.. مقالك عن بيتي توماس لم يكن لطيفا.. أليس كذلك؟".
ماذا كانت تقصد؟
"أتعرف.. كان مقالا حادا.. لم يكن إيجابيا".سألتها هل طلب أحد أن تبلغني بأن المقال لم يكن لطيفا؟ وجاءت الإجابة: نعم، لقد تلقيت مكالمة هاتفية من أمريكا وقالوا لنا أن نخبركم بأنهم غير سعداء بالمقال. ويقولون إنه في المستقبل، إذا كان هناك أي مستقبل....".
ولم تكمل مسؤولة العلاقات العامة العبارة، أو ربما أكملتها، لكني من شدة الصدمة لم أعد قادرا على سماع ما قالته بعد ذلك. والأمر المدهش أيضا أن مكالمتها معي جاءت في الساعة الثالثة بعد الظهر، أي في السابعة صباحا بتوقيت لوس أنجليس. وتساءلت أنا بصوت خفيض: في أي وقت بالضبط يستيقظ عادة أساطين السينما في لوس أنجليس ويبدأون في تمشية كلابهم!
إنني أذكر هذه المكالمة- وقد تكررت معي كثيرا خلال الأسابيع الماضية- لكي أوضح جانبا خطيرا أعتقد أن مشاهدي السينما لا يعرفون عنه الكثير، فبينما تزداد المساحة المخصصة للسينما في الصحافة، يتضاءل الاهتمام بنقاد السينما وبتوفير الظروف المناسبة لهم من أجل أداء وظيفتهم. وإذا كانت شركات الإنتاج تتهافت عادة على نشر ولو بضعة أسطر عن أفلامها، فإنها في الوقت نفسه ترغب في التحكم فيما ينشر.
قبل سنوات ذهبت في رحلة صحفية لزيارة ستديوهات شركة "يونيفرسال" لمشاهدة افتتاح مدينة الملاهي والخدع السينمائية التي استخدمت في فيلم "الحديقة الجوراسية" Jurasic Park وقد أجلسونا في مقاعد الدرجة الأولى في الطائرة، وقدموا لنا ما لذ وطاب من الطعام والشراب طوال الرحلة، وأنزلونا في فندق من الدرجة الأولى، بل ووضعوا رئيسة قسم العلاقات العامة في الشركة في خدمتنا.
عادة ما يردد مديرو العلاقات العامة في شركات السينما السؤال نفسه: ما رأيك؟ فقد كان رأيهم أن مدينة ملاهي الحديقة الجوراسية هي أعظم مدينة من نوعها في العالم. وكانت الإحصائيات لديهم جاهزة للبرهنة على ذلك. ولكنهم لم يعرفوا أن رأي الصحفيين لا يتكون إلا بعد الانتهاء من المشاهدة الفعلية وبعد نهاية الرحلة.
وسأل أحد الصحفيين ما إذا كان ممكنا أن يأخذونا في جولة داخل ديزني لاند، وهي مدينة الملاهي المنافسة لمدينة يونيفرسال. وغضبت مديرة العلاقات العامة من الاقتراح لدرجة أنها لم تستطع الرد على الصحفي. وبعد استشارة زملائها جاءت الإجابة بالرفض. وقد رفضوا أن يسمحوا لنا حتى بزيارة وسط لوس أنجليس لأنهم رأوا أن هذا الجزء من المدينة ربما لا ينعكس إيجابيا في مقالاتنا الصحفية عن الرحلة.
وبعد يومين من إعدادنا للحدث المنتظر، أخذونا أخيرا إلى مدينة الحديقة الجوراسية. ولسوء الحظ لم تكن قد اكتملت بعد، ولكن يونيفرسال كانت تأمل أن نكتب عنها كما لو كانت قد اكتملت بالفعل. وقالوا لنا إن المدينة الجوراسية أكبر من مجرد مدينة للملاهي، بل "تجربة" كبيرة، وكجزء من هذه التجربة الكبيرة قررت الذهاب إلى المقهى الجوراسي لكي أتناول سندوتشا من البرجر الجوراسي. وأخذت أتحدث مع رجل جوراسي كان يقوم بالخدمة في المقهى. كان شابا وسيما، وممثلا عاطلا عن العمل يعمل في المقهى مقابل أجر زهيد إلى حين يعثر على عمل في السينما. وأخذت أسأله عن أجره وعن طموحاته السينمائية، وفجأة وجدت مديرة العلاقات العامة تجذبني من ذراعي وتجرني بعيدا وهي تقول لي: لا أعتقد أن هذا الشخص يمكنه أن يساعدك كثيرا في كتابة مقالك الصحفي. عدني ألا تنشر شيئا مما قاله لك.
وبعد عودتي من الرحلة نشرت مقالا شديد النقد للنظام الشمولي في يونيفرسال. وكان من السهل أن أفعل ذلك بحكم أنني أتمتع بوظيفة دائمة في الصحيفة التي أكتب لها، ولكن المشكلة أن معظم الصحفيين الذين يذهبون في رحلات مثل هذه هم من الصحفيين الذين يكتبون بالقطعة، وهم يحرصون بالتالي على دعم علاقاتهم بشركات الإنتاج، فإذا طلبت منهم يونيفرسال عدم التحدث عن شخص قابلوه في مقهى ما فإنهم يحرصون على الالتزام بذلك.
إن ما تفعله شركات الإنتاج إذن أنها تلتف حول الصحف وتمنح بعض الصحفيين من الذين يكتبون بالقطعة المقابلات الصحفية بشكل مباشر. وهم يقولون لنا إن هذه الطريقة هي الأفضل لأن هؤلاء يمكن الاعتماد عليهم أكثر. وهذا صحيح، وللأسف فمعنى أنه يمكن الاعتماد عليهم أنهم ينقلون بشكل مباشر، المادة الصحفية الجاهزة التي تتضمنها المطبوعات الدعائية التي توفرها لهم شركات الانتاج للترويج لأفلامها دون محاولة لتكوين رأي خاص بهم. وهناك في لوس أنجليس، مجموعة من الصحفيين الذيم يعملون بالقطعة ويتمتعون بمعاملة "خاصة" من جانب شركات الانتاج. وهم يقولون لك إنهم في موقف لا يسمح لهم بأن يكونوا شرفاء، دعنا من التمتع بروح نقدية، لذا فإنهم يجلسون بهدوء حول الموائد المستديرة، يبتسمون بينما تروي لهم "الموهبة" كيف كان المخرج عظيما، ثم يهرولون لكتابة مقالات المديح التي تضمن لهم الحصول على مقابلات صحفية أخرى.
صديق لي حضر مؤخرا حفلا صحفيا أقامته شركة وورنر أطلقت عليه "أول مؤتمر عالمي للتليفزيون". وقد قصدت وورنر بذلك أن الصحفيين المأجورين يستطيعون قضاء ثلاثة أيام في صحبة نجوم فيلمي "إي آر" ER و"أصدقاء" Friends ثم يعودون إلى بلادهم وهم يحملون بعض المقالات الدعائية لبيعها. إنه "اتفاق جنتلمان" فشركة وورنر تحصل على الدعاية التي تلزمها، والصحفيون إياهم يحصلون على بعض المال مقابل كتاباتهم. وبالطبع عليهم جميعا أن يحددوا مسبقا للشركة الصحف التي سينشرون فيها مقالاتهم، وتملك وورنر حق "الفيتو".
وقد تم تقديم صديقي هذا إلى نجوم فيلم "أصدقاء"، وقيل للجميع إنهم يستطيعون توجيه الأسئلة كما يشاءون "فأنتم في بلاد الحرية" (بالمناسبة تحتفظ شركة وورنر داخل صندوق زجاجي بقطعة من جدار برلين).
وكانت ليزا كيدرو قد اختيرت لتوها أكثر شخصيات الفيلم شعبية. ووجه صديقي إليها السؤال التالي: كيف تشعرين بعد أن أصبحت أكثر شخصيات الفيلم شعبية؟ وهنا قفزت موظفة العلاقات العامة قائلة: "أعتقد أنني أستطيع الاجابة على هذا السؤال بالنيابة عن ليزا. إننا جميعا نشعر بالألفة مع بعضنا البعض كثيرا جدا".. أو شيء من هذا القبيل!
ولكن هذه هي أمريكا. في بريطانيا نحن أسعد حظا، ففيما عدا استثناءات قليلة فإن كل المقابلات التي تقرؤونها في "الجارديان" هي مقابلات تمت بشكل مباشر: صحفي واحد يجري الحديث مباشرة مع النجم أو المخرج. أما في أمريكا فقد يشترك عشرة أو خمسة عشر صحفيا في إجراء مقابلة صحفية مع شخصية واحدة. فهل يستطيع الصحفي أن يكتب في مقدمة موضوعه أنه قضى عشرين دقيقة في انتظار أن يوجه سؤالا واحدا؟ نعم يستطيع أن يفعل ذلك، ولكن من الذي سيرغب بعد ذلك في قراءة المقابلة. إن كل قاريء وكل رئيس تحرير يريد أن يشعر أن أمامه مقابلة خاصة نادرة أو قطعة من روح النجم السينمائي.
شركات هوليوود ترى أن هذه هي الطريقة الوحيدة الممكنة، فمع الإقبال على إجراء المقابلات الصحفية مع النجوم يجب تنظيم مقابلات جماعية لعدة صحفيين وإلا كيف يمكن الاستجابة لكل هذا العدد. وبسبب صعوبة تنظيم هذه المؤتمرات أو اللقاءات الصحفية الجماعية يصبح من الضروري التحكم فيها مسبقا. ويصبح أمرا طبيعيا بالنسبة للصحفيين المتحلقين حول المائدة أن يتم إسكات ذلك الصحفي المشاغب الذي لا يفتأ يكرر أسئلة بعيدة عن الموضوع حسبما ترى مندوبة العلاقات العامة.
ربما تقول لنفسك: إننا أسعد حظا في انجلترا العجوز فليس لدينا نجوما كثيرين، وعندما نجري معهم مقابلات صحفية فإننا نجريها حسب شروطنا نحن.. أليس كذلك؟
ليس تماما. أولا هناك عملية تدقيق شديدة، فقد يتصل بك مندوب الصحافة أو وكيل الفنان لكي يقول لك مثلا: سيمون.. هل يمكنك إرسال بعض النسخ من مقالاتك المنشورة إلى مستر ألبرت فيني لكي يلقي نظرة عليها. ثم يتضح أن المستر ألبرت فيني ألقى نظرة سريعة عليها ولم يعجبه ما تتضمنه، وإذن فلن تحدث المقابلة.
قد تقول لنفسك: ولكننا نستطيع أن نلتقط صورا خاصة بنا للفنانين.. أليس كذلك؟
إلى حد ما. فقد أصبحت شركات الإنتاج والتوزيع تعرض علينا صورا التقطها مصورو الشركة أو المصور الخاص للنجم. أما صورنا الخاصة فينبغي أن نحصل على تصريح منهم بنشرها. قد تسمع مثلا هذا التعليق على لقطة التقطتها أنت: "هذه لقطة رائعة للسير أنطوني هوبكنز. غريب أنه استطاع الاحتفاظ بهذه النظرة الساخرة في عينيه رغم تقدمه في العمر". ولكن لا تندهش إذا ما تبعها شيء من هذا النوع: سير أنطوني يطلب ضرورة أن تحصل على حق نشر الصورة أولا.
على الأقل (ستقول لنفسك) نحن في انجلترا غير مضطرين للتجمع حول مائدة مستديرة ضمن حشد من الصحفيين للاستماع إلى ما يتعطف علينا به نجم سينمائي. هذا صحيح لكن معظم المقابلات الصحفية التي تقرأها في هذه الصحيفة أجريت في فنادق. وتحديدا في فندق دورشستر، لدرجة أنني كنت أتصور أن فندق دورشستر أبرم اتفاقا تجاريا مع شركات السينما. إن هذا يخلق جوا كان بريخت سيسعد به كثيرا ويأخذ في تذكيرنا بعدم واقعيته طوال الوقت.
أحيانا تستطيع أن تقابل النجم في غرفته بالفندق، ألا يبدو هذا رائعا أو مغويا، أو على الأقل مشبعا للغرور؟ كلا. إنه أمر يسبب الحرج، فالصحفي في موقف كهذا يتحول إلى شخص متطفل بمجرد دخوله إلى الغرفة. ولا عجب إذن أن يصبح النجوم عادة عدائيين تجاه الصحافة ويرفضون التحدث إلى الصحفيين (رغم أن عقودهم تنص على عكس ذلك).. وهنا يبدأ الصحفيون في تخمين من الذي سيرقد في الفراش ومن الذي سيبقى جالسا أثناء اجراء المقابلة!
ولكن على الأقل عندما نصل إلى النجم نستطيع أن نوجه له ما نشاء من أسئلة. أليس كذلك؟
أحيانا، فغالبا ما يناولك مندوب العلاقات العامة أثناء اجتيازك عتبة باب الحجرة قائمة بالمحظورات. ولي تجربة شخصية في هذا المجال، فقد كنت في طريقي لاجراء مقابلة صحفية مع كورتناي لوف (نجمة موسيقى البوب التي تحولت إلى ممثلة سينمائية)، وكان يتردد أنها استُغلت كثيرا في الدعاية لنفسها، فقد كثر الحديث عن علاقتها بكيرت كوبان، وعن إدمانهما المخدرات، وعن ماضيها في رقص التعري (ستربتيز). وكان الفيلم الذي تألقت فيه هو فيلم "الشعب ضد لاري فلينت" لميلوش فورمان، وهو عن العلاقة بين صانع أفلام إباحية (بورنوجرافية) وزوجته راقصة الاستربتيز ومدمنة المخدرات، وكما هو شائع فالشخصية تعكس جانبا من الحياة الخاصة للممثلة. وكان من المستحيل عدم الربط بين الاثنتين في الأسئلة.
ولكنهم قالوا لي قبل المقابلة: غير مسموح بتوجيه أي أسئلة عن كيرت كوبان أو عن المخدرات أو الاستربتيز. وإذا كنت قد عدت إلى صحيفتي بدون توجيه هذه الأسئلة لكان رئيس التحرير قد وجد مبررا لطردي من العمل. ولذلك أخذت في توجيه الأسئلة. وجاءني صوت مندوبة العلاقات العامة من ركن الغرفة: ما هذا .. هذا لعب خشن.. سؤال آخر من هذا النوع وستجد نفسك مطرودا.. وهنا انتهت المقابلة.
الشركات تقول: إننا نريد أن نحمي نجومنا.. لا نريد أسئلة استفزازية. وأنا أقول: ولا أنا أيضا، لكن أفضل الكتابات تلك التي يستطيع الكاتب أن يقبض فيها على ثنايا موضوعه، وأن يربط بين أجزائنه.
ما هو الحل إذن؟
ربما كان يتعين علينا أن نقلل من الاعتماد على المقابلات الصحفية ونهتم أكثر بكتابة "البورتريه" السينمائي للممثل. ولكن هنا أيضا سنواجه مشاكل من نوع آخر، فهذا النوع من الكتابة يتطلب تكوين علاقات مع المحيطين بالموضوع أو بالنجم الذي نعتزم كتابة بورتريه عنه. فأنت تحتاج إلى معلومات دقيقة. ثانيا: سنجد أنفسنا وقد أصبحنا أكثر اعتمادا على مواد الأرشيف المنشورة عن الشخصية.. قصاصات الصحف وما إلى ذلك، وهو ما قد يجعلنا نردد نفس الأحكام والمعلومات القديمة بأخطائها.
ربما يصبح بوسعنا أن نلجأ إلى النوع الرفيع من مقالات الفكر حول: كيف فشلت السينما الفرنسية في استعادة موقعها منذ وفاة جان فيجو. ولكن يجب أن نكون واقعيين، فمعظم الناس يهتمون بالنجوم وبحياة النجوم بما في ذلك قراء صحيفة "الجارديان". ونحن نحرص على تحقيق نوع من التوازن بين المواد المنشورة: أن نستخدم مواضيع قد لا تثير سوى اهتمام الأقلية، لكي نغطي مواضيع أكثر شعبية.
أما شركات الإنتاج فلديها إجابة أفضل تتمثل فيما يطلقون عليه EPK وهم يوزعونها على محطات التليفزيون، وهي مقابلات تليفزيونية مصورة معدة سلفا مع نجوم السينما من خلال أسئلة وأجوبة بارعة. وتستطيع محطات التليفزيون التعامل مع هذه المقابلات وإعادة تقطيعها وترتيبها بحيث تجعل النجم يبدو وكأنه يتحدث إلى مقدم البرنامج بشكل شخصي ويجيب عن أسئلته.
وماذا عن المقابلة الصحفية التي أجريتها مع ليوناردو دي كابريو؟ لقد نشرتها تماما كما تمت، ولم يحدث من قبل أن تلقيت ردود فعل إيجابية من مسؤولي العلاقات العامة كما حدث هذه المرة. لقد اتصلوا بي تليفونيا، واحدا وراء الآخر، وهتفوا: "عظيم.. يالها من خبطة.. لقد كان رائعا أن نقرأها كما وقعت بالضبط".
وواحدا بعد الآخر أكدوا لي أنهم سيحرصون على ضمان ألا أدعى إلى أي حفل من حفلاتهم في المستقبل!

