الخميس، 9 أبريل، 2009

"خلطة فوزية": إطلالة على سحر الدنيا من داخل الهامش

يبدو فيلم "خلطة فوزية" للمخرج مجدي أحمد علي متميزا كثيرا بلغته التي تقترب من عالم السينما الفنية، رغم أنه مصنوع في إطار السينما السائدة، فمجدي أحمد علي يطور في إطار ما هو سائد، ويلعب، بقدر ما تسمح به شروط السوق، في المساحة الواقعة بين السينما الشعبية والسينما الفنية، وطبيعة موضوعات أفلامه قد تفرض عليه احيانا بعض الأنماط في الأداء التمثيلي أو القوالب التي يقصد من وراءها عادة الإضحاك أو التأثير الكوميدي الخفيف، وهو ما يبدو وقد أصبح أحد شروط هذه السوق السينمائية بتضاريسها القاسية.
ولعل أهم ما يميز الفيلم ليس واقعيته في رسم ملامح الشخصية الرئيسية وما يقع لها في حياتها الصاخبة التي تتميز بالجمع بين أزواجها السابقين كل أسبوع، والاعتناء بهم، والاهتمام بأولادها منهم.، بل تعبيره عن الواقع بلغته الخاصة، ومن خلال رؤية للواقع قد لا تحاكي الواقع نفسه بالضرورة.
فوزية المرأة من قاع المجتمع، التي تقطن حيا هامشيا فقيرا وإن كان يتمتع بجمال خاص كونه يقع في بقعة ساحرة تطل مباشرة على النيل، تتزوج رجلا وراء الآخر، وهي تتزوج في لحظة احتياج إنساني ونتيجة لشعورها الدائم ربما بـ"انعدام الآمان" والرغبة في الاحتماء بالرجل، لكنها سرعان ما تكتشف أن الرجل الذي تتشبث بالبقاء في ظله يخذلها، ويفصح عن شخصية أكثر ضعفا منها، بل إنها أقوى كثيرا في الواقع بكل ما تملكه من قدرة على الابتكار (في إعداد وجبة عذائية خاصة تثير الشهية والشعور بالمتعة يطلقون عليها خلطة فوزية بل هي خلطة السعادة) إلى جانب نجاحها في العمل على ترويج منتجها هذا، وتطويره، والعناية أيضا بالأطفال الكثيرين الذين تنجبهم من أزواجها الأربعة الذين تتلاشى أحلامها معهم بالحصول على "الستر" واحدا وراء الآخر، أساسا بسبب خيانتهم لها أو عدم تحقق إحساسها المنشود بالسعادة و"غياب البسمة من البيت".
لكن عند فوزية يجتمع الأزواج الأربعة كل اسبوع لتناول الوجبة المفضلة من يديها، والائتناس معا وزيارة أبنائهم منها، الذين لا تهمل تربيتهم أو العناية بهم جميعا.. إلى أن تلتقي بشاب يصغرها سنا، هو السائق "حودة" الذي سرعان ما يصبح الزوج الخامس والذي يبدو أن زواجها منه سيستمر هذه المرة.
لا أهمية كبيرة لرواية تفاصيل قصة الفيلم، فالأفلام تصنع لكي تُشاهد لا لكي تٌقرأ ملخصاتها، لكن من المهم رصد هذا الخيط الرئيسي في الفيلم لأنه المدخل إلى الموضوع بأسره: حكاية هؤلاء الناس الذين يعيشون على الهامش، يرتبون حياتهم بحيث تتجاور مصائرهم وتتشابك، يملكون القدرة على خلق الإحساس بالسعادة، كما يعرفون كيف يحزنون ويتضامنون معا في المصائب، وصحيح أنهم يخالفون القانون، لكن هذا أولا نتاج لإحساسهم بالظلم الاجتماعي وقسوة الحياة، ورمز في الوقت نفسه للتمرد على السلطة، سلطة الدولة القمعية التي لا تعرف سوى التهديد والوعيد. هنا مثلا يجعل سيناريو الفيلم من فكرة تضامن السكان من أجل بناء حمام عام يليق بإنسانية الإنسان ودون أن يتعرض لتلصص الآخرين حتى عند ممارسة الاحتياج الجسدي الطبيعي بين الزوج والزوجة (كما نرى في مشهد غير مسبوق في السنيما المصرية بين فوزية وحودة) رمزا ما للرغبة في التحرر، في الحصول على المبادرة الفردية دون انتظار لتدخل الدولة، بل إن الدولة ممثلة في القضاء والشرطة، تريد هدم البناء يدعوى أنه يقوم على أرض مملوكة للدولة، وضع الفقراء الهامشيين أيدهم عليها.


