الأربعاء، 15 أبريل، 2009

"سميرة في الضيعة": الجنس في الغرب فقط!

ضجة كبيرة أثارها ظهور الفيلم المغربي "سميرة في الضيعة" للمخرج لطيف الحلو، منذ بدء عروضه في المغرب محققا اقبالا جماهيريا كبيرا. والسبب يعود إلى أن الفيلم يتناول "تابو" الجنس المستقر عميقا في الضمير العربي، وإن لم يكن في التراث العربي الذي يتضمن أكثر أنواع "الخيال الجنسي" إيغالا في الحسية والتصوير الحسي.
الفيلم الذي كتب له السيناريو ابراهيم هاني وأخرجه لطيف الحلو، يقوم على البناء الدرامي التقليدي (الأرسطي) أي يعتمد على وحدة الزمان والمكان والحدث، كما يتضمن بداية وذروة ونهاية، ويدور بين عدد محدود من الشخصيات هي هنا، مرة أخرى، الزوج والزوجة والعشيق: أي الثلاثي الشائع في الدراما الغربية لعقود.
الزوجة هي سميرة (سناء موزيان) إبنة الأسرة الفقيرة من الدار البيضاء التي ترغب في الزواج لكي تتحرر كما تظن من قيد الأسرة، والزوج هو إدريس (محمد خوبي) في الخمسينيات من عمره، وصاحب الضيعة والأرض الزراعية التي يسخر في العمل فيها عددا من المزارعين والعمال، والعشيق الذي سيكون، هو فاروق (يوسف بريطل) ابن شقيقة ادريس، وهو شاب يتمتع بالقوة والوسامة، يستقدمه الزوج لكي يساعد زوجته في كل ما يتعلق بأشغال المنزل.
سميرة تتزوج وتغادر المدينة إلى الريف، وبينما تتصور هي أنها تترك عالمها المغلق المقيد إلى حيث الحرية، تصبح الضيعة بمثابة السجن، سجن الحياة العقيمة الجافة التي تخلو من كل ود وحب، والأهم، من الإشباع الجنسي والارتواء الجسدي.
الزوج لا يشغل باله إلا أمران فقط: محصول الأرض ووالده المقعد العاجز. ويتعين على سميرة أن ترعى الوالد المشلول، وتعاني من أجل ذلك كثيرا، وهنا يأتي دور فاروق، الذي يبدأ في القيام بكل أعمال المنزل، بل إنه يقوم أيضا بطهي الطعام فيتحول من مجرد مساعد إلى شخص يهيمن على الأمور داخل البيت.
إدريس الزوج المشغول البال بأمور زراعته وتجارته عاجز جنسيا من البداية بل إنه لا يحاول حتى مجرد المحاولة الاقتراب من زوجته المثيرة جسديا التي تلجأ إلى كل ما تستطيع من وسائل لاثارته ولكن دون جدوى.
ويقع المحظور بالطبع، فتقيم سميرة علاقة جنسية عنيفة مع فاروق الذي يبدو في البداية مترددا قبل أن يستسلم للإغواء الذي لا يقاوم.
الزوج العاجز الذي يدرك عجزه، ويدرك أنه أتى بفتاة فقيرة اشتراها كزوجة- جارية- خادمة ،تسهر على خدمة والده أساسا، وسترا للمظهر الاجتماعي التقليدي في الريف، يبدأ في الشك فيما يمكن أن يحدث أثناء غيابه في العمل.. ثم يتيقن من وقوع المحظور، فيقوم بطرد فاروق من المنزل رغم بكاء الزوجة واستعطافها له أن يتركه، فهي تعرف أن خروجه من المنزل يعني الحكم عليها بالوحدة الأبدية داخل الجدران الأربعة للمكان المعزول.
الفيلم كما أشرت، يقوم على الصراع الدرامي التقليدي الذي يتجسد بشكل مباشر وليس من خلال إيحاءات أو رموز كثيرة. هناك فقط الحذاء المدبب اللامع الذي تشتريه سميرة لفاروق عندما تذهب إلى المدينة للتسوق وتعود لتهيديه إياه لكنه لا يرتديه بل يحتفظ به داخل دولابه الخاص، إلى أن يعثر عليه الزوج المتشكك فيكون رمزا لوقوع المحظور بين فاروق وسميرة.