(صحيفة "الجارديان" 21 اغسطس 1998)
((تحذير: جميع الحقوق محفوظة))

الجمعة، 26 يونيو، 2009

مايكل جاكسون: الموت المفاجيء


مات مايكل جاكسون، نجم موسيقى البوب لأكثر من عقدين من الزمان. وأنا لا أجد مناصا الآن من الاعتراف بأنني لم أكن أحب مايكل جاكسون، ولا رقصاته وأغانيه التي كنت دائما أجدها غريبة على ذوقي، وإن كنت أفهم لماذا كان يحبها ملايين الشباب في العالم.
كنت دائما أتشكك في شخصية مايكل جاكسون الغريبة المليئة بالمتناقضات: ولعه المفاجيء بالأطفال، إجرائه سلسلة من العمليات الجراحية لـ"تبييض" بشرته، وإنقاص حجم أنفه وكأنه يهرب من "زنجيته" ويستنكرها بدون أي سبب في الواقع. أغانيه التي فيها من الرقص الاستعراضي أكثر مائة مرة مما فيها من الغناء. موسيقاه التي تصيبني بالتوتر العصبي.لكني بعد سماع خبر وفاته لا يسعني سوى أن أقف احتراما وتبجيلا لهذا المغني الاستعراضي الذي شغل الدنيا بأسرها لأكثر من عشرين عاما.
الموت دائما نهاية لفصل طويل، هو فصل الحياة الدنيا، أو بالأحرى، نهاية لقصة الحياة بكل ما فيها من شقاء وسعادة.وعند هذه النهاية التي سننتهي جميعا إليها مهما طال الزمن، يجب أن نتوقف، ونتأمل، ونتساءل عن معنى وجودنا المؤقت على الأرض، ونسرح ولو قليلا فيما يمكن أن يكون في انتظارنا هناك في العالم الآخر.لذلك يمكنني دائما، أن أغفر وأستغفر، لكل من تنتهي حياته بالموت، من يغلق الموت هذا الفصل الطويل – القصير الممتد بالنهاية المنتظرة التي لا نعرف أين ستأخذنا.
فالموت هو الحقيقة الوحيدة الثابتة المطلقة في حياتنا رغم أننا لا نعرف عنه شيئا، ولا نعرف ماذا يحدث لنا بعده تحديدا.
كنت في حوار قبل أسبوع أو أكثر قليلا، مع زميل لي من السودان حول جعفر النميري. كان زميلي هذا يبدي استغرابه ودهشته الكبيرة ممن يترحمون الآن على الرئيس السوداني جعفر النميري الذي رحل أخيرا. وكان لا يفهم بمنطقه الشخصي، كيف يمكن أن يترحم البعض على رجل شارك، حسب قوله، في "سفك الدماء، وسرقة شعبه وخداعه لسنوات، بل وكان أيضا في عرف "الخائن".
كان رأيي الذي قلته له أن الموت يغلق فصل الحياة بكامله، ويصبح الإنسان بين يدي ربه، هو الذي يمكنه أن يحاسبه، ولا نستطيع نحن أن نفعل شيئا سوى أن نترحم عليه، فقد كان إنسانا منا، من البشر أمثالنا، يخطئ ويصيب، أصبح حسابه الآن عند الله عز وجل.
لم يبد على صاحبي الاقتناع بمنطقي هذا بل كان يجد هذا المنطق متناقضا تماما خاصة أنه يصدر عن شخص يعلن أنه ضد الديكتاتورية والفاشية والحكم المتسلط.
نعم.. نحن ضد الحاكم المتسلط إلى أن يصبح بين يدي الله، فنتركه لحكم العزيز الجبار، كما نتركه أيضا لحكم التاريخ الذي لا يرحم أحدا مهما كان، فلن يصبح بوسعنا مطاردته في الدار الآخرة أيضا!
أما مايكل جاكسون، الذي أقام الدنيا بأسرها ولم يقعدها، بقضاياه المثيرة للجدل، علاقته بالأطفال، وبالحيوانات، هاجسه الخاص بشكله ومظهره، علاقة العمل التي ربطته أو كانت تربطه، بالوليد بن طلال والشركة التي كوناها معا. وغير ذلك، فقد انطوت صفحته وذهب ولا نملك سوى أن نتمنى له الرحمة والمغفرة.
مايكل جاكسون الذي تتردد أقاويل الآن حول أنه أنهى حياته بيده، بعد أن تناول جرعات زائدة من العقاقير، كان في النهاية ضحية عصره، ضحية الإعلام والصورة التي يرسمها للمشاهير، وربما أنه كان في قرارة نفسه إنسانا بسيطا يحب أن يحيا حياة بسيطة بعيدة عن الأضواء والصخب.. رحمه الله.

مهرجان روما للخيال

حضرت الدورة الأولى في 2007 ثم الثانية العام الماضي من مهرجان روما الدولي للتليفزيون (الذي يطلق عليه منظموه روما للخيال Roma Fiction Festival) ويعتبر التوأم التليفزيوني لمهرجان روما السينمائي الذي لم ينجح في رأيي، في التفوق على مهرجان فينيسيا العريق. ومنذ الدورة الأولى للمهرجان الأول اي روما للخيال، اكتشفت أنني أمام مهرجان حقيقي بكل معنى الكلمة، فيه من الثقافة بقدر ما فيه من الاحتفالية، والأضواء بل وكبار النجوم أيضا. وفيه فوائد كثيرة للباحثين عن الاكتشافات الجديدة خاصة في مجال الأفلام الوثائقية التي أصبح مجال الاهتمام الأساسي بها يتركز حاليا في التليفزيون.
وفي العالم العربي يغيب هذا الاهتمام بشكل مزري عن التليفزيون الرسمي والخاص، باستثناء قناة الجزيرة الوثائقية وهي القناة الوحيدة من نوعها في العالم العربي.العام الماضي كرم المهرجان الممثلة البريطانية الكبيرة هيلين ميرين، وسيكرم في دورته الجديدة التي سأحضرها (التي ستبدأ في 6 يوليو) الممثل البريطاني الشهير كينيث برانا صاحب الدرامات التليفزيونية والسينمائية الكبيرة. ويحتفي المهرجان أيضا بالممثلة الانجليزية التي تقيم في فرنسا شارلوت رامبلنج ويعرض عددا من أعمالها.

أفلام المهرجان تعرض على شاشات كبيرة في دور للعرض السينمائي، سواء ما صور منها على شرائط الفيديو (الديجيتال) أو على شرائط سينمائية.والدورة الجديدة حافلة، وستعرض عشرات الأفلام الروائية والتسجيلية، والمسلسلات القصيرة وبعض الحلقات من المسلسلات الطويلة.

وعادة ما تحظى الدراما البريطانية باهتمام خاص في هذا المهرجان الذي يقام في قلب مدينة روما بالقرب من الفاتيكان.

لا أعرف لماذا لا تشترك في هذا المهرجان الدول العربية هل لأنها توقفت عن صنع افلام للتليفزيون؟ هل لأنها لا تخجل من المشاركة بأعمالها إلى جانب العمالقة الكبار الذين صنعوا أعمالا درامية كبيرة من طراز "إليزابيث" أو "روما"، بينما نحن نتصارع حول أيهما أحسن: المسلسلات المصرية أم السورية.. أي مسلسلات؟

إن مسلسل الملك فاروق الذي تحدثوا عنه كثيرا لا يمكنه أن يصمد أمام اي عمل درامي حقيقي من الأعمال الكبيرة التي نشاهدها في روما، بل إنه يبدو عملا كاريكاتوريا مضحكا رغم ماأنفق عليه من أموال لأغراض سياسية واضحة.

الأهم أن فن الفيلم التلفزيوني الذي يروي موضوعا في أقل من ساعتين يبرز بقوة في هذا المهرجان، وهو الفن الغائب عن الشاشات العربية لأننا اصبحنا نفضل استيراد الأمريكاني والتركي.. فالأول حليف استراتيجي، والثاني لا يعرض سوى اللحم الحلال!ستكون لنا وقفة من روما.. قريبا.

الأربعاء، 24 يونيو، 2009

خالد يوسف.. ماذا يحدث داخل "دكان شحاتة"؟


المخرج خالد يوسف متهم من قبل "بعض" صناع الأفلام في مصر بـ"إفساد السينما"، وجعلها "مبتذلة"، ومتهم من قبل بعض الذين يكتبون عن السينما أيضا، بأنه لا يصنع سوى أفلام "جنسية"، ويميل إلى الإثارة والمبالغة، وهو بالتالي يقوم بالتضليل بل و"الاستغلال" بمعنى exploitation سواء للذين يظهرون في أفلامه أو للجمهور. من جهة أخرى هناك من يعتبرونه زعيما سياسيا، ومصلحا اجتماعيا، يتناول قضايا المجتمع ويقوم بتشريحها بكل ما في ذلك من قسوة، ويرى هؤلاء أن هذا هو كل ما يهم، أي القدرة على توصيل رسالة سياسية شجاعة.
الجدل الدائر بين أنصار وأعداء خالد يوسف اشتد بعد النجاح الكبير الذي حققه فيلم "حين ميسرة"، ثم "الريس عمر حرب". وقد اتهم الفيلم الأول بتشويه سكان الأحياء العشوائية، والتحامل عليهم، انطلاقا من فكرة "شعباوية" ترى أن الفقراء أو المحرومين أو المهمشين هم بالضرورة، من الملائكة (ولعل المخرج الراحل الكبير صلاح أبو سيف كان مسؤولا على نحو ما عن شيوع تلك الفكرة)، أما الأثرياء فهم من الأشرار بالضرورة، خاصة إذا كانوا من طبقة رجال الأعمال، وهو تبسيط ساذج للأمور، وإن كانت الدراما التليفزيونية تحديدا، قامت ولا تزال على هذا النوع من المعادلات الساذجة.
لم يكن هناك أي استغلال في "حين ميسرة" ولا إساءة، بل "رؤية" تعبر عما يراه صاحبها، تماما كما كانت رؤية مجدي أحمد علي من خلال سيناريو هناء عطية الذي تبناه في "خلطة فوزية" تميل إلى إبراز الجوانب الإيجابية لدى سكان تلك المناطق، دون أن يعني هذا أن هذا على صواب وذاك على خطأ، أو أن هذا يلغي ذاك.
والحقيقة أن خالد يوسف ليس مخرجا "استغلاليا"، على الأقل ليس أكثر استغلالا- إذا كانت هذه هي الكلمة الصحيحة أصلا- من غيره من المخرجين، كما انه ليس مصلحا اجتماعيا أو سياسيا، حتى لو كانت أحاديثه تمتليء بالآراء والأفكار السياسية، فهو أساسا، سينمائي، أداته الكاميرا وشريط الفيلم وليس العمل السياسي الحزبي المنظم أو غير المنظم.
وهو ليس من يتسبب في تدهور السينما المصرية، ولا أنه يقصد أن يستخدم الجنس من أجل دغدغة مشاعر الجماهير، بل لأنه يرى أن الجنس مكون أساسي في الإنسان، بل وعند البعض أيضا "هاجس" لا حيلة لهم فيه .
أستطيع القول إن خالد يوسف واحد من أهم المخرجين العاملين اليوم في السينما المصرية، رغم أن ما يقدمه من أفلام يقع في معظمه في دائرة "الميلودراما". وقد كانت معظم أفلام يوسف شاهين من نوع الميلودراما أيضا بل وأفلام صلاح أبو سيف أيضا. وقد أصبح صب اللعنات على خالد يوسف شبيها بما تعرض له في الماضي، المخرج الراحل حسن الإمام، صاحب البصمة المميزة في السينما المصرية بأفلامه الميلودامية الشهيرة، وقد أصبح في فترة ما "المشجب" الذي يعلق عليه السينمائيون خطاياهم.
ومهما قلنا عن أفلام خالد يوسف فهي تعبر عن رؤيته ونظرته للدنيا وللعالم، بصدق، ومن خلال "المنهج" أو الأسلوب السينمائي الذي يفضله. وليس هناك عيب في اختيار الميلودراما أسلوبا في السينما. ولعل أفلام السينمائي الإسباني الأشهر بيدرو ألمودوفار أفضل مثال على ذلك. وربما يمكن أن يصبح خالد يوسف "ألمودوفار السينما المصرية" إذا توخى الحذر في التعامل مع سيناريوهات أفلامه، بحيث يخلصها تماما من الإسقاطات والإحالات السياسية المباشرة، ويكتفي بالتعامل مع "الدراما" الكامنة في شخصياتها وبنيتها، بلغته وأسلوبه، وأن يعرف أين يتوقف ومتى، ويتيح مساحات للتنفس والتأمل في أفلامه.
ولعل هذا المدخل تحديدا ينطبق أفضل ما يكون، على فيلم خالد يوسف الأحدث "دكان شحاتة" الذي يعتمد على سيناريو لناصر عبد الرحمن.

الصراع على الملكية
يروي هذا الفيلم قصة صراع على الملكية: ملكية الدكان وملكية المرأة. هذا الصراع يدور بين ثلاثة أشقاء أصغرهم "شحاتة" الذي كان الأقرب إلى نفس والده "حجاج" البواب الذي يرحل بعد أن يخص ابنه الأثير إلى قلبه بالدكان، فيتآمر الشقيقان سالم وطالب على شقيقهما شحاتة ويلفقان له تهمة يسجن بسببها ثم يخرج بعد سنوات لكي يبحث عنهما، ليس بغرض الانتقام كما يمكن أن نتصور، بل للعودة بشكل ما، إلى كنف الأسرة، لرأب الصدع القائم بينه وبينهما، وتحقيق المصالحة، لكن الدماء تسيل لأن النصالحة بين الخير والشر مستحيلة، وتنتهي حياة شحاتة، كونه لا يدرك عمق ما وقع من تغيير المجتمع والأسرة والدنيا بأسرها.
تدور أحداث الفيلم في الفترة من 1981، أي منذ اعتيال الرئيس أنور السادات، إلى عام 2013 ، أي بعد سنوات قليلة من الزمن الحالي، وعندها يقدم الفيلم رؤيته أو تصوره المستقبلي لمسار الأزمة الاجتماعية في مصر، فنرى الرجال في نهاية الفيلم يتقاتلون في الشوارع بالسكاكين على شحنات القمح ويتصارعون من أجل الحصول على مياه الشرب.
وخلال تلك السنوات الثلاثة والثلاثين أو نحو ذلك، ينتقل السرد السينمائي بين الأزمنة مرات عدة، ويرصد الفيلم ويشير ويتوقف أمام عدد من التطورات أو المتغيرات ذات الطابع السياسي والاجتماعي في مصر، أو يحيلنا إليها: اعتقالات 1981، الانفتاح الاقتصادي وتأثيره على فئة الحرفيين وكيف يتحول شقيقا شحاتة (طالب وسالم) من طبقة بائعي الفاكهة إلى طبقة السمسارة والمقاولين، كيف يتزوج "البلطجي" الجاهل "كرم" من طالبة في الثانوي "إنجي" دلالة على الخلل الاجتماعي الذي حدث، وكيف تصبح هناك سفارة إسرائيلية في القاهرة، وكيف يصبح ابن اليساري المثالي السابق (الدكتور ونيس) وحشا من وحوش الانفتاح بعد وفاة والده، غرق العبارة المصرية في البحر الأحمر ومصرع أكثر من ألف شخص، حريق قصر ثقافة مدينة بني سويف، تزوير الانتخابات في 2005، وصولا إلى جنازة المخرج يوسف شاهين، وغير ذلك.
أما المحور التراجيدي للفيلم فيتركز حول علاقة الحب التي تربط بين شحاتة، والفتاة الحلوة "بيسة" (التي تقوم بدورها هيفاء وهبي)، بينما يرغب شقيق شحاتة "سالم" في بيسة ويريد أن ينتزعها من شقيقه، ويضغط على شقيقها "البلطجي" كرم ويغريه بالمال، لكي يزوجها له بعد أن يسجن شحاتة، ولكن بيسة لا تستسلم لسالم، فلا يصبح أمامه سوى أن ينالها بعد الزواج بالاغتصاب، وفي محاولة للهرب من الزواج الذي أرغمت عليه تحاول الانتحار بالقفز من الطابق السابع لكنها تنجو. وينتهي الفيلم بمقتل شحاتة على يدي شقيقه سالم.