ميزة السيناريو
لاشك هنا أن سيناريو هناء عطية يتميز بأجوائه الخاصة الحميمية التي تشع منها عشرات الإسقاطات على ما يجري في الواقع ولكن من خلال رؤية ما "سحرية"، تلمس المألوف مما يجري يوميا في حياة المهمشين، جنبا إلى جنب مع لحظات تأمل في مسار الحياة وهي تفضي إلى الموت. فالموت حاضر في الفيلم بقوة. "سيد" السباك، الزوج الرابع السابق لفوزية يرغب في الزواج من صديقتها "نوسة" (غادة عبد الرازق) وفوزية التي تقيم وزنا كبيرا للصداقة والعِشرة والجيرة بل والتضامن بين النساء، ترحب وتساعد وتذهب بنفسها لكي تشتري للعريس ملابس الزفاف، وتقدم النصائح لصديقتها أيضا في كيفية استمالة الزوج وكسب وده، لكن سيد يلقى نهايته بالموت في موقف عبثي تماما ليلة زفافه عندما يصاب برصاصة طائشة.
والموت الذي يجاور الحياة ويبدو لصيقا بها حاضر بقوة أيضا من خلال شخصية الراقصة العجوز (نجوى فؤاد) التي تتشبث بالحياة بل وتتطلع إلى علاقة عاطفية مع البقال، في الوقت الذي اشترت فيه قبرها، بل وأخذت ترقد فيه لكي ترى ما إذا كان حجمه سيناسب حجم جسدها بعد أن تموت وتدفن هناك، وهي تموت بالفعل بعد قليل، دون أن نشعر بالطابع المأساوي لموتها، بقدر بل نشعر بحتمية مسار الأشياء، هنا يتجاور الحب والموت.. الراقصة كانت قد اشترت بما تبقى معها من مال هاتفا محمولا لكي تتحدث يوميا مع البقال الذي لا يبعد دكانه سوى خطوات عن منزلها. بل إن الفيلم أيضا يصور لنا الكثير من المظاهر الشعبية المرتبطة بالموت مثل تغسيل الميت ودق المسامير في النعش وزيارة المقابر وتوزيع شطائر "الرحمة" على الفقراء وغير ذلك، ومع تجاور مظاهر الحياة مع تقاليد الموت، ففي الطريق أثناء نقل النعش لدفن الميت، تلتقي عربة نقل النعش بسيارة رجال الاطفاء التي يعمل عليها أحد أزواج فوزية السابقين، وتتصاعد الضحكات والتعليقات التي تعكس التشبث بالحياة والسخرية من عبثيتها.
والموت أيضا يتجسد ويتوقف الفيلم أمامه كثيرا من خلال الميتة العبثية الأخرى للإبن المعاق لفوزية الذي يلقى نهايته بعد أن تصدمه سيارة وهو يعبر الطريق بعربة المعاقين.
ومن أجمل مشاهد الفيلم وأكثرها جرأة المشهد الذي يدور بعد العودة من دفن الإبن المعاق، حيث تجلس فوزية في صمت بينما يتناول الجميع الطعام ويضحكون ويتبادلون الحكايات، ومع تصاعد شعورها بالحزن تقلب المائدة وتطرد الجميع وتنفجر فيهم غاضبة بعد أن ظلت تكتم مشاعرها منذ أن تلقت خبر وفاة الإبن. وفي طقس يعود إلى بداية العلاقة بين الإنسان والكون، تتجه نحو شجرة في الفضاء، ترفع رأسها إلى أعلى وتناجي الله، وتساءل لماذا كتب عليها أن تفقد ابنها على هذا النحو!

مفهوم الواقعية
وربما كان من المهم التأكيد هنا على أن محاسبة الفيلم على مقدار واقعيته من حيث ما تتمتع به الشخصية الرئيسية من "صدق" هو مدخل يظلم العمل كثيرا، فالعبرة ليست بمدى مطابقة شخصية "فوزية" للواقع، أو مدى تطابق شخصيات الأزواج السابقين الذين يتقابلون أسبوعيا عندها بل ويتطرقون أحيانا إلى نوع من الإشارات اللفظية الواضحة التي تلمح إلى الجنس والتغزل في قدرات فوزية الخاصة ومفاتنها في هذا المجال، بل بما يكمن وراء تلك "الرؤية" السينمائية الخالصة التي قد تتجاوز كثيرا فكرة مطابقة الشخصيات أو حتى الأحداث لما يوجد بالفعل في قلب الواقع، وبما إذا كانت هذه الرؤية مقنعة وتتمتع بالحرارة سينمائيا، وهو ما يتوفر في الفيلم على نحو يتأكد من خلال اللغة السينمائية المستخدمة وأسلوب الإخراج والمزج بين صراحة الواقع ومباشرته، وبين ما يتولد من الشخصيات من مشاعر تأخذنا بعيدا عن الواقع إلى داخل النفس البشرية بتعقيداتها وعلاقتها بالكون وبالناس، بالحياة وبالحب والموت.