ولكي يكسر وتيرة الإيقاع البطيء لفيلمه يلجأ لطيف الحلو من خلال المونتاج إلى استخدام "الفلاش باك" أو مشاهد العودة إلى الماضي التي نرى من خلالها كيف كانت سميرة تقيم علاقة جسدية كاملة مع شاب تحبه وترغب في الزواج منه لكنه يرفض أن يتزوجها رغم إلحاحها عليه، وهي مشاهد لا أرى إلا مغزى واحدا لها في سياق الفيلم، فهو يريد أن يقول لنا إن سميرة ضحية للرجل في كلتا الحالتين، سواء كان صحيحا أم عاجزا في إشارة إلى تخلف النظرة الذكورية للمرأة عموما في المجتمع الشرقي، فالذي يقيم علاقة عاطفية بما فيها الجنس يرفض الزواج من الفتاة التي أقام معها تلك العلاقة، والزوج العاجز جنسيا يرفض تطليق زوجته وإطلاق سراحها حتى تجد رجلا آخر يتزوجها، بل يعتبرها من ممتلكاته الخاصة التي لا يجوز التفريط فيها، وإلا أصبح الأمر نوعا من "العار"، وهي بالطبع نظرة إقطاعية ترتبط بقيم عتيقة، لا أظن أنها منتشرة على نطاق واسع في مجتمع المغرب حاليا.
هناك سيطرة لا شك فيها على الممثلين الذين يبدو أداؤهم جميعا في أحسن مستوياته، وهناك اختيار جيد لأماكن التصوير، وسيطرة على المشاهد، واحكام في التنفيذ بعيدا عن كل "شطحات" الإخراج السائدة في الكثير من الأفلام المغربية. لكن هناك أيضا نوع ما من الشعور بغرابة ما في سياق الأحداث والشخصيات رغم أنها ترتدي ملابس مغربية وتتحرك في ديكورات طبيعية مغربية وتتحدث باللغة العربية وباللهجة المغربية، هذا الإحساس بالغرابة قد يكون نابعا من استلهام موضوع الفيلم من بيئة أخرى، قد تكون اسبانية مثلا، فهو يذكرني بالفيلم الاسباني (القطالوني) البديع "السنيورة"La senyora (إخراج جوردي كادينا- 1987) وهو أيضا عن موضوعة القهر الجنسي كمرادف للقهر الاجتماعي، ويتضمن تحديدا ثلاثة شخصيات هي: الزوج (وهو عجوز منفر عاجز يتقزز من الجنس) والزوجة الحسناء التي تتفجر بالأنوثة، والخادم الوسيم). وكانت أحداث ذلك الفيلم تدور أيضا في ضيعة بالريف الإسباني، ويحتوي على الكثير من المشاهد الصريحة في الأداء الجنسي.
هنا مع فيلم "سميرة في الضيعة" قامت الضجة الكبرى في الإعلام الذي يبحث عن أي شيء مثير، بسبب كون هذا الفيلم يصور فكرة العجز الجنسي عند الرجل والرغبة الجنسية عند المرأة، ويصور مشاهد للزوجة وهي تمارس ما يعرف بـ"العادة السرية" (وهي تسمية خاطئة علميا على أي حال)، وأخرى للعلاقة الجنسية بين فاروق وسميرة وإن كنت أرى أن تلك المشاهد صورت من جانب لطيف الحلو على استحياء شديد وراعت عدم خدش حياء الجمهور في المغرب وفي العالم العربي عموما، الذي لا يمانع من مشاهدة مشاهد العري والجنس في الأفلام الأجنبية، بينما تصدمه مشاهد أقل حدة في الأفلام العربية، فاللحم الأجنبي "حلال" أو مستباح لنا لمشاهدته، أما نحن فالجنس في حياتنا مستور ومحجوب ووراء الستار ولا يجب أن نتكلم عن مشاكلنا الجنسية ولا هواجسنا ولا نعبر عنها بأي شكل من الأشكال، في القصيدة واللوحة والسينما والرواية وإلا أصبحنا من الهراطقة، بل وكثيرا ما نتظاهر أيضا بأن الجنس "لا وجود له".. إلا في الغرب بالطبع!

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com