الإحالات السياسية
كان من الممكن أن تنجح هذه "التركيبة" الميلودرامية التي تمتليء بالكثير من مشاهد العنف والمبالغات التي لا يمكن لأحد أن يصدق إمكانية حدوثها في الواقع، لو أن خالد يوسف ابتعد عن "تسييس" وقلص أو ألغى تماما إحالاته السياسية الآلية التي جعلت فيلمه يبدو كسلسلة من "الاسكتشات" المفككة التي لا تضيف جديدا على مستوى الوعي بالموضوع لأنها لا تقدم سوى شذرات عابرة سريعة ربما حتى تتوه من عين المتفرج في خضم المشاهد الكثيرة التي يزدحم بها الفيلم.
إن مشكلة خالد يوسف الحقيقية ليست في قدرته كسينمائي، فهو مخرج يملك بلاشك، القدرة على التعامل الجيد مع الممثلين بسيطرة مدهشة، وكذلك مع الكاميرا ويجيد استغلال امكانيات المكان، كما تتميز اختياراته لزوايا التصوير التي تمنح اللقطة أكبر شحنة عاطفية، ولديه أيضا قدرة على تنفيذ مشاهد العراك والمشاجرات والمشاهد التي يستخدم فيها أعدادا من الممثلين الثانويين (الكومبارس) وتقطيع لقطاتها ببراعة، ومنحها قوة تأثير على الجمهور. وهو أيضا يجيد التعبير عن المشاعر الداخلية كما يتبدى مثلا في مشهد مناجاة الأب "حجاج" (محمود حميدة) لولده شحاتة، حين يدور الحديث بينهما عن الموت، وفيه تتضح براعة الحوار وتلقائيته وجمال الأداء التمثلي بين محمود حميدة الذي يصل في هذا الفيلم إلى قمة النضج الفني، وعمرو سعد الموهية الجديدة الصاعدة بقوة في عالم التمثيل السينمائي.
أما المشكلة الحقيقية فتتجسد في أن خالد يوسف يتبنى نفس الحيلة الدرامية التي كان يتبناها يوسف شاهين في "أفلامه السياسية"- إذا جاز التعبير، مثل "العصفور" و"عودة الإبن الضال" و"اسكندرية ليه". هذه الحيلة تقوم أساسا، على فكرة المعنى المزدوج للشخصيات أو المستوى المتعدد لها، فالشخصيات الرئيسية (وأحيانا الثانوية أيضا) لها بعدين: بعد يتمثل في كونها شخصية تتحرك في الواقع ، وبعد آخر له دلالة رمزية يختزلها عادة في فكرة سياسية أو اجتماعية: هنا مثلا يمكن القول إن حجاج (الأب) هو نموذج لأبناء الطبقة المطحونة التي وجدت مجتمعا ينصفها في عهد جمال عبد الناصر، فقامت بدور إيجابي في ذلك العهد، ثم انحسر دورها في عهد السادات، فأصبح حجاج بوابا في "فيلا" يملكها يساري من الزمن الماضي أيضا هو الدكتور "ونيس". وحجاج يرفع صورة عبد الناصر على جدار الدكان زيادة في التأكيد على انتمائه. أما شحاتة الإبن المفضل عند حجاج الذي أنجبه من الزوجة الثانية بعد أن خانته الزوجة الأولى التي أنجب منها الشقيقان سالم وطالب، فهو امتداد لوعي حجاج الاجتماعي أيضا، في حين أن سالم وطالب: ابنا الخائنة، نموذجان للصعود الطبقي الشبق في زمن الانفتاح في عصر السادات. أما كرم غباوة الذي يردد أمثلة شعبية مبتورة لا يفهم معناها معظم الوقت، فهو نموذج العصر الحالي الذي لا يطرح رؤية ولا رؤية مضادة بل يسير سيرا عشوائيا تماما مثل كرم. وهو على استعداد لبيع شقيقته لمن يدفع أكثر، (أو من يملك العقد الصحيح للدكان.. الملكية.. المال). ويعرف كيف يلعب ويستغل الواقع المتحول الجديد في مصر، كما أنه على استعداد لتوظيف عنفه في خدمة الحكومة من أجل تزوير الانتخابات.
أما "بيسة" الحلوة الجذابة، فهي رمز البراءة المعتدى عليها في مصر، وإن كانت لا ترقى إلى أن تصبح رمزا لمصر نفسها على شاكلة بهية مثلا في "العصفور".
إن "دكان شحاتة" أقرب في إطاره العام إلى "عودة الإبن الضال" فهو مثله، صراع داخل أفراد أسرة واحدة تحت وطأة التحولات الاجتماعية أو بالأحرى هنا، التدهور الاجتماعي، كما كان فيلم يوسف شاهين صراعا داخل أسرة في اطار سياسي واضح بعد أن غاب الزعيم وضاعت البوصلة، وعاد الإبن الواعد الحالم مهزوما محطما عاجزا، وصعدت طبقة محل أخرى.
لكن الفرق أن شاهين كان يعرف كيف ينتقل بين الرمز والواقع، بين المعنى المباشر إلى الدلالة الرمزية، من الاجتماعي إلى السياسي، بعيدا عن المبالغات وعن الإحالات المباشرة، كما كان يعرف أيضا كيف يصوغ أفكارع في بناء سينمائي متماسك يملك، رغم إطاره الميلودرامي العام، لحظات تألق شعري أيضا خاصة في "عودة الإبن الضال" الذي اعتبره من أفضل أفلامه.

البطل والملحمة
أما خالد يوسف في "دكان شحاتة" فهو يلجأ إلى الإحالات السياسية المباشرة لكي يجعل فيلمه هذا أسهل في الوصول للجمهور، لكنه من الناحية الفنية يفقد تماسكه ويصبح أشبه بالتعليق الدرامي الثقيل على التطورات السياسية والاجتماعية، وعملا يفتقد رونق السينما وجمالها، الذي يكمن في الإيحاء، والهمس، والتوقف للتنفس والتأمل، كما أن حشد عشرات الشخصيات دون أي داع، فقط من أجل تأكيد الفكرة نفسها مجددا، يخرج الفيلم عن محوره الدرامي. هناك مثلا شخصيات لا أرى لها أي ضرورة في سياق الفيلم مثل الشقيقة نجاح (غادة عبد الرازق)، وشخصية "البرص" ومحاولته الاعتداء على شحاتة أولا ثم مصادقته له ودوره في المذبحة النهائية.
وهناك أيضا الكثير الاستطرادات والثرثرة البصرية تتمثل في عدد من المشاهد الزائدة عن الحاجة خصوصا مشهد العودة إلى الماضي أو المشاهد المتخيلة بين حجاج وشحاتة (في القبر بعد دفن الأب) كمثال. وهناك أيضا الكثير جدا من الصراخ والعويل والهستيريا والمبالغات في الأداء، وتكرار الرغبة في الاضحاك عن طريق تكرار التأكيد على غباء "كرم" وهو ما ينقلب إلى عكس المقصود فتصبح الشخصية محببة للجمهور، وبعض المشاهد الساذجة التي كان يتعين استبعادها في المونتاج مثل تهديد بيسة بالانتحار بصب الكيروسين على جسدها أكثر من مرة، والمبارزة بالتحطيب بين كرم وشحاتة قبل أن يوافق على زواجهما، بينما التعامل بلعبة التحطيب بهذا الشكل اختبار للرجولة في الأصل، في حين أنه ليس من الممكن اعتبار كرم "البلطجي" رمزا لأي رجولة بل للخسة والنذالة.
أعود مرة أخرى لكي أقول إن خالد يوسف يكون في أضعف أحواله، وهو يمزج أو بالأحرى، يقحم السياسي بالاجتماعي، وعندما يخلط بين الشخصية الواقعية والشخصية الرمزية.
وإذا كان خالد يوسف قد اتبع هذا الأسلوب من أجل صنع عمل ملحمي أقرب إلى السيرة الشعبية مثلا فهو لم يوفق في هذا. ومرجع ذلك أن السيرة الشعبية أو الملحمة، لا تصنع في سياق سردي narrative من هذا النوع أو على هذا النسق، بل يجب أن تروى في سياق له طابع واحد، وباستخدام الموسيقى والغناء بطل مختلف تماما، دون انتقالات وقفزات بين الأزمنة، ودون افراط في استخدام مشاهد الماضي، بل من الأفضل أن تسير الدراما دائما إلى الأمام، ومن المهم أن يتضح البعد الرمزي في الشخصية من البداية، وأن يتماثل المتفرج معه ويتوحد: فهل يمكن اعتبار "شحاتة" في إطار هذا الفيلم "بطلا شعبيا" يتوحد معه المتفرج بينما وعيه بالمحيط الاجتماعي مجرد صفر كبير، حتى بعد مروره بتجربة السجن؟
إنه لا يقاتل ضد أعداء طبقيين، ولا يتحدى سلطة ظالمة، ولا يرغب في الحصول على الحق لأصحابه، بل هو متنازل سلفا عن حقه حتى في الحب، فكل ما يريده هو الانتماء لأسرة تفككت بالفعل بعد موت الأب، بل إن كراهية أخويه له كانت واضحة من البداية. فعن أي شيء يدافع بطل خالد يوسف هذه المرة؟
إنه ليس "المخلص" الذي نعرفه في السيرة أو الملحمة الشعبية، فمن هو؟ إنه لا يخرج عن إطار "الضحية".. ضحية الظلم والتحولات.. فهل يصنع البطل- الضعيف- – الضحية- الذي لا يتطور وعيه بالدنيا من حوله، بطلا شعبيا في عمل ملحمي.
إنني مازلت بعد هذا كله، على قناعة بأن خالد يوسف مخرج جيد، يثير من خلال أفلامه الكثير من النقاش والفكر، ويجتريء على الكثير من المحرمات في السينما السائدة، وإن كان يعمل من داخل هذه السينما نفسها. ولو كان قد اكتفى فقط بالجانب الاجتماعي الذي يتعلق بالصراع داخل العائلة في فيلمه لربما جاء الفيلم أكثر قوة في دلالاته السياسية مما حدث بعد أن مزجه بالتعليقات والإحالات السياسية المباشرة، التي لم تأت من داخل العمل، ولا من بفعل الحتمية الدرامية للفيلم نفسه، بل من ذهنية خالد يوسف السينمائي "المثقف".
وأنا أخيرا، على قناعة بأن خالد يوسف سوف يصل إلى السيطرة على الأسلوب ويصبح مخرجا متفردا عندما يعثر على لغته الخاصة التي تعبر عنه بصدق، بعيدا عن أي إحالات قسرية.

إقرأ أيضا في هذه المدونة: عن خالد يوسف وافلامه الجنسية


((تحذير: جميع الحقوق محفوظة))

الأحد، 21 يونيو، 2009

ماذا بعد أن غرقت السفينة؟

هذه اللقطة من فيلم "دكان شحاتة"


((هذه الرسالة تلقيتها أخيرا وأثارت في الكثير من الشجون والآلام لذا رأيت أن أخصص لها مكانا بارزا وأن أرد عليها بقليل من الاستفاضة)).

تحياتى أستاذ أمير:
انطلاقا من مقالاتك عن جماعة سينما الغد والحركة الطلابية فى السبعينات مع الوجود الحالى لمحاولة الوزير فاروق حسنى الترشح لمنصب اليونسكو اسمح لى أن أشارك حضرتك بهذه التساؤلات (أو الهواجس) عن مستقبل الثقافة المصرية , هل هناك أمل أن تعود نوادى السينما فى جامعاتنا الى وضعها الذى كانت عليه فى السابق. إن كانت كل المشاريع الثقافية قد اجهضت فى زمن الانفتاح فهل جيل الشباب الحالى قادر على تكوين جيل جديد يكمل مسيرة سابقيه. قضيت عاما كاملا- بلا رجعة - فى كلية حقوق القاهرة وكل ما أستطيع قوله أنه فى ظل هذا الجيل قد نجد فى خلال العشرين عاما القادمة مشروع قانون لتحريم السينما وسائر (الأعمال الوثنية الاخرى) يكفى أن تفتح حوارا جانبيا مع شخص يفترض أنه فى اتحاد الطلبة (مسؤول عن الأنشطة الثقافية) بشأن ناد للسينما، ليحدثك عن الذنوب والاختلاط والعرى وتشويش عقل الشباب (أو يريح دماغه ويقولك ايه الكلام الفاضى ده .. احنا ناقصين فنانات ومسخرة) فهل أصبح السبيل الوحيد للعودة هو حدوث ثورة تعصف بكل شئ، أم هناك - ربما -حل أخر؟
فى النهاية حديثى هذا لا يخص اتجاه واحد بل يعنى بالحركة الثقافية المستقبلية فى بلادنا. وهدفى هو فتح تصور عام لما يمكن أن يكون عليه الوضع وطرق المواجهة باعتبار حضرتك صاحب تجربة داخل الأوساط الطلابية وفيما بعد الأوساط الثقافية العامة.