الأسلوب هنا يعتمد على السيناريو المتقن الذي يمنح مساحات كافية لكل شخصية: الأزواج الخمسة، فوزية وصديقتها نوسة والراقصة، والأم، ويجعل هذه الشخصيات تتمتع بالحرارة والحياة، ويضعها في مساحة ما بين الواقع الصلب والخيال السينمائي الجميل. وما المانع، فالسينما ليست فن مطابقة الواقع ولا حتى محاكاته مهما بالغ السينمائي في التوغل في تصوير المشاهد التسجيلية الطابع، كما يفعل مجدي أحمد علي هنا في لقطاته ومشاهده العديدة التي تدور داخل الحي "العشوائي" الشعبي بتفاصيله الحقيقية وديكوراته الطبيعية التي طوعها مصمم الديكور بحيث تصبح صالحة للتصوير مع تمتعها أيضا بجمال خاص رغم مظاهر الفقر الواضحة التي تتبثدى في جنباتها.
السينما تعتمد أساسا، على سينمائي يقدم "رؤيته" الخاصة للواقع وللدنيا والحياة والبشر كما يراها هو (يعبر عنها المؤلف ويجسدها المخرج) ومهما حاول أن يحاكي الواقع فإنه لا يمكنه أبدا مطابقته، لأنه يستخدم أدوات فنية مثل زوايا التصوير والمونتاج وأحجام اللقطات والإيقاع الخاص داخل المشهد الواحد، أو داخل الفيلم ككل.
في هذا الإطار يمكن فهم شخصية فوزية وأزواجها الخمسة، علاقاتها مع صديقاتها وجيرانها ودورها المحوري في المنطقة التي تسكن فيها، وعلاقتنا نحن كمشاهدين للعمل، نتلقى ما نراه ربما "خارجا عن المألوف" أو بعيدا عما نعرفه، غير أن استقبالنا له يعتمد على الصدق في التعبير، في الرؤية، في الأداء والتجسيد مهما بلغ من شطط بعيد عن المألوف.. فهل ما نشاهده في النهاية ممكن الحدوث دراميا أم لا، وما هي قدرة السينمائي وخياله الخاص على التعبير عنه بصدق.

رؤية متفائلة
مجدي يميل بالطبع إلى تغليب رؤية تفاؤلية تشيع بالمرح والتداخل بين الحكايات الشخصية الكثيرة المرتبطة بالشخصيات المتعددة: السباك الذي كان يراقب والده وهو طفل صغير كعامل للعرض السينمائي وولعه بالأفلام والخيال السينمائي ورشدي أباظة، السائق الرومانسي الذي يعرف كيف يقدم الورود لامرأة حتى لو كانت فوزية، والذي لايزال يمكنه أن يتذكر كيف كان يشم رائحة الفانيليا في فتاة صغيرة كان متيما بها قبل عشر سنوات. وهكذا.
ويجتهد مجدي كثيرا في اختيار أماكن التصوير وفي دفع الحركة داخل فيلمه: إنه مثلا يصور مشهد تذكر "حودة" وهو صغير فتاة الفانيليا، على ظهر قارب مع فوزية، ويجعل المشهد ينتهي برقص فوزية في حركة دائرية، وعلى خلفية موسيقية بحيث تساهم الموسيقى والحركة والحوار الشاعري البسيط ونظرات الحزن في عيني فتحي عبد الوهاب في إضفاء طابع غنائي خاص على المشهد.
إنه يستخدم مثلا الحركة الحرة للكاميرا في المشهد الذي يدور بين فوزية والراقصة العجوز، ويصل بالمشهد إلى لحظة شاعرية خاصة تمزج بين الحسي والروحي، وبين الماضي والحاضر، بين الجسد الذي كان (في ذاكرتنا لنجوى فؤاد) والقادم الذي لا محالة منه أي الضمور الجسدي ثم الموت.
وتتصاعد الشاعرية المشبعة بحزن كامن في المشهد الذي تروي فيه نجوى فؤاد، على خلفية لأغنية قديمة، موت طفلها الوحيد وهو بعد رضيع، وكيف ظل الحليب ينساب من ثديها.. وفي لحظة تسليم جميل بالقدر تستطرد قائلة "الحمد لله اللي ساب لي الفردة اللي ناحية القلب" مما يفهم منه أنها مرت بتجربة إزالة صدرها الأيمن بعد اصابتها بسرطان الثدي.. هكذا ببساطة ومن خلال حوار آسر ومقتصد، ولعل مشهد رقصها المشترك مع فوزية من المشاهد الموحية الجميلة التي لا تنسى خاصة وأنه يبدو ملاءما تماما لشخصية نجوى فؤاد نفسها حتى ليبدو وكأنه كتب لها خصيصا.
ويصور المخرج الكثير من مظاهر الاحتفال الجماعي بالحياة: الأفراح وموائد الرحمن التي تقام في شهر رمضان، وصور الإفطار الجماعي على الرصيف، واللقاءات الاسبوعية حول مائدة فوزية، كما يمزج بين الفرح والحزن، والسعادة والشقاء، والمأساة والجرأة الشديدة التي تجعل أهل الحي لا يتوانون حتى عن اختلاس النظر إلى حودة وفوزية وهما يمارسات الجنس داخل الحمام. وينجح أيضا في تجسيد العلاقة الخاصة المليئة بالحب والتمرد بين فوزية ووالدتها التي تُستدرج وراء عواطفها وتتوهم امكانية الحصول على قطرات أخيرة من السعادة لكي تجد نفسها ضحية لاحتيال الرجال، ويصور كيف تسعى فوزية إلى التسرية عن امها بالاغتسال معها داخل الحمام، والأخذ بيدها كما لو كانت الأدوار قد انعكست فأصبحت الإبنة تقوم بدور الأم.
ولاشك أن الفيلم بطابعه الخاص فيلم "أنثوي" تماما بمعنى اهتمامه الكبير بمشاعر المرأة وتناقضات العلاقة بين النساء في الأحياء الشعبية (الشروع في الخيانة الذي يتمثل في رغبة "نوسة" في مقاسمة فوزية زوجها "سيد" ثم محاولتها إغواء حودة الزوج الأخير لفوزية، ورغم ذلك تساعدها فوزية عند زواجها من طليقها الذي ينتهي قبل أن يبدأ بالموت، ثم عندما تتزوج من شاب آخر في النهاية.
ورغم تعامل الفيلم مع شخصياته بحب ونعومة شديدة إلا أنه لا يتجاوز عن رصد الملامح السلبية فيهم: السرقة والاحتيال والكذب والطمع وإهمال الأبناء والتورط في الخيانات أو الشروع فيها.
وكعادته يهتم مجدي أحمد علي كثيرا بشريط الصوت الذي يجعله يعلق من خلال الأغاني الرومانسية التي تنتمي إلى الماضي، على الكثير من الأحداث، أو لإبراز السمات المختلفة للشخصيات (لحن أغنية أهواك مثلا) أو تجسيد التناقض الكامن في الواقع، ويستخدم أيضا الأُغاني الشائعة التي تعكس الذوق السائد (أغاني الأفراح المتدنية)، كما يصل أيضا إلى التعليق المباشر من خلال الصورة في اللقطة التي نرى فيها صورة الرئيس مبارك أعلى خرائب الحي العشوائي فيما اللافتة المكتوبة تقول: "معا نصنع المستقبل"!
مشاهد زائدة
ومع ذلك، يبدو مشهد سيد السباك (عزت أبو عوف) وهو يروي في "مونولوج" عن ماضيه لنوسة (غادة عبد الرازق) ويحدثها عن أمه وأبيه وعن زواجه من فوزية، مشهدا زائدا في الفيلم، كما يبدو أن هناك افراطا في تكرار ظهور شخصية سيد بعد وفاته حينما يتبدى شبحه لفوزية في المواقف العديدة التي تمر بها (وفاة الإبن المعاق، الزواج من حودة.. إلخ) وهو تكرار ربما يكون قد أخل بالإيقاع، كما بدا أنه ليس من المنطقي أن تنسحب فوزية من حفل زفافها بحودة وتتجه شاردة نحو شبح سيد الذي يتبدى لها في صورة رومانسية وهو ويناولها وردة حمراء ويرتدي بذلة أنيقة (بالبابيون أيضا)!
ومن الشخصيات الزائدة في الفيلم وكان يمكن ببساطة الاستغناء عنها لربما أصبح الفيلم اكثر إحكاما، شخصية "ليلى" شقيقة حودة التي تقوم بدورها هالة صدقي، وهي ممرضة فضلت العيش مع المجانين داخل مصحة للأمراض العقلية على صحبة البشر في الحياة العادية التي تراها شديدة القسوة في الخارج.. وهي شخصية زائدة لأنها لا تلعب دورا أساسيا في تطوير رؤية الفيلم أو الإضافة إليها، وبدا أنها كتبت خصيصا لكي تؤديها هالة، أو أنها شخصية ثانوية "أدبية" أغوت الكاتبة بضمها إلى السيناريو. وربما يكون مشهد الفتاة الثرية التي تهبط من سيارة فاخرة في المقابر لوضع الزهور فوق قبر والدها أيضا من المشاهد الزائدة عن الحاجة، والمباشرة في