خالص التحية
عمر منجونة

** الصديق العزيز عمر يطلب مني ربما أكبر مما أملك.. أسئلة كبيرة قد تحتاج إلى كتاب كامل لاستعرض تدهور النخبة المثقفة وتدهور الوعي الطلابي بعد أن كان صوت الطلاب يهز عرش السادات ونظامه في السبعينيات ثم استشراف مستقبل الثقافة المصرية. لكن المشكلة أنه حتى الكتاب في حالة ما استطعنا انجازه، لن يصل إلى الطلاب والشباب والمتطلعين إلى حركة جديدة للوعي لأسباب كثيرة، وحتى إذا اقترضنا أنه وصل وقرأه المعنيون بالأمر، فلن نسمع بعد ذلك أكثر من "الله ياأستاذ.. هذا كتاب جميل فعلا.. أعطانا صورة شاملة لما حدث".. وسيظل السؤال قائما: وماذا بعد؟ أي ماذا سيحدث بعد صدور الكتاب وبعد انتهاء التشخيص؟
كان لدى أنور السادات، تعبير أثير يردده في قمة الأزمات والتحديات التي يواجهها نظامه دائما، فقد كان يردد والغضب يرتسم على ملامح وجهه: أنا بطبعي متفائل!
وأنا لن أردد هنا مقولة السادات الزائفة، فلست من أنصار التفاؤل الزائف، ولا الإيحاء بالأمل الخادع، فالواقع نفسه لا يدعو إلى التفاؤل على المدى القريب على الأقل، بل إنني أرى مزيدا من التدهور والانهيار في الطريق حتى تستقر السفينة الغارقة على القاع تماما، ثم يبدأ الباقون على قيد الحياة في داخلها في البحث عن طوق للنجاة أو عن مخرج لهم، وساعتها لن يتشبثوا بالأسباب التي كانت وراء الغرق.. وإن كنت لست على ثقة من ذلك تماما، فسيظل هناك دائما بعض الذين يدمنون خداع الذات بالأوهام.
إن ما نراه حاليا يشير إلى عدة أسباب لهذا الغرق:
1- طبقة حاكمة فاسدة حتى النخاع، رموز هذه الطبقة يسترون فسادهم بادعاء أنهم يعملون من أجل الشعب وإنهم ليسوا في حاجة أصلا إلى مناصب الوزراء وغيرها فلديهم أعمالهم التي تدر المليارات، وأنهم ينفقون من جيوبهم على الوزارة.
2- طبقة وسطى (عمود أي مجتمع) متدهورة، متلاشية، فاسدة، فاقدة كل القيم الحقيقية، متلحفة بمظاهر اللوثة الدينية (لم يعد غريبا أن ترى أطباء ينصرفون عن المرضى الذين يحتاجون إلى اسعافات عاجلة من أجل أداء الصلاة.. فهل يجرؤ أحد من أهالي المرضى على نهرهم). هذه الطبقة فقدت الثقة بنفسها، كما فقدت الثقة بالعالم، وأصبح اهتمامها بالثقافة هامشي أو شبه منعدم، فهي مشغولة أكثر بالبحث عن لقمة العيش بأي طريقة حتى لو كانت الرشوة، وتبرير تقاعسها عن القيام بدورها حيال النخبة الحاكمة الفاسدة.
3- نخبة مثقفة مصابة بفصام الشخصية، أصبح أهم شيء عندها هو الصراخ ضد أمريكا وإسرائيل، واستعراض قوة حنجرتها في التظاهر من أجل العراق وفلسطين، لكنها لا تثور ولا تتظاهر بشكل جاد من أجل قضايا الحرية والديمقراطية والعدل والمساواة والتقدم في الداخل، ولا تسعى حتى في أحلامها المؤجلة إلى تغيير النظام الحاكم.
4- احتلال مباشر للشارع من قبل قوة تتلحف بالدين بينما هي قوة سياسية فاشية، يدعمها الكثير من أعضاء النخبة حتى من القوى الوطنية الديمقراطية بدعوى: فلنعطها فرصة.. هي أحسن من السلطة لأنها ليست فاسدة.. من غيرها يمكنه أن يكون البديل.. هم لم يجربوا الحكم دعهم يجربون ثم يفشلون..إلخ
بدون أسلحة ولا دبابات ولا مدرعات، ولا أجهزة مخابرات كما حدث في إيران مثلا، سقط الشارع المصري بمفاهيمه وأفكاره واستنام لحزب سياسي فاشي وتبنى دون أن يدري شعاراته لأنها "مريحة" مثل الأدوية المنومة، فأنت عندما تعلن فشلك في العثور على أي حل لقضايا مجتمعك وتحيله إلى الله وحده عز وجل، لكي يتولى نيابة عنك النزول من عرشه والتدخل المباشر في التاريخ الأرضي، فأنت تعلن الاستسلام التام والتخلي عن القيام بأي دور فاعل في التاريخ الأرضي وهو ما يناقض كل التعاليم السماوية التي تحض على العمل وعلى الجد والاجتهاد (بل لقد بتنا نرى من يستدعي الله في مباريات كرة القدم لكي ينصر مثلا فريق الزمالك على الأهلي، وعندما يفوز الأهلي يقول أنصاره إن الله كان يريد أن ينتصر الأهلي.. وهذه كلمات نسمعها يوميا في إعلام الدولة المفككة، يبتلعها المثقفون والمتثاقفون بدون إبداء أي استغراب.. وكأن الله ينزل عن عرشه لكي يتدخل بنفسه في تحديد نتيجة مبارة كرة قدم.. فمن الذي يملك الاعتراض على أي عبارات يرد فيها اسم الله)!
في إيران نجح هذا الحزب في أن يحكم السيطرة على رقاب العباد رغما عنهم إلى أن فاض الكيل وطفح بالإيرانيين، فخرجوا إلى الشوارع أخيرا في انتفاضة أظن أنها ستستمر حتى الإطاحة بنظام غير طبيعي، في حين أنه نجح في مصر بدون أي حاجة إلى قهر ولا دبابات ولا مخابرات وقبل أن يصل إلى السلطة الفعلية بل يدعي أنه مازال في المعارضة.. لذلك فالأمر أكثر تغلغلا وأكثر خطورة، والأمل أضعف كثيرا في الانتفاضة على هذا الحزب الفاشي وتعاليمه بل وكل الأحزاب الأحادية المشابهة وعلى رأسها الحزب الحاكم بأمره!
طبيعي إذن أنك عندما تطالب بناد للسينما أن يصبح هذا معادلا لنشر الفجور والعري والإباحية.. والشباب في معظمه، حتى من يدرس منهم علوم الكومبيوتر والتكنولوجيا الحديثة، أصبح يعتنق أكثر الأفكار جنوحا إلى الغيبية واللامنطق بل إن أي محاولة لدفعهم للتفكير مرفوضة سلفا، وأي شيء "مختلف" عما اعتادوا عليه يرفضونه بل ويرفضون مناقشته، فهذا "خارج عن الجماعة" أو عن الفكر السائد، لأنه يهز القناعات السائدة، أو "مستورد" ووراءه "مؤامرة غربية".. وطبيعي أن مجتمعا بأسره يخضع لفكرة المؤامرة المستمرة ضده لا يمكن أن يصنع التقدم.. فهناك تصور خرافي يتمثل في أن الأنظمة الغربية لا تنام الليل قبل أن ترسم مؤامرة ضدنا، تستهدف قيمنا وعقائدنا (بينما عقائدنا هذه مستقرة لا يمسها أحد منذ أكثر من 14 قرنا). هذا الفكر الذي يعبر على نحو ما، عن الهزيمة العميقة والشعور بالدونية، يخضع في الوقت نفسه لأفكار أخرى تغالي في التطرف الشوفيني مثل فكرة أننا "الأفضل والأعظم والأعرق والأكثر تحضرا" في حين أننا فشلنا حتى في ضبط نظام البالوعات في شوارعنا بحيث لا تحتك بها السيارات أو تنقلب عجلاتها داخلها!
الحركة الطلابية القائمة حاليا هي حركة تعبر عن فقدان البوصلة والهدف بل والاتزان لأن السفينة غرقت بالفعل.. فهي حركة ضد التقدم، وضد العقل، وضد التاريخ، توهم نفسها بأنها جزء من الحركة الوطنية بينما هي جزء من الحركة النازية المعادية لمسار الحركة الوطنية تاريخيا، التي لم تعرف هذا الارتداد ولا هذا التردي ولا هذه الدروشة، ولا هذا العداء الشرس للحداثة والعقل باسم الدين بينما تتناقض كل السلوكيات اليومية مع منهج الدين وجوهره. لقد تحول طلاب العلم إلى رقباء على الفكر والفن باسم الأخلاق القويمة والقيم، وأصبحوا يشهرون كتاب الله في وجه كل من يخالفهم، فهل يقدر أحد أن يخالفهم!
عن أي سينما إذن نتكلم.. وعن أي نواد للسينما في الجامعة.. وقد أصبحت الجامعة مكانا للقبح في المظهر والسلوك بل والأفكار.
لا أنس أبدا شخصيا منظرا رأيته بنفسي وأنا أحاضر ذات يوم من عام 2002 في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة، وأمامي صف كامل من الطالبات المنقبات.. تصدر عنهن بين الحين والآخر ضحكات جريئة.. فأي اغتراب وأي اغتراب.. جامعة بمثابة نافذة للنور.. أصبحت مكانا للظلام.. ثقبان يلمعان من وراء حجب سميكة باسم تجنب العورة والحرام والشيطان والشهوة والمعصيات. ومجتمع بهذا النفاق لا يمكن له أن يتقدم.. فقط يتعين علينا أن ننتظر إلى حين تستقر السفينة فوق القاع.

الجمعة، 19 يونيو، 2009

فيلم "زيارة الفرقة الموسيقية": إشارات ومفردات ما بعد الحداثة

تقديم:
((كتبت عن فيلم "زيارة الفرقة الموسيقية" من قبل مقالا عند عرض الفيلم في مهرجان لندن السينمائي (2006) لكني أعدت الكتابة عنه بطريقة أكثر تعمقا وتفصيلا ضمن فصل من كتاب جاهز للنشر حاليا لدي باسم "سينما الخوف والقلق". ورأيت بعد نشر مقالي التحليلي لفيلم إيليا سليمان "الزمن الباقي" أن أنشر هذا المقال الذي يسبح في الاتجاه المعاكس للمقال السابق ويوضح للقارئ الفرق بين فيلم حداثي وآخر تنطبق عليه بشكل مدهش أهم مفردات ما بعد الحداثة وهو مدخل نقدي ربما لم يتطرق إليه النقاد الغربيون الذين تناولوا هذا الفيلم، فقد انصب اهتمامهم أساسا على الجانب السياسي الذي بدا معتدلا- أمير العمري)).
(1)

أثار الفيلم الإسرائيلي "زيارة الفرقة الموسيقية" The Band's Visit اهتماما نقديا كبيرا منذ عرضه في الدورة الستين لمهرجان كان السينمائي (مايو 2007).
وقد حصل الفيلم على جائزة فرعية في كان، هي الجائزة الثالثة التي تمنح للأفلام التي تعرض خارج المسابقة الرسمية في قسم "نظرة خاصة" أي خارج المسابقة، تسمى جائزة أكثر الأفلام المؤثرة عاطفيا Coup de Coeur .
أما في إسرائيل فقد حصد الفيلم 8 جوائز من بين 14 جائزة في المسابقة السنوية الرسمية للسينما الإسرائيلية التي تقام على غرار الأوسكار، منها جائزة أحسن فيلم وأحسن إخراج وأحسن تمثيل وموسيقى، كما حصل على جائزة أحسن فيلم في مهرجان القدس السينمائي.
ولعل ما أثير من ضجة واهتمام كبير في الصحافة العربية، وما أثاره الفيلم من جدل في الأوساط السينمائية في مصر وغيرها، يعود أساسا إلى التصريحات التي أطلقها مخرجه عيران كويليرين، حينما أكد مرارا أنه يرغب في عرض فيلمه في العالم العربي، وأنه يعتبره "فيلما عربيا" على نحو ما، وأنه صنعه من أجل التقارب مع الآخر وتحقيق التفاهم، بل وإنه على استعداد لنزع كل عناوين الفيلم وأسماء العاملين فيه باللغة العبرية ووضعها بالعربية من أجل أن يعرض "كفيلم عربي" على حد قوله.
الزاوية "السياسية" في التعامل مع فيلم "زيارة الفرقة" ليس من السهل تجاهلها، فهذا أساسا فيلم إسرائيلي تظهر فيه شخصيات مصرية وإسرائيلية داخل إسرائيل، في إطار من الموسيقى والشعر والبوح، والتعبير المتبادل عن مكنونات الذات، وكلمات الحب، والانتصار في النهاية للتواصل وضرورة الفهم المشترك وعبور الماضي.
ولكن ما الذي يستند إليه الفيلم في طرحه لهذا الموضوع الواضح تماما منذ أول لقطة من لقطاته؟
يصور الفيلم كيف تصل فرقة موسيقية مصرية إلى إسرائيل ولا تجد أحدا في انتظارها في المطار، ثم تضل طريقها في أحد ايام السبت، العطلة الأسبوعية اليهودية، وبدلا من أن تبلغ مقصدها وهو بلدة بتاح تيكفاه، حيث تقصد مركزا ثقافيا عربيا بدعوة لإقامة حفل موسيقي هناك، تجد نفسها في قرية إسرائيلية تدعى بيتا تيكفا تقع في منطقة صحراوية معزولة.
الفرقة مكونة من 8 أفراد يرتدون ملابس عسكرية زرقاء لا نظير لها في الواقع في مصر، ويطلق عليها في الفيلم "فرقة شرطة الإسكندرية للموسيقى الكلاسيكية" وهي أيضا فرقة متخيلة تماما حيث لا نظير لها في الواقع المصري.
وبعد أن يدرك الجميع المأزق، يحاول رئيس الفرقة اللواء توفيق زكريا (ساسون جاباي) تدبر الأمر، فيتجه إلى مقهى تملكه امرأة إسرائيلية تدعى دينا لكي ترشده إلى الطريق فتقول له إنهم لا يستطيعون التوجه إلى البلدة الأخرى اليوم لأن المواصلات انقطعت، ولا توجد فنادق في هذه القرية، ثم سرعان ما تبدي كرما وأريحية مدهشة عندما تستضيف أولا أفراد الفرقة على الغذاء، ثم تدبر لهم أماكن للإقامة في بيتها وبيت أحد معارفها.
وخلال اليوم تقترب الشخصيات العربية والإسرائيلية من بعضها البعض، يتعرف توفيق على حقيقة "دينا" الإسرائيلية التي تعاني من الوحدة والملل في تلك القرية المعزولة في الصحراء، وتتعرف هي إلى ما يكمن وراء شخصيته من حزن نبيل.
من جهة أخرى يقيم العازف الشاب في الفرقة ويدعى خالد، علاقة صداقة مع شابين إسرائيليين أحدهما عاجز عن التعامل مع الفتيات، يعلمه خالد كيف يتعامل مع فتاة تحاول الاقتراب منه، ويعطيه درسا في الحب من خلال الشعر الصوفي العربي القديم.
اللواء توفيق قائد الفرقة يقضي المساء مع دينا التي تصحبه إلى الخارج، وتتجول معه في البلدة الصغيرة، وتحدثه عن اعجابها بالأفلام المصرية القديمة التي اعتادت مشاهدتها، وتروي له كيف كانت الشوارع تخلو من الناس في اسرائيل وقت عرض الأفلام المصرية بعد ظهر يوم الجمعة من كل اسبوع، وكيف أصبحت تعشق كلمات الغزل والحب في تلك الأفلام، وكيف تأثرت بأداء فاتن حمامة وعمر الشريف، حتى أصبحت حياتها - كما تقول- فيلما عربيا.
إنها دعوة إلى ليلة من الحب لا يستطيع اللواء بتكوينه المحافظ الذي ينتمي إلى الماضي قبولها، بينما يقبلها خالد الشاب المتحرر من قيود الماضي.
بعد أحداث ذلك اليوم وتلك الليلة، لا تعود الشخصيات إلى ما كانت عليه، بل تصبح أكثر فهما لبعضها البعض، وأكثر قدرة على الاستمتاع بطعم الحياة، ولو من خلال الموسيقى والشعر والغناء. وفي النهاية يرحل أفراد الفرقة نحو هدفهم، وتبقى كلمات الحب التي نستمع إليها من خلال الغناء الجميل.

(2)
المغزى الأساسي للفيلم هو الدعوة إلى ضرورة التقارب والفهم المشترك، ونبذ الماضي القائم على الحروب والصراع والكراهية والأحقاد. لهذا السبب، ولأن هذه "الرسالة" تأتي من الطرف الأقوى، الذي يفرض إرادته يوميا في الواقع على الأطراف الأخرى، فإنها تجد كل هذا الاستقبال الحماسي من جانب الجمهور في المهرجانات الغربية، فياله من "تسامح جميل"، بل و"تنازل" من جانب الطرف الأقوى للطرف الأضعف.
إلا أن الاستقبال النقدي المبالغ فيه للفيلم يستند أساسا، إلى رسالته "الإنسانية"، وإلى محاولته الموازنة بين الطرفين: من طرف هناك التعاطف الإنساني والرغبة في التقارب (لدى الطرف الإسرائيلي)، وهناك، لدى الطرف الآخر، العربي، التاريخ والفن والحس الفني الصوفي والغناء.
إن فيلم "زيارة الفرقة الموسيقية" من نوع الأفلام التي توصف في أدبيات النقد السينمائي بالـ miniature أي الأفلام الصغيرة البسيطة المحدودة التي لا تقوم على بناء مركب من الشخصيات والتفاصيل الفنية المعقدة فشخصياته محدودة، فالبناء فيه أقرب إلى "الاسكتشات" المسرحية، التي تعتمد على الأداء، وتغيب عنه "الحبكة" تماما، فهو يعرض للشخصيات دون أن يهتم بخلق أي صراع درامي بينها، لكنه مع ذلك، يصدر الكثير من الإشارات التي تتولد من خلال العلاقات الخفية بين الشخصيات التي تسري تحت جلد السطح الساكن للفيلم، المجرد من الأحداث الكبيرة.
يقص الفيلم حكاية بسيطة مفترضة، لا علاقة لها بالواقع بل تعكس ما يتمناه صانعه وما يحلم به، في شكل سردي تقليدي، تلتقي فيه الشخصيات وتفترق خلال يوم وليلة.
ويتعمد المخرج تجريد الموضوع من الجوانب الأساسية في العلاقة بين العرب والإسرائيليين عموما، أي السياسة والتاريخ، تاريخ الحروب والنزاعات المسلحة، فالشخصيات لا تقترب من السياسة أو الحديث عن الماضي وآثار الماضي، لا من قريب ولا من بعيد.
والمجتمع الإسرائيلي، من خلال تلك البلدة الصغيرة أو المستوطنة، لا تتبدى فيه أي آثار للعسكرة أو لوجود الدولة من خلال الشرطة مثلا، حتى مع وجود فرقة من الغرباء تسير في شوارع البلدة يرتدي أفرادها الملابس العسكرية، ويحملون حقائب ضخمة منتفخة.
كذلك ليس هناك أي مظهر من مظاهر الرفض أو العنصرية تجاه الغرباء أو حتى مجرد حب الاستطلاع الذي قد يدفع البعض من سكان البلدة إلى التعرض لهؤلاء العرب الغرباء بأي شكل من الأشكال، والشخصيات الإسرائيلية التي تتكلم في الفيلم لا تعبر عن القلق أو عن الخوف من تجدد الحروب أو من صواريخ تنطلق من قطاع غزة على قريتهم الجنوبية.. لا شئ سوى السكون والحياة العائلية التي تعاني من الملل والرتابة وقد تسبب بعض المشاحنات بين الأزواج.

(3)
هذه "اليوتوبيا" مقصودة تماما لتبيان التناقض: أولا هناك التناقض بين المظهر الخشن لأفراد الفرقة الموسيقية بملابسهم العسكرية، والاسترخاء الناعم في الطرف الاسرائيلي من خلال شخصية المرأة (دينا).
فرقة "الذكور" المصرية يحمل أفرادها آلاتهم الموسيقية الطويلة المنتصبة، فهم "الذكر" القادم من الخارج، المقتحم فجأة ودون سابق إنذار، لم يكن مقصده إسرائيل بل ما يسمى بأراضي السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية.
أما إسرائيل فهي ليست مجتمع الكيبوتز الخشن الذي تشارك نساؤه بالسلاح في حراسته مع الرجال، بل واحة سلام ودفء، يعادلها المطعم والمقهى، ترعاها إمراة ناعمة متفتحة للحب والحياة، تفور بالرغبة، في الذوبان داخل ذلك الآخر.
هناك من ناحية إذن مصر، العرب، الآخر، العدو السابق الذي لا يزال مترددا في مد يد الصداقة، وهو هنا "مذكر" متجهم، الجيل القديم فيه عاجز عن الفعل (العجز الجنسي عند توفيق)، في مقابل الجيل الجديد الذي يبدو أنه ولد بعد اتفاقيات السلام بين مصر وإسرائيل، وهو يتمثل في "خالد"، المتطلع إلى الحياة بقوة، المتحرر من قيود الماضي وعداءاته، الراغب من طرفه أيضا في الاقتراب من الآخر الإسرائيلي والامتزاج معه وكأنه يلتقي بأصدقاء جدد يحملون ملامح إنسانية خالصة.
وهناك من ناحية أخرى الاسرائيليون الذين يتجسدون إما في شباب يتطلع إلى اللهو والعبث والسهر واللعب مثل اي شباب في العالم (لا أحد يبدو أنه يخدم إجباريا في الجيش أو يتدرب على مواجهة اي عدو بل يرحب ببساطة بالغرباء ويسعى لاقامة علاقات معهم)، أو مثل ذلك الشاب العاجز بدوره عن فهم الجنس الآخر أو التعامل معه على الصعيد العاطفي، أو يتجسدون في أزواج يعيشون حياة "عادية" طبيعية، يتشاجرون ويختلفون معا، لكنهم على استعداد للاستماع والانصات إلى صوت الآخر ورسالته.
وتتمثل الرسالة القادمة من ذلك الآخر في الموسيقى والغناء الرومانسي الشاعري. لكن النغمة الجديدة التي يسعى للوصول إليها ذلك العازف المصري الذي تستضيفه أسرة إسرائيلية في منزلها لقضاء الليلة، ظلت – كما يقول- تخذله طيلة سنوات. إلا أنه يدرك، بمساعدة اصدقائه الجدد، أن ما أبدعه منها قد يكون كافيا، قد يكون هو النغمة الكاملة التي يتعين عليه التوقف عندها وعدم تعذيب نفسه بفكرة أنها ناقصة.
إنها إيحاءات غير مباشرة وتنويعات على فكرة قبول الأمر الواقع، القناعة بأن ليس في الإمكان أبدع مما كان، التصالح مع النفس كبداية للتصالح مع الآخر.
هنا يتدخل ذلك العربي الغريب (خالد) بثقافته الرومانسية، لكي يعطيه درسا في الحب. وخالد هو نفسه الذي يقيم علاقة جنسية واضحة وصريحة مع دينا الإسرائيلية، التي تختصر وتلخص هنا إسرائيل نفسها.
فعلى العكس من "ذكورة" المصريين، هنا إسرائيل هي الأنثى المسالمة الوديعة المعطاءة، التي ترحب بالغريب وتمنحه كل وسائل الأمان: الطعام والشراب والفراش بل والحب أيضا.
لكن الجنرال توفيق عاجز عن الحب، بسبب مشاكل الماضي المؤلمة: انتحار ابنه واحساسه بالذنب نتيجة لذلك. وهو جزء من ذلك الماضي، ماضي الصراع والتوتر والقلق، لكنه لا يستطيع التخلص منه بسهولة، وما حوار "دينا" معه طيلة الأمسية التي تقضيها معه، في المقهى ثم في مكان شاعري على مقعد تحت الأشجار على إضاءة رومانسية، إلا دعوة لنسيان الماضي، ودرس في الأمل والتفاؤل والقدرة على الحب، ولذلك يقول لها توفيق في نهاية الأمسية وهما في الطريق إلى بيتها: "أنت امرأة عظيمة حقا".
إنه فقط يصل إلى حالة تصالح مع نفسه بعد تلك الأمسية التي يقضيها في الخارج مع المرأة الإسرائيلية "دينا" التي تعطيه بدورها، درسا في الإقبال على الحياة، في التخلص من الماضي، في التطلع إلى مستقبل يمتلئ بالحب والأمل.
وعندما يتطلع توفيق في وقت لاحق من تلك الليلة فيرى دينا تمارس الجنس مع خالد، ينفجر في الغناء العاطفي بسعادة غامرة "أنا أحببت" دلالة على استعادته توازنه العاطفي والنفسي.
إنها صورة مجردة لمجتمع إسرائيلي خيالي بالطبع، يتعامل معه المخرج كلوحة يرص فوقها شخصيات تحمل الكثير من الإشارات التي تحمل في النهاية "رسالة" الفيلم السياسية.

(4)


رغم أن فيلم "زيارة الفرقة الموسيقية" فيلم تقليدي في بنائه، إلا أنه يحمل الكثير من مفردات سينما ما بعد الحداثة يمكن تلخيصها فيما يلي:
1- تصوير ما لا يمكن تخيله في الواقع: أفراد فرقة موسيقية عسكرية من مصر يسيرون في طريق تحيط به الصحراء في بلدة إسرائيلية، بدون دعوة ولا شرطة ولا أمن ولا أي تدخل من أي طرف مؤسساتي، فالمؤسسة تبدو وقد انسحبت من ذلك العالم المصغر الذي يخلقه المخرج.

2- الحنين أو النوستالجيا: المرأة الإسرائيلية، "دينا"، تتفجر، في أحد أهم مشاهد الفيلم بل وذروته، في شبه "مونولوج" عاطفي، تستدعي خلاله الماضي، وتتذكر عندما كانت الشوارع تخلو عند عرض فيلم مصري من أفلام الماضي الرومانسي في التليفزيون الإسرائيلي، وكيف أنها وقعت في غرام الشخصيات المصرية من خلال تلك الأفلام.
3- خلط أساليب متعددة معا في وعاء واحد: هنا خلط بين الكوميديا الخفيفة التي تعتمد على الكاريكاتورية أي المبالغة في رسم الشخصيات، والدراما النفسية التي تكتشف عبرها الشخصيات بعض الأشياء عن نفسها، وأسلوب الفيلم الرومانسي، والفيلم الموسيقي الغنائي وخلط الأداء التمثيلي بالغناء المفاجئ والتعبير الموسيقي، مع لمحات من سينما التشويق والإثارة أيضا.
4- التلصص والتعبير المباشر عن الرغبة الجنسية وتجسيد الجنس: توفيق ينهض من فراشه، لكي يتلصص على ما يجري في الغرفة الأخرى بين خالد ودينا في حين نسمع أصوات الممارسة الجنسية بينهما. والجنس هنا شكل طبيعي للتواصل، وليس عملا منافيا للأخلاق، بل وحتى اللواء توفيق، يراه طبيعيا بعد أن كان يستنكره في البداية. ورموز الجنس واضحة منذ المشهد الأول لدخول توفيق وخالد إلى بيت "دينا" حيث يجلسان في المطبخ، ويكون أول ما تفعله هي أن تشق بطيخة حمراء شهية تبدو مثيرة للشهية في ذلك المناخ الصحراوي الحار.
5- الصورة المغايرة للمرأة: فشخصية "دينا" هنا هي شخصية مقتحمة، مبادرة، مغوية، أكثر قوة في شخصيتها من ذلك "الجنرال" الذي يفترض أن يكون هو القائد بحكم تكوينه العسكري، لكنه على النقيض: ضعيف، مهتز، وجل متردد، عاجز عن الفعل، متلعثم في التعبير عما يجيش في صدره.
من ناحية التمثيل فشل صانع الفيلم في العثور على ممثلين يجيدون الحديث باللهجة العامية المصرية، فاستعان بعدد من الممثلين الفلسطينيين وبالممثل اليهودي العراقي ساسون جاباي في دور اللواء، واستخدم هؤلاء اللهجة المصرية بدون إقناع، وبشكل مبالغ فيه، ولكن هذا الجانب لا يلحظه بالطبع الجمهور "الأجنبي" الذي يستقبل الفيلم عبر الترجمة.
ولكن لاشك أن المخرج يجيد التعامل مع الممثلين، ولا شك أيضا في تميز الأداء التمثيلي للممثل ساسون جاباي، وكذلك الممثلة الإسرائيلية رونيت الكابيتز في دور دينا التي ملأت الفيلم بالحيوية وبلمسة خاصة من الرقة والنعومة والبساطة.
"زيارة الفرقة"، بفكرته البسيطة الخيالية، ينتهي، رغم كل ما توفر لصانعه من نوايا طيبة، إلى أن يصبح فيلما من أفلام "الرسالة" الرومانسية، التي تتلخص في دعوته إلى ضرورة التعايش، بغض النظر عن الماضي، وبغض النظر عن الحاضر أيضا، وبعيدا عن التعقيدات السياسية القائمة، غير أنها دعوة يهزمها الواقع نفسه يوميا مرات ومرات.
((تحذير: جميع الحقوق محفوظة))

الثلاثاء، 16 يونيو، 2009

الفيلم الفرنسي "نبي" هل هو فيلم عنصري؟

من أهم وأفضل الأفلام التي عرضت في مسابقة مهرجان كان الأخير الفيلم الفرنسي "نبي" A Prophet للمخرج جاك أوديار.
كان هذا الفيلم، عن حق، من أكثر الأفلام ترشيحا للفوز بالسعفة الذهبية، إلا أن السعفة ذهبت إلى "الشريط الأبيض"، ليحصل "نبي" على الجائزة التالية في الأهمية، أي الجائزة الكبرى للجنة التحكيم.
وقد بلغ الأمر حد أن كتب أحد النقاد في إحدى المطبوعات التي تصدر خلال المهرجان يقول إنه إذا لم يحصل هذا الفيلم على جائزة رئيسية في كان "فسيشهد شاطيء الكروازيت أعمال شغب"!
كنت من المعجبين بالفيلم لأسباب عديدة، تتلخص في أنه جاء متكاملا في بنائه ومستوى إخراجه وتمثيله، ورغم أنه أحد "أفلام السجن" التي يمكن عادة توقع ما سيحدث فيها إلا أن مدخله إلى موضوعه وطريقة معالجته له تحقق المتعة والترقب وإثارة الفكر أيضا، فهو، يتيح مساحات جيدة للتفكير والتأمل.
هذا فيلم عن شاب من عرب فرنسا (جزائري الأصل) يدعى "مالك" يدخل السجن بتهمة لا نعرفها، لكي يقضي ست سنوات، حيث يصبح عرضة لاضطهاد بشع من جانب عصبة إجرامية كورسيكية يتزعمها "قيصر" الذي يرغمه على القيام بكل الأعمال القذرة بل وحتى التجسس لحسابه على الفئات الأخرى من المجرمين، ويحظر عليه الاختلاط بأقرانه من العرب أو المسلمين الذين يقضون عقوبات داخل السجن.
"مالك" من الأصل، يبدو نموذجا للامنتمي، بل هو أقرب إلى طفل ولد وألقي به داخل العالم "الحقيقي" لكي يتعلم كيف ينجو ويستمر في الحياة.

الإنسان والهوية
وهو يبدو منفصلا عن جذوره الثقافية، لا يتشبث أصلا بالتقاليد والقيم الإسلامية. وعندما يسأله الحارس عند استكمال إجراءات إدخاله السجن، ضمن أسئلة أخرى بالطبع: هل تأكل لحم الخنزير؟ يتردد في البداية، ثم يوافق.
إنه الإنسان العربي فاقد هويته، الذي يريد أن يحيا وأن يتجاوز محنة السجن بأي ثمن، لكنه أيضا يتمتع بذكاء من نوع خاص، ويتعلم من خلال الإنصات والاحتكاك كيف يستغل الثغرات لحسابه، ثم يحقق انتقامه الشخصي من الذين أهانوه وأذلوه ويوجه لهم الضربة القاضية. وفي هذا السياق أيضا هو فيلم عن "البقاء" بالمعنى الوجودي.
يكلفه "قيصر" زعيم الكورسيكيون بقتل سجين عربي يدعى "رجب"، باستغلال شذوذه الجنسي وميله نحو "مالك". وتهدده عصبة الكورسيكيين بالقتل في حالة تخاذله. ويحاول مالك تنبيه إدارة السجن لكنهم يسلمونه لقيصر لكي ينال عقابا بدنيا كفيلا بإقناعه بالقيام بالمهمة البشعة. ويضطر بالتالي، في أحد أكثر مشاهد السينما عنفا، إلى قتل مالك رجب بشيفرة حادة صغيرة كان يخفيها داخل فمه كما دربه على استخدامها الكورسيكيون، فيقطع الشريان الأكبر في رقبة رجب ويتناثر الدم في أرجاء الزنزانة.
لا أريد أن أستطرد في سرد أحداث هذا الفيلم المثير، لكن "مالك" يصبح عين الكورسيكي "قيصر" على السجناء خاصة السجناء العرب، بل ويحصل له الكورسيكي الذي يسيطر بنفوذه على إدارة السجن، على تصاريح بالخروج من السجن من وقت لآخر، لقضاء يوم واحد في الخارج حيث يقوم بمهام لحسابه، لكنه ينجح في استغلال الفرصة المتاحة للقيام بأعمال لحسابه الخاص أيضا بالاشتراك مع صديقه "رياض" الذي كان زميلا له في السجن ثم خرج. ويتعرف مالك على أسرة رياض: زوجته وابنته، ويوصيه رياض بهما خيرا في حالة وفاته وهو المريض بسرطان البروستاتا.
وينتهي الفيلم بعد أن يتحول مالك من سجين مبتديء يرضخ كعبد ذليل لعصابة الكورسيكيين، إلى إمبراطور في عالم الإجرام، تخشاه العصابات المنافسة، بعد أن يقضي تماما على نفوذ "قيصر" ويذله.
ويكون مالك خلال رحلته في العالم السفلي، وتعرض حياته للخطر المميت أكثر من مرة، قد اكتشف تدريجيا أن ولاءه الحقيقي هو لثقافته ولرفاقه ولأبناء جلدته، فيترك في النهاية حقيبة تمتليء بعشرات الآلاف من الدولارات استولى عليها من إحدى عصابات تجارة المخدرات بعد معركة دموية، في المسجد الذي يؤمه رفاقه في الدين، فربما يكون في هذا سبيله إلى الخلاص.
فيلم "نبي" جاء اسمه بعد أن يتنبأ مالك بمهاجمة حيوان بري (غزال) السيارة التي كان يستقلها مع صديقه رياض وهو ما يتحقق بالفعل، وبذلك ينجو رياض من الموت، فيتساءل بدهشة: هل أنت نبي لكي تعرف ما سيحدث.

الفيلم والعنصرية
هذا فيلم عن البحث عن الهوية، عن العنصرية المقيتة التي تجعل السجن رمزا مصغرا للمجتمع في الخارج حيث يمارس الأقوياء القهر على الضعفاء، كما يمارس الآخرون (الكورسيكيون) عدوانهم العنصري الفظ بتعليقاتهم المهينة لمالك وأصله العربي والإسلامي طوال الوقت وهو أيضا فيلم عن فساد مؤسسة الشرطة والسجون الفرنسية وخضوعها المهين للمجرمين والأشقياء وتجار المخدرات، على نحو يذكرنا بفيلم آخر عظيم هو "انتهى التحقيق المبدئي.. إنس الموضوع" من عام 1972 L'istruttoria è chiusa dimentichi للمخرج الإيطالي داميانو دامياني. ولا أدري كيف يمكن قراءة فيلم كهذا على اعتبار أنه "يكرس" العنصرية في حين أن المتفرج يشاهد الفيلم من زاوية التعاطف التام مع مالك (ضحية العنصرية) من البداية إلى النهاية.
إنه ينجح وهو الأمي، في تعليم نفسه القراءة والكتابة داخل السجن، بل وينجح أيضا في تعلم لغة الكورسيكيين ويتمكن بذكائه الخاص، عن طريق الإنصات إلى أحاديثهم ومراقبة حركات شفاههم، من معرفة نقاط الضعف في علاقاتهم ويستغلها لحسابه الخاص، وهو يغير موقفه في النهاية، فينتقل من معسكر الكورسيكيين إلى معسكر العرب المسلمين داخل السجن الذين كان يرفض أي علاقة بهم في البداية وكانوا هم يعتبرونه "خائنا".
وعندما يغادر السجن في النهاية تكون في انتظاره أرملة صديقه رياض وابنته اللتان سيتولى هو رعايتهما بعد وفاة صديقه في لمسة وفاء جديرة بالإعجاب، بل ويشير الفيلم أيضا إلى أنه سيحقق وصية صديقه الراحل ويتزوج من أرملته ويكفل ابنته.
لهذه الأسباب أظن أن القراءة المحايدة الموضوعية للفيلم تقول إنه فيلم يناهض العنصرية ويستنكرها، ويجعل من شخصية "مالك" شخصية لها جاذبيتها، يتماثل المتفرج معها، ويتعاطف، كما يتمنى لو يتمكن من القضاء على حفنة الأشرار العنصريين الذين ظنوه لقمة سائغة يمكنهم أن يفعلوا به ما يشاءون.
الفيلم يدور في أوساط المجرمين داخل السجن، وإن كنا لا نعرف طبيعة الجريمة التي كانت سببا في دخول مالك السجن، ويشير الفيلم على نحو ما، إلى انه ربما يكون قد حكم عليه ظلما بسبب أصله العربي، ويجعله السيناريو شخصية لا تميل في البداية إلى العنف، بل ويرفض بإصرار ارتكاب جريمة قتل، غير أنه يجد نفسه مضطرا إليها اضطرارا بعد أن يتعرض لتهديدات الشيطان الكورسيكي العنصري "قيصر" الذي يدينه الفيلم ويقدمه في أبشع الصور وأكثرها قسوة.
نعم هناك أيضا كلام عن الدين الإسلامي يرد على لسان "رجب" الشاذ الذي قتله مالك، والذي يعود فيظهر له خلال الفيلم في مشاهد شبه سيريالية على هيئة رؤى وأحلام وهواجس وكوابيس، تعكس نوعا من تأنيب الضمير. لكن هذه الأحاديث التي تدور حول كيف كان النبي محمد أميا وكيف تمكن من القراءة بعد أن أمره جبريل (عليه السلام) بذلك مع نزول القرآن، لا يمكن تفسيرها على أنها أحاديث مسيئة للإسلام على أي مستوى، بل هي أحاديث تعكس تغلغل الثقافة الإسلامية في نفوس العرب حتى لو كانوا من السجناء بل وخاصة بعد أن يصبحوا سجناء فيعودون إلى الله وإلى الاحتماء بالدين من الشر المحيط لهم، وليست مشاهد أداء الصلاة جماعة داخل السجن سوى تأكيد على هذه الفكرة، وليس إهانة الإسلام بدوافع عنصرية.

دور المخرج
من الناحية الفنية، نجح المخرج جاك أوديار تماما في خلق الأجواء الخاصة داخل السجن، وتنفيذ المشاهد الصعبة خارجه: المطاردات والاشتباكات العنيفة بالأسلحة، والتصفيات المتبادلة بل إنه يجعل بطله يبدو مثل طفل يشعر بتوتر مشوب بالسعادة، أو الشاب الذي ينمو وعيه بنفسه، بذاته، بحقيقة جذوره وثقافته وانتمائه، ومعرفته بضراوة العالم المحيط به الذي لا يقبل سوى الأقوياء، وهو يركب الطائرة للمرة الأولى في حياته، أثناء إحدى المرات التي يحصل فيها على إفراج مؤقت، لكي يؤدي مهمة خاصة كلفه بها قيصر في مارسيليا، وكأنه يتخلص من أحمال تشده إلى الأرض في اللحظة التي ترتفع فيها الطائرة إلى السماء.
ويستخدم أوديار الإضاءة استخداما مبدعا، فيحيط وجه بطله بالظلال في المشاهد الأولى بعد دخوله السجن، ويركز على نظرات عينيه الطفولية المتطلعة الخائفة، كما يهتم بإبراز تلك الانفعالات من خلال اللقطات القريبة "كلوز اب"، كما ينجح في خلق إيقاع متماسك ومتدفق، وتحقيق توازن داخلي في بناء الفيلم، في انتقالاته بين المشاهد المختلفة: ساحة السجن، الزنازين، خارج السجن، الإدارة.. وغير ذلك، وبما يحافظ على الإيقاع العام للفيلم، فلا يشعر المتفرج بطوله رغم أنه يصل إلى أكثر من ساعتين ونصف الساعة.
ولعل سيطرة أوديار المدهشة على أداء مجموعة الممثلين وراء ذلك الرونق والقوة الكامنين في هذا العمل السينمائي الكبير الذي يعيد للسينما قوة تأثيرها وقدرتها على رواية قصة ذات دلالات شتى بطريقة فنية جذابة.
وقد نجح الممثل الجزائري الأصل طاهر رحيم الذي جاء إلى السينما من خارج عالم التمثيل، ووقف للمرة الأولى أمام الكاميرا في هذا الفيلم، في تقمص الدور الرئيسي، دور مالك، ببراعة جعلت الكثيرين يرشحونه للفوز بجائزة أحسن ممثل في مهرحان كان. وقد نجح رحيم في التعبير بعضلات وجهه ونظراته الطفولية المندهشة التي تزداد ذكاء وتكشف عن نضج شخصيته عبر الفيلم، خاصة في لقطات "الكلوز أب" القريبة التي يهتز أمامها الكثير من الممثلين خاصة المبتدئين والذين لا سابق خبرة لديهم.
وأخيرا، لعل أفضل رد على اتهام هذا الفيلم بالعنصرية أن كاتب السيناريو الأصلي للفيلم هو عبد الرحيم دفري (عربي)، واشترك في كتابة الحوار والتمثيل عدد من الممثلين العرب المحترفين وغير المحترفين مثل عادل بن شريف وهشام يعقوبي ورضا الكاتب وفريد الوردي وسالم كالي وفؤاد ناصح وعلاء أوموزان.

((تحذير: جميع الحقوق محفوظة))

الاثنين، 15 يونيو، 2009

فاروق حسني وإسرائيل والكائنات الخرافية

* وصلتني رسالة من الصديق محمود الطويل يسأل فيها: هل تعتقد أن وزير الثقافة المصري فاروق حسني سيفوز بمنصب مدير اليونسكو بعد كل ما حدث؟ ولماذا توقفت عن الكتابة في هذا الموضوع؟* لا أعرف هل سيفوز فاروق حسني أو لن يفوز، والحقيقة أيضا أنني لم أعد مهتما بهذا الموضوع بعد أن أشبعته اهتماما في الماضي بما فيه الكفاية وبعد أن رأيت أن الكثير من الذين أعرفهم يتمنون أن أتوقف عن مهاجمة ترشيح الوزير- الفنان- لهذا المنصب الخطير من باب اليأس السائد الذي يتمثل في الدعاء إلى الله بأن يذهب الوزير بعيدا إلى أي مكان، حتى لو كان اليونسكو، وأن يترك الثقافة المصرية للمرة الأولى منذ 22 عاما، بدون وزير فنان بهذا الشكل، بعد أن شهد عصره أكبر وأفظع الكوارث في تاريخ الثقافة المصرية من السرقات إلى التهريب إلى الحرائق إلى الخراب العام والتدهور في الذوق والحس على كل المستويات. أما موضوع أن إسرائيل تعارض الوزير ولذا ينبغي أن نؤيده نحن على اعتبار أن كل ما يعارضه عدوي يتعين علي أن أسانده، فهو يحول موضوع فاروق حسني إلى قضية وطنية، وهو أمر غير صحيح على الإطلاق، فالذي رشح فاروق لليونسكو نظام يتعامل مع إسرائيل ويغتفر لها الأعذار طيلة الوقت، والذين يؤيدون الوزير من داخل المؤسسة الإعلامية والسياسية الرسمية معروفون بكونهم من "الحمائم" فيما يتعلق بالموقف من إسرائيل، ومنهم من يدعو علانية إلى القبول بها والتعامل معها، بل وهناك مسؤولون ملتزمون بحكم مناصبهم بسياسة النظام الحاكم الذي يستقبل القادة الاسرائيليين ويرتبط معهم بمعاهدات سياسية وتجارية. ومن الطبيعي أن هؤلاء لا يصلحون لإعطائنا دروسا في مقاومة إسرائيل، بل وقد أصبح الوزير نفسه أخيرا أيضا يخطب ود إسرائيل ويسعى لنيل رضاها عنه بشتى الطرق وآخرها إعلانه أن وزراته ستطبع كتبا مترجمة عن العبرية. أخيرا.. تأثرا بفيلمي المخرج الفلسطيني إيليا سليمان "يد إلهية" و"الزمن الباقي"، ربما أصبحت أنا أيضا أنتظر ولو على سبيل الحلم والأمل، هبوط كائنات أسطورية عملاقة من السماء، تدمر النظام العنصري القائم في إسرائيل وتدمر معه كل الأنظمة العربية في وقت واحد!
== =============================================
* تلقيت من الباحثة في الجامعة الأمريكية في القاهرة مريم سعيد مكاوي البحث الذي أعدته أخيرا حول اليهود في السينما المصرية، وفيه تناقش كيف قدمت السينما المصرية شخصية اليهودي منذ بداياتها حتى اليوم، وهو مشروع لبحث طموح قد يتطور بلاشك ليصبح رسالة علمية تصلح فيما بعد للنشر في كتاب. الجديد في البحث أنه يتبع منهجا علميا يدقق في المصطلحات ويناقش الكتابات "العشوائية" الكثيرة السائدة في الموضوع. كما يرصد أيضا كيف تحول المجتمع من مجتمع متسامح يقبل بالتعددية العرقية والدينية، إلى مجتمع متشنج يرتد عن منجزات العصر والحداثة لكي يتبنى أكثر الأفكار إيغالا في الرجعية وعلى رأسها الدعوة إلى عزل المرأة عن المجتمع عن طريق تحويلها إلى "كائن حي" يحرم النظر إليه!الملاحظات التي كتبتها لمريم حول بحثها لقيت لديها ترحيبا كبيرا أسعدني، وبناء عليه قررت هي إعادة كتابة البحث مرة أخرى. تمنياتي لها بالتوفيق.

السبت، 13 يونيو، 2009

الأفلام الإسرئيلية في مهرجان كان

عرضت ثلاثة أفلام إسرائيلية طويلة في مهرجان كان السينمائي الـ62، وفيلمان قصيران. لم أشاهد الفيلمين القصيرين، لكني شاهدت الأفلام الثلاثة الطويلة وهي "يافا" Jaffa، و"عيون مفتوحة على اتساعها" Eyes Wide Open، و"عجمي" Ajami.
وقد عرض الفيلم الأول خارج المسابقة ضمن العروض الخاصة، والثاني ضمن قسم "نظرة خاصة"، والثالث في ختام برنامج "نصف شهر المخرجين".
فيلم "يافا" Jaffa للمخرجة كيرين يدايا، فيلم روائي تقليدي في بنائه وشكله وموضوعه، وهو يتناول العلاقة بين فلسطينيي الداخل الذين يطلقون عليهم "عرب إسرائيل"، وبين يهود إسرائيل، من خلال دراما- أو بالأحرى ميلودراما- تدور حول الحب والظلم، والحواجز النفسية التي يدعو الفيلم من خلال طريقة معالجته لها، إلى ضرورة تجاوزها، من أجل تحقيق العيش المشترك. ولاشك أن بالفيلم الكثير من النوايا الحسنة، كما أن فيه الكثير أيضا من المبالغات التي تعكس ما تتمناه المخرجة أكثر من علاقتها بحقائق الواقع.
أحداث الفيلم تدور حول العلاقة بين فتاة يهودية هي "مالي"، وشاب فلسطيني هو "توفيق". وهي علاقة حب، يرغب الاثنان في تتويجها بالزواج، غير أن توفيق يعمل مع والده حسن في ورشة إصلاح السيارات التي يملكها "ريوفن" والد "مالي" وهو يهودي طيب، ويعمل فيها أيضا "مائير" شقيق مالي وهو يهودي "شرير" أي متعصب.
يستعد توفيق ومالي للهرب والزواج، ولكن تعصب مائير يؤدي إلى مشاجرة عنيفة مع توفيق الذي يسقطه أرضا فيقتله بطريق الخطأ. ويدخل توفيق السجن، حيث يقضي 9 سنوات. وتعترف مالي لوالديها بأنها حامل، لكنها تقول لهما إن الحمل نتيجة علاقة مع يهودي متزوج. وتنجب مالي ابنة هي شيران، يقومان بتربيتها، وتمر السنون، ويخرج توفيق من السجن لكي يبحث عن مالي التي لم تخبره بأنها أنجبت منه لكنها تلتقيه في نهاية الفيلم مع شيران، بما يوحي بأنهما سيقطعان معا طريقا جديدا ربما يكون أكثر سعادة.
هذا فيلم بسيط، مصنوع على طريقة الميلودراما التقليدية: أي من شخصيات من الأخيار والأشرار، إنه يصور كيف يعامل "مائير" العاملين الفلسطينيين: توفيق ووالده حسن، بغلظة وكراهية ونفور، بل ويمارس على توفيق، كونه شابا متفوقا في مهنته قياسا إليه، نوعا من العنصرية المقيتة أيضا في مقابل ذلك هناك شخصية صاحب الورشة "ريوفن" والد مائير ومالي، فهو طيب القلب إلى حد كبير، يبدو غير مهتم كثيرا بأصل العاملين في ورشته بل بمقدار ما يتمتعان به من كفاءة في العمل، بل إنه في مواقف عديدة بالفيلم، يقف ضد تعصب ابنه مائير ضدهما في أعقاب مشاجرة بين مائير وتوفيق، ثم يقوم بطرده من منزل الأسرة بعد أن يوجه إهانة إلى أمه أثناء تدخلها في مناقشة ما حدث.
التعقيدات الدخيلة على الفيلم تساهم في بطء الإيقاع، ولا تضيف أبعادا جديدة إلى تلك الشخصيات الخمس المسطحة القريبة من الصور النمطية، بل وتعد شخصية والدة مالي "أوزنات" شخصية زائدة عن الدراما، وتصبح في المشاهد التي تظهر فيها عبئا على الفيلم ونمطا مشتتا أيضا للمتفرج، فما المقصود بتصويرها أصغر كثيرا من زوجها أولا، وما المقصود ثانيا من إظهارها في صورة "مثيرة" جنسيا، تتلوى وتتخذ أوضاعا مغرية، بشكل مقحم تماما على الفيلم وموضوعه. وتقوم بدور الأم هنا الممثلة رونيت الكابيتز (يهودية من أصل مغربي)، وهي الممثلة التي تألقت من قبل في فيلم "زيارة الفرقة الموسيقية" The Bandit's Visit في دور "دينا" صاحبة المطعم.
الإيقاع العام للفيلم بطيء، بسبب عدم تطور الأحداث، والاستطرادات الكثيرة، خاصة في تكرار مشاهد تناول الطعام، وبدون نجاح في توصيل الفكرة المقصودة من وراء تلك المشاهد وهي انعدام التواصل بين أفراد الأسرة، فالحوار فيها بارد، عادي إلى درجة صرف الاهتمام.
ولا يتضح أثر مرور الزمن في الفيلم سواء على الفتاة مالي، أو على أمها أوزنات، أو على توفيق بعد خروجه من السجن الذي يقضي فيع تسع سنوات رغم أن جريمته هي القتل الخطأ.
ولا يبدو أن هناك معنى خاصا في الفيلم للمكان (يافا) فمعظم الأحداث يجري تصويرها في الداخل (مسكن الأسرة، أو الورشة)، وعندما تخرج المخرجة بالكاميرا إلى المدينة لا نكاد نلمح منها شيئا بسبب التصوير السريع من السيارة، وهي تنتقل إلى ضاحية رمات جان إحدى ضواحي تل أبيب التي يقطنها العرب لتصوير لقاء لميتم بين مالي وتوفيق، لكنها تكتفي بتصوير بضعة شباب يجلسون خارج مقهى على الرصيف يتجاذبون أطراف الحديث، كما تستخدم الموسيقى العربية بتكاسل وفي تكرار للنغمات بحيث تبدو خارج الفيلم.
ربما يكون أداء الممثل الفلسطيني محمود شلبي في دور توفيق هو الأداء الأفضل في هذا الفيلم بتلقائيته وردود فعله لكن الشخصية التي يقوم بها شخصية أحادية الجانب للضحية، بينما يعاني الفيلم من الأداء البارد الجاف الذي لا يضفي اي أبعاد على الشخصيات، وأبرز مثال على ذلك الممثلة دانا إفجي التي قامت بدور "مالي" فأداؤها لا يتطور بل يظل أحاديا من أول الفيلم إلى آخره، ولعل مرجع ذلك يعود إلى كون الشخصية التي تقوم بها مسطحة فاقدة لأي أبعاد، لدرجة أننا نبدأ في التساؤل: لماذا تتخذ هذه الفتاة الإسرائيلية "العادية للغاية" قرارا خطيرا من هذا النوع، بالارتباط بعلاقة عاطفية مع مواطن من "الدرجة الثانية" هو توفيق بل وتنجب منه أيضا وتخاطر بفقدان أسرتها ورد الفعل الغاضب من المجتمع.
المخرجة أرادت أن تقدم "المأزق" القائم في إسرائيل، ليس من خلال لمس الأوضاع والتناقضات السياسية الملتهبة القائمة هناك، بل من خلال دراما تقليدية تتركز حول فكرة ذلك الصراع المكتوم، ولكن في سياق لا يحقق أي تقدم في معالجة الموضوع، وبلا أي تأثير حقيقي على المتفرج في النهاية، فالمرء يخرج بعد انتهاء مشاهدة هذا الفيلم دون أن يزداد وعيه بالصراع، ودون أن تبقى في ذهنه أسئلة مقلقة من أي نوع، بل إن تلك "النهاية السعيدة" التي يجتمع خلالها شمل الأسرة بسبب تلك الإبنة- الرمز للتعايش المشترك تبدو بلا أي معنى.

عيون مفتوحة على اتساعها
فيلم "عيون مفتوحة على اتساعها" للمخرج حاييم تاباكمان، الذي يلعب على عنوان الفيلم الأخير لستانلي كوبريك، ربما تتمثل قيمته الوحيدة في أنه يتجرأ فيقتحم موضوعا يندرج في إطار "المسكوت عنه" في الثقافة اليهودية عموما، فيصور علاقة جنسية مثلية بين شابين داخل مجتمع اليهود الأرثوذوكس في إسرائيل.
أحد هؤلاء الشابين متزوج ولديه أربعة أبناء. وهو صاحب محل جزارة، وبعدما يموت والده ويجد نفسه وحيدا في المحل يرحب بالاستعانة بشاب ينتمي أيضا إلى نفس الطائفة، لمساعدته في العمل ويقوم بتعليمه كيف يقطع اللحم وكيف يزنه ويبيعه، وسرعان ما يقع الانجذاب بين الشابين، ثم الخطيئة المحرمة، ويتسلل الشك في نفس الزوجة، ثم تشعر الطائفة وحاخاماتها بما يجري، ويحاولون لفت نظر صاحبنا ويطلبون منه طرد هذا الشاب الغريب، لكنه لا يفعل. يصطحبه الخاحام معه إلى الصلاة ويحذره مما يمكن أن يتعرض له. لكنه لا يستجيب، فيتعرض لهجمات على محله من اليهود الغاضبين من دعاة الفضيلة، ثم يواجه أيضا الاستجواب أمام ما يعرف بشرطة الآداب بعد أن يبلغ أهل الحي عن سلوكه. لا تواجهه الزوجة مباشرة بما يفعله لكنها تتألم وتتعذب في صمت. إنها نموذج للزوجة والأم اليهودية التي تضحي بسعادتها الشخصية حفاظا على الأسرة. وبعد أن يتحمل الرجل كل أنواع الضغوط دون أن يستجيب للاستفزازات والاعتداءات كما لو كان "نبيا" يبشر بديانة جديدة في شعب يرفضه، تنتهي الضعوظ إلى النهاية المأساوية المتوقعة.
هذا فيلم لا يقول لنا شيئا، ولا يقدم أي أبعاد إنسانية من وراء تلك القصة التي تدور في أجواء اليهود الأثوذوكس، وتصوير منازلهم والشوارع الضيقة في الحي الذي يقطنون فيه، معابدهم ومحلاتهم وتقاليدهم كما لو كنا نشاهد فيلما من أفلام الدراسة البشرية لفصيل بشري معين anthropological فليس هناك أي مغزي اجتماعي أو سياسي يعبر مثلا عن رفض المجتمع المغلق أو فكرة التزمت الأخلاقي أو الاحتجاج عليها، ولا توجد أي ملامح خاصة إنسانية داخل مؤسسة الزواج تدفع إلى البحث عن تلك "العلاقة الأخرى". إنه باختصار ليس فيلما عن التمرد بل المقصود فقط تقديم صورة مثيرة غريبة تتناقض مع ما هو قائم على السطح، لإثارة خيال المتفرج.
أما على الصعيد السينمائي فهناك إيقاع شديد البطء حد الملل، وموسيقى متكررة مفتعلة، وإضاءة خافتة قد تناسب تلك الأجواء القاتمة الكئيبة التي يصورها، وتمثيل أحادي سطحي لأن العلاقة بين الشابين في الفيلم هي بوضوح علاقة جسدية أساسها الشهوة بل ولا يوجد أي حوار من أي نوع يعكس الجوانب الإنسانية المرهفة داخل هذين الشابين، بل نرى أنهما يندفعان نحو تلك العلاقة بقوة غامضة، وكأنه لقاء قدري بينهما من أجل الحصول على المتعة حتى لو كان الثمن هو الموت. "هيون مغتوحة على اتساعها" لا يفتح أي أفق للرؤية أمام المشاهد. إنه أقرب إلى أفلام التقاليع "الليبرالية" الإسرائيلية التي تريد أن تقول للعالم إن إسرائيل ليست مجتمعا "دينيا" متزمتا يخظر تصوير العلاقات المحظورة، بل يمكن أن تخرج منه أيضا أفلام الشذوذ الجنسي والعلاقات المحرمة المجسدة بوضوح.. ولا أظن أن هذا في حد ذاته" هدف عظيم!

"عجمي"
قيل كلام كثير عن فيلم "عجمي" Ajami ، واحتفي به البعض باعتباره أول فيلم يشترك في إخراجه مخرج اسرائيلي يهودي هو يارون شاني، ومخرج فلسطيني (ممن يطلق عليهم عرب إسرائيل) هو اسكندر قبطي. وقد اختتم به برنامج نصف شهر المخرجين الذ يصح أن نطلق عليه "مهرجان" فهو حدث كبير منفصل تماما عن المهرجان الرسمي في كان، وتنظمه نقابة المخرجين الفرنسيين.
سر الاهتمام الكبير الذي تبدى أيضا في التنويه بالفيلم من جانب إحدى لجان التحكيم في "كان" أنه يتغلغل في حياة مجموعات بشرية متنوعة (إذا جاز التعبير) داخل إسرائيل ويحاول رصد التناقضات الكامنة فيما بينها والتي يمكن أن تنفجر في أي لحظة.
هناك شخصيات من البدو العرب أو الفلسطينيين، ومن الفلسطينيين في إسرائيل، القادمين من خارج إسرائيل تسللا، ومن المسيحيين الفلسطينيين، واليهود الإسرائيليين، يجمع بينهم جميعا أنهم يقطنون حي "العجمي" أحد أحياء مدينة يافا، المعروف بانتشار الجريمة وتجارة المخدرات فيه، أو بالأحرى بإيوائه العناصر التي تتعامل مع الجريمة والمخدرات.
أكثر من أربعين دقيقة منذ بداية الفيلم ربما تكون أهم وأفضل ما فيه على الإطلاق، نرى فيها تصويرا مكثفا ودقيقا وباستخدام عشرات الأشخاص من البدو في لقطات قريبة ومشاهد صاخبة بالحركة والشجار والنقاش المتفجر، على طريقة السينما الوثائقية أو منهج "سينما الحقيقة"، وبدون أدنى شعور بوجود الكاميرا التي تنجح في اقتناص الأداء التلقائي الممتد من ممثلين معظمهم من غير المحترفين بل من الأهالي. ولعل التدريبات التي استغرقت عشرة أشهر مع الأشخاص الذي استعين بهم للظهور في هذا الفيلم وراء تلك الدقة الفوتوغرافية في سواء في الصورة أو في الحوار.
والمدخل إلى الموضوع أو بالأحرى إلى هذا الفصل الأول، جريمة قتل بشعة باطلاق الرصاص في عز الظهر، يروح ضحيتها شخص يقطن الحي لكنه لم يكن المقصود بالقتل بل قتل نتيجة خطأ من القاتل الذي كان يستهدف رجلا آخر من العائلة نفسها في إطار الانتقام لمقتل رجل من تلك القبيلة التي انطلقت من عقالها كغول متوحش، تسعى الآن للانتقام، والتي أعلنت الحرب على عائلة المعتدي الأصلي.
وهنا يدخل الشاب "عمر" إلى بؤرة الحدث فهو يسعى لإنقاذ عمه من الموت الذي يترقبه انتقاما، ووقف تلك السلسلة الرهيبة من القتل التي تعتزم قبيلة البدو ارتكابها. ويستقر الأمر على ضرورة دفع مبلغ من المال يصل إلى أكثر من 40 ألف دولار مقابل شطب قرار القتل. ويصبح لا حل أمام عمر سوى الانغماس في بيع المخدرات من أجل تدبير المبلغ.

من جهة أخرى هناك "مالك" المتسلل إلى يافا من غزة، والذي يعمل سرا في مطعم يملكه فلسطيني في العجمي، وهو يرتبط بعلاقة حب مع فتاة مسيحية تعمل معه، دون أي أمل في الزواج بسبب التوتر الذي يمكن أن ينشأ من العلاقة بين مسلم ومسيحية.
وهناك "بينج" (الذي يقوم بدوره اسكندر قبطي) وهو فلسطيني يرتبط بعلاقة حب مع يهودية ويعتزم الفرار معها من "العجمي" لكي يتزوجا. أصدقاؤه يعارضون قراره هذا، ويجد هو نفسه في مأزق عندما يقتل شقيقه يهوديا في مشاجرة بينهما في الحي طعنا بالسكين، ويهرب تاركا وراءه حقيبة من المخدرات.
وهناك ضابط الشرطة الاسرائيلي الذي اختفى شقيقه في ظروف غامضة، غالبا أيضا لعلاقته بعالم المخدرات وهو على استعداد لتجاوز كل القوانين من أجل الوصول إلى شقيقه واستعادته.
هذه الشخصيات التي يقدمها الفيلم من خلال فصول متفرقة لا تلتزم بوحدة الزمان بل بوحدة المكان فقط، يسعى بعد ذلك قبيل النهاية إلى الربط بينها لتقديم صورة لمأزق الوضع الراهن داخل المجتمع الإسرائيلي.
ولكن هل هذا هو حقا "المجتمع الإسرائيل، أو هل يمكن اعتبار "العجمي" صورة مصغرة "ميكروكوزم" لإسرائيل كلها؟
لا أظن أن هذا مقصد الفيلم الأساسي بل إن مقصده هو تصوير استحالة "التعايش" في ظل الأوضاع القائمة، لكنه يبتعد كثيرا عن الجوانب السياسية المباشرة التي تؤكد تلك الاستحالة، ويتجه لإلقاء اللوم على الناس أنفسهم وليس على السياسات، بل ويشعر المتفرج وهو يتابع الـ40 دقيقة الأولى منه أنه يشاهد فيلما "انثروبولوجيا" عن بدو إسرائيل العرب المنغمسين في الثأر وعمليات القتل بدون رحمة، والابتزاز من أجل الحصول على المال، وكيف يناقشون بالتفصيل موضوع "الفدية" بدم بارد، بينما يبدو القتل عندهم أمر طبيعي يرتكبونه دون أدنى شعور بالشفقة، والشيء الوحيد الذي يمكنه وقف القتل هو المال.
من الناحية السياسية إذن هناك "انحراف" مقصود عن التوجه السياسي الرئيسي الذي يغذي العنصرية والصراع والتوتر بين الجيران داخل الحي الواحد، بل ينحى باللائمة على النمط المتخلف في العلاقات بين الطوائف نفسها، وهو ما قد يكون صحيحا إلا أنه ليس المسؤول عن تلك الحالة العصابية التي أصابت الجميع داخل ذلك المجتمع المصغر.
من الناحية الأخرى، الدرامية، لا ينجح الفيلم في جذب المتفرج بسبب افتقاده للحبكة أو للعلاقة الواضحة بين الشخصيات والأحداث من البداية، فهذه العلاقة لا نصل إليها، سوى في المشاهد الأخيرة من الفيلم، وبصورة ليست متماسكة، وفي سياق مترهل يسقط إيقاعه في الرتابة والبطء، ويعاني من الثرثرة.
وهناك أيضا الكثير من الاستطرادات التي يغري بها التوغل داخل تلك المجتمعات (البدو بشكل خاص)، والتكرار، والاهتمام بالجانب التوثيقي أو الوثائقي على حساب الجانب الدرامي، وهو ما يجعل الفيلم رغم قوة تصويره، نسيجا غير مترابط، يمكن اقتطاع نحو نحو نصف ساعة منه دون أن نفقد شيئا بل ربما يصبح أكثر انضباطا، إذا أراد صانعوه له أن يصل للمتفرج دون أن يرهقه، خاصة وأن مصير فيلم كهذا سيكون على الأغلب، العرض على شاشات التليفزيون الأوروبية والأمريكية.
((تحذير: جميع الحقوق محفوظة))

عودة إلى موضوع النشر الالكتروني

* كنت قد نشرت من قبل رسالة من الصديق "سامي" من داخل الأرض المحت يقدم فيها بعض الاقتراحات الخاصة بنشر الكتب الكترونيا، وقد رددت عليه وقتذاك بما أعلم وأبديت خشيتي من القرصنة السريعة، وها هو لاييأس من إمكانية إقناعي وإقناع غيري بالطبع، بأن هذه الوسيلة قد تكون الأكثر فعالية من الكتب الورقية. الجدال حول هذه المسألة لاشك أنه يفتح الباب واسعا أمام آفاق جديدة، وهو موضوع يمكننا بلا شك أن نستفيد منه ويستفيد منه من يهمه الأمر.. وها هي رسالة "سامي" صاحب المنطق القوي الذي أعجبني قوله إنه لا يحب أن يبدأ شيئا دون أن يستكمله. وإليكم رسالته وفي انتظار مزيد من التعليقات التي تثري الحوار في الموضوع.
*"أعلم أنك لن تغير رأيك ورسالتي هذه ليست لإقناعك لكنن من الذين لا يستطيعون السكوت رغم انتهاء النقاش إلا إذا قالوا كل ما عندهم لذا سأقول كلمتي و"أفضفض" ثم سأتوقف عن إزعاجك في هذا الموضوع:
أنت صادق أن لا مانع من تناقل الملف في الإنترنت إذا تم نشره إلكترونيا ولكن هذا الامر صحيح على الكتب الورقية أيضا فاليوم ببعض الجهد البسيط يمكن مسح الكتاب وتحويله إلى ملف بي دي إف.. الكثير من الكتب تمر بهذه العملية والبحث عنها سهل جدا إذ يكفي أن تبحث في غوغل عن "تحميل الكتاب الفلاني" فتظهر لك النتائج.. أغلب الكتب العربية التي يمكن تحميلها من الإنترنت مصدرها كتب ورقية تم مسحها.. عمليا المرة الوحيدة التي صادفت ملف بي دي إف مصدره ليس مسح كتاب ورقي كان في موقع "كتاب في جريدة" الجديد حيث جميع الكتب متوفرة (من الناشر وبموافقته)
برأيي وجود الكتاب على الإنترنت لا يعني بالضرورة أنه سينتشر بشكل غير قانوني فلقوانين العرض والطلب تأثيرها هنا أيضا غالبية الكتب التي يتم تناقلها بشكل غير قانوني هي "الكتب الجماهيرية" أي كتب يشاع عنها أنها جريئة أو روايات رائجة... إلخ الكتاب الذي ذكرته في ردك علي قمت بالبحث عنه وتحميله ويبدو لي أنه تم مسح النسخة الورقية منه (بسبب أن الكتاب عبارة عن صور لنص وليس نصا مثلما يحدث للكتب التي تنقل من الوورد إلى بي دي إف) ويبدو لي بعد اطلاع سريع، أنه انتشر لأنه يتطرق للجنس.. إلخ. سأضرب لك مثالا في الماضي كان هنالك على موقع "عجيب" (تابع لشركة صخر) نصوص مؤلفات نشرها مشروع كتاب في جريدة (صخر كانت إحدى الشركات التي دعمت المشروع) وقد استمر نشرها لأربع سنين على الأقل وبعد خروج صخر من المشروع حذفت هذه المؤلفات من موقعهم.. لم أر أبدا سرقة نص أحد المؤلفات التي كانت منشورة (مثلا مملكة الغرباء لإلياس خوري أو مختارات المتنبي أو مختارات زكريا تامر إلخ...) والنصوص الوحيدة التي ربما كان مصدرها موقع "عجيب" هي رواية "المتشائل" لإميل حبيبي، لأن المؤلفات الأولى غير معروفة لدي "العامة" بينما المتشائل استطاعت (بسبب تناولها السياسة) أن تشتهر. لا أقلل من أهمية باقي المؤلفات.
الكتب الورقية أيضا ما إن تنشر حتى يتم نسخها وبيع نسخ مزورة منها، ولم أر احدا يمتنع عن النشر لهذا السبب. الفرق أن النشر في الإنترنت يقوم به في الغالب هواة، وهم لا يفعلون ذلك لهدف الربح بل ربما ليزيدوا من انتشار كتب أحبوها (جاهلين ما تسببه أفعالهم من خسارة للمؤلف وتأثيرها على "خصبه" المسقبلي) بينما مزوري الكتب لا يبغون سوى الربح.
هنالك عدة وسائل للحماية إحداها (وهي موجودة في الموقع الذي أشرت إليه في السابق) هي أن يتم وسم كل صفحات الكتاب بتفاصيل من قام بتحميل الكتاب منهم. أما الثانية فهي استخدام ما يسمى بالدي أر إم وهي وسيلة حماية تتيح للمستخدم استخدام الكتاب على حاسوب واحد فقط (فلا يستطيع نقله إلى آخر حتى لو كان ملكه) ولا يستطيع الطباعة الخ... هذه الوسيلة تقيّد من حرية القارئ وأنا لا أحبها.
في نهاية الأمر أنت قلت سابقا أنك لم تر عوائد مالية من الناشرين في مؤلفات سابقة وقمت بطبع النسخة الثانية من كتابك على نفقتك (ولا أظنك ربحت من ذلك). أنت صادق هنالك ترد ثقافي لدى العرب الخ... وهم مستعدون لدفع المال من أجل وجبة في ماكدونالدز يشبعون بها نهمهم دون أن يتذمروا من غلاء ثمن وجبة زائلة بعد ساعات لكنهم لن يقبلوا بأن يدفعوا المال لشراء كتاب يحوي غذاء لروحهم ويبقى إلى الأبد.
برأيي إن كان لا بد من خيارين "أحلاهما مر" فأنا أفضل أن يسرق "المذموم بفعلته" زهرتي على أن يسرق من يدعى الباسل الخطر حقلي".
تعليق أخير على الرسالة. يمكنني بالطبع أن أغير رأيي، وقد غيرته بالفعل، فليست هناك اختيارات نهائية في مثل هذه الأمور، وسأفكر جديا في نشر كتاب بهذه الطريقة وربما ألجأ إليك للمساعدة، ليس في التنضيد الاحترافي لأنني أجيد هذه الناحية بل في جوانب أخرى. انتظر قليلا فقط.

الجمعة، 12 يونيو، 2009

عن هذا الصحفي اللص

استمرارا لمناقشة موضوع السطو على المقالات من قبل بعض لصوص الانترنت تلقيت الرسالة التالية من الزميل الناقد اللبناني هوفيك حبشيان:
منذ فترة ليست ببعيدة وأنا أدخل الى مدونتك واطالع ما تكتبه يوماً بعد يوم. أمس وقعت على مقالك عن هذا اللص الظريف الذي يعتقد ان لا أحد يقرأ ولا أحد يراقب، علماً بأن صحافة العالم كله بتنا نمسكها في راحة يدنا. والحق أن هذا الموضوع (الحقوق الأدبية) يهمني كثيراً، وسبق أن واجهته خلال إدارتي، لصفحة يومية عن الفنون البصرية، اذ كانت ترسل لي مواد من مكتب مصر، أجدها لاحقاً في توقيع أسماء أخرى على شبكة الانترنت. وحين سألت أحدهم عن "سرقته" الواضحة والصريحة (والغبية، لأنه لم يكلف نفسه عناء تغيير العنوان) فكان رده: "إنه مجرد توارد أفكار بيني وبين الكاتب الآخر"!
في أي حال، انا مسرور لتطرقك لهذه المسألة الحساسة، لأن هذه المهنة في هذه المنطقة العربية صارت "بهدلة" وغير جديرة بالاحترام (أحياناً أخجل ان اقول إنني صحافي)، جراء ما يكتب ويناقش من قضايا متخلفة لا تمت بصلة الى هذا الفن البهي. فما بالك اذا كان الصحافي يتحول الى نصاب يسرق أفكار الآخرين ويقبض بدلاً ماديا عنها!

أما بالنسبة للص الظريف، فاعتقد انني أول من أكتشف هذه الـ"ميني" فضيحة. فأنا وهذا اللص "صديقان" على الفايسبوك، وحين قرأت "مقاله" المطعم بفقرات من مقالك، سألته: اين شاهدت هذا الفيلم؟ فلم يرد. ثم رأيت أنه يتلقى الإطراءات من الآخرين على مقاله، فوضعت رابط مقالك تحت مقاله. ولم يكلف نفسه عناء إلغاء الرابط. في لبنان نقول لهذا الصنف من اللصوص "على عينك يا تاجر". ولعل أكثر ما يزعجني في هذه المسألة هو أن يعطي أحدهم رأياً في فيلم لم يشاهده، وهذه أيضاً قمة اللصوصية.
مع مودتي
هوفيك
* جزيل الشكر على اهتمام الزميل هوفيك بالموضوع ومبادرته الإيجابية بالتعليق عليه فنحن ينبغي أن نقف جميعا معا في وجه هؤلاء الأدعياء وإلا سيأتي يوم قريب جدا تطرد فيه العملة المزيفة العملة الصحيحة الحقيقية، وربما نصبح نحن المتهمين بالسرقة والنقل لأننا لا ندافع عن حقوقنا الفكرية ونتصدى كما ينبغي بكل الوسائل بما فيها الفضح والتشهير علانية بهم لأنهم لصوص جريمتهم مثبتة لا يمكنهم الادعاء بأننا نشهر بهم بل هم الذين وضعوا أنفسهم في هذا الموضع.
عزيزي هوفيك: أنت تصفه باللص الظريف وأفهم أن هذا نوع من السخرية بالطبع، ولكن ربما يكون الأنسب أن نصفه أيضا باللص الغبي لأنه يسرق ويتباهى على الفايسبوك بأنه لص. ولا يكلف نفسه عناء رفع الرابط إلى مقالي كما ذكرت أنت. ونحن بالتضامن معا الذين جعلنا فضيحته "على عينك ياتاجر"!
============================================= ==
* الصديق المخرج والناقد أحمد عاطف، بعث تعليقا على موضوع الصحفي اللص المدعو سلامة عبد الحميد يقول إنه سعيد بما فعلت من فضحه لأنه شخصيا تعرض من قبل لفبركة حوار معه نشر فى جريدة "البديل" من طرف اللص نفسه، وقال إنه أعلن على المسرح بسينما جود نيوز اثناء تقديم فيلم "الغابة" فى مهرجان القاهرة أنه لم يجر أى حوار مع "البديل"وكان ذلك فى حضور رئيس تحرير "البديل" السابق د. محمد السيد سعيد بصالة العرض و الذى وعد بوقف ذلك اللص لكنه مرض بعده ذلك وترك "البديل"، بالإضافة الى ان هذا الشخص يعمل فى شركة ترويج إعلانى لحساب منتج معين للأفلام يروج لأفلامه عن طريق ما ينشره في وكالة الأنباء الالمانية من أخبار. ويقول أحمد عاطف إن هذا اللص "فضائحه كثيرة".

=============================================
* رسالة من الصديق الدكتور وليد سيف الناقد وكاتب السيناريو المعروف يقول فيها "أحييك على حرصك على شرف المهنة.. وغيرتك على قلمك.. وأنت بهذا تقدم درسا فى حماية الحقوق وعدم الإستسلام لكل أشكال القرصنة والإحتلال .. وإلى لقاء دائم مع مقالاتك الرائعة".كل الشكر للدكتور وليد. وسأوالي نشر مقالاتي النقدية وأقلب صفحة الصحفي اللص بعد أن تحقق الغرض منها.
=============================================
* رسالة من قاريء يتساءل فيها بنوع من الإشفاق على اللص لماذا هذا العقاب القاسي والتعامل العنيف معه وكان يمكني أن اكسبه؟

* ردي على رسالة ذلك القاريء الذي لم يكتب إسمه وفضل البقاء مجهولا أن هذا الرد "القاسي" من جانبي على ما قام به اللص (وأرجو بالفعل أن يكون قاسيا بما فيه الكفاية) له أسبابه بكل تأكيد: ومنها أن هذا الصحفي اللص سبق أن سطا على مقال لي ونشره في "البديل" ولما واجهناه بفعلته بعث رسالة يتعهد بأنه لن يفعلها مرة أخرى لكنه عاد وفعلها. وعاد بعد أن نشرت أنا أول موضوع لي في "البديل" لكي يستخدم وجوده في الجريدة فكتب تعليقا فظا يعكس وقاحته وقلة أدبه على مقالي بطريقة فيها إساءة وسب، ولم يوقع التعليق الذي نشر على الانترنت في اطار تعليقات القراء، فأرسلت أقول له إنني أعرف أنه وراء التعليق البذيء وأنذرته بالتوقف عن مثل هذه الأفعال، فعاد ليكتب تعليقا آخر كله بذاءة، وزاد فوقعه باسمه وكأنه يقول لي إنه شجاع لا يخشى شيئا، فأرسلت لرئيس التحرير لكي يضع حدا لهذه المهزلة، فحذف التعليقات المسيئة لكنه لم يتخذ معه أي إجراء بل على العكس، منحه صلاحيات أكبر لأن رئيس التحرير الذي خلف الدكتور محمد السيد سعيد كان من أقاربه كما قيل لي. ورغم شكوى معظم الصحفيين الذين أعرفهم في "البديل" من سلوكياته المنحطة منحه رئيس التحرير إياه مهمة الإشراف على صفحتين في تلك الجريدة (حولها صاحبنا هذا إلى ما يشبه الكباريه) فيما ثقافة هذا اللص لا تزيد عن نوع من الفهلوة التي تجعله يطلب ممن يجري معهم المقابلات تمهيدا لإعداد تحقيقات صحفية أن يكتب كل منهم 300 كلمة يستخدمها في تحقيقاته (على الجاهز) لأنه لا يستطيع حتى صياغة ما تدلي به الشخصيات العامة من أحاديث، وعندما لا يجد شيئا فإنه يخترع مواضيع تافهة مثل "هل تلخيص قصص الأفلام عن طريق النقاد يحرق نهايات الأفلام أمام المشاهدين"، وقد أرسل ذات مرة يطلب رأيي في هذا الموضوع الخطير جدا، فلما قلت له إنني أرفض المشاركة في تحقيق كهذا لأنه لا توجد قضية حقيقية للمناقشة، نشر على لساني أنني أثني على جهوده في "النقد السينمائي".. فهل هناك احتيال أكثر من هذا. وقد عاد الآن ففعل ما فعل بعد أن سطا على روح مقالي وجوهره ونص كلماته أيضا فيما اقتبسه من فقرات وهو لم يشاهد الفيلم، وبدلا من الندم والاعتذار بعث يقول لي إنه لم يسرق، وإنه ليس ناقدا وإنما هو صحفي "نقل" عني.. وهذا أغرب ما يمكن أن يسمعه إنسان في العالم.. فمن أذن لك بالنقل، ولماذا إذن لم تذكر في مقالك أنك لم تشاهد الفيلم وإنما استعنت بما كتبه ناقد معين عنه.
وقد لقي موقفي من ذلك اللص والطريقة التي تعاملت بها معه ترحيبا على نطاق واسع من الأصدقاء الذين أعتز بصداقتهم وأحترمهم. ولعل في هذا عبرة لغيره من الصحفيين المبتدئين الذين يتعين عليهم أن يبذلوا جهدا أكبر في المعرفة والثقافة، وألا يطرقوا الطريق السهل في الحصول على "الرزق". ولعل النصيحة أخيرا تنفع.

الخميس، 11 يونيو، 2009

في الطريق إلى مهرجان روما للخيال ومهرجان فينيسيا السينمائي

دار كونسيالزيوني للعرض (المبنى الكائن على اليمين داخل الصورة)

الدورة الثالثة من مهرجان روما للخيال
الدورة الثالثة لمهرجان روما للتليفزيون المعروف بمهرجان روما للخيال Roma FictionFest الذي يعد أحد أكبر المهرجانات في العالم للأفلام الدرامية والوثائقية والمسلسلات التليفزيونية ستقام في الفترة من 6 إلى 11 يوليو في العاصمة الإيطالية. هذا المهرجان عادة ما يعرض كل الأعمال الدرامية وغير الدرامية التي تنتج للتليفزيون بما في ذلك المصورة على شرائط سينمائية.
وتقسم هذه الأعمال على عدة أقسام داخل وخارج المسابقة منها الأفلام الروائية الطويلة، والمسلسلات القصيرة (6- 10 حلقات)، والمسلسلات الطويلة، والأفلام الوثائقية الطويلة.
المهرجان يقام نتيجة جهود مشتركة بين الاتحاد الإيطالي لمنتجي التليفزيون والغرفة التجارية في روما. وينظم المهرجان مسابقة خاصة للأعمال الدرامية الإيطالية، كما يعرض الكثير من الأفلام الروائية والتسجيلية في أقسام خاصة خارج المسابقة تشمل أيضا الاحتفاء بشخصية أو برامج الاستعادة retrospective أي عروض الأفلام التي أخرجها مخرج ما أو التي تنتمي إلى مدرسة واحدة على طريقة عروض ما يسمي بـ"الريبورتوار" في المسرح.
وتتكون لجان التحكيم فيه من المتطوعين من الجمهور من داخل وخارج إيطاليا الذين يتم اختيارهم مسبقا من بين مئات المتقدمين، ويرأس كل لجنة أحد خبراء صناعة التليفزيون.
ومشاهدة الأعمال المعروضة في المهرجان مفتوحة مجانا للجمهور الإيطالي، وتعرض الأفلام في مجتمع سينما "أدريانو" في قلب روما قرب الفاتيكان الذي يضم 10 قاعات، كما تعرض الأعمال المختارة قبل العرض العام في Conciliazione auditorium التي تعد من أفخم دور العرض في العالم، وهي أساسا دار للاستماع الموسيقي تابعة للفاتيكان، وتضم 1763 مقعدا على مساحة 1535 مترا مربعا.
تشارك في مسابقات المهرجان في الدورة الجديدة أعمال درامية ووثائقية من إيطاليا وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة واليونان واستراليا وكندا واسبانيا وجنوب افريقيا ومصر وأوكرانيا والأرجنتين.
=======================================================
فيلم جديد لتورناتوري في افتتاح مهرجان فينيسيا الـ66


للمرة الأولى منذ نحو عشرين عاما سيفتتح مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي في دورته الـ66 (2- 12 سبمتبر) ، بفيلم إيطالي جديد هو فيلم المخرج الشيهر جيوسيبي تورناتوري (مخرج "سينما باراديزو" و"مكتشف المواهب"). وسيعرض الفيلم مساء الثاني من سبتمبر في الافتتاح وداخل مسابقة المهرجان متنافسا على جائزة الأسد الذهبي. وهذا أول إعلان رسمي عن أي فيلم من أفلام المهرجان الذي يعد أعرق مهرجانات السينما في العالم، في الدورة الجديدة وهي السادسة والستين هذا العام رغم أن عمر المهرجان الحقيقي يصل حاليا إلى 77 عاما. وكان قد أعلن فقط أن المهرجان سيمنح جائزة تكريم خاصة (أسد ذهبي) إلى فنان أفلام الرسوم جون لاسيتر ومديري شركة "باكستر" التي تميزا أخيرا في إنتاج هذا النوع من الأفلام ونجحت في إعادة إحيائه، وهي بالمناسبة الشركة التي أنتجت فيلم الرسوم "إلى أعلى" الذي عرض في افتتاح مهرجان كان الأخير.
الفيلم الجديد للمخرج الشهير بعنوان "باريا" Baaria وهو يقول إن هذه الكلمة تشير إلى صوت قديم، بمثابة وصفة سحرية أو مفتاح يفتح الأبواب الصدئة القديمة المغلقة ويكشف عما بالداخل حيث "يختفي معنى أكثر أفلامي ذاتية" حسبما يقول تورناتوري. ويصور الفيلم قصة حب تمتليء بالأحلام المثالية في سياق أقرب إلى الأسطورة ويمتليء بالبطولة. ويقول تورناتوري إن "باريا" أيضا اسم بلدة في صقلية يعيش فيها الناس ملتصقين إلى جوار بعضهم البعض في بيوت تتراص عبر الشوارع الضيقة. يشارك في الفيلم حشد كبير من نجوم السينما الايطالية.

لقطة من فيلم "باريا" لتورناتوري

((تحذير: جميع الحقوق محفوظة))

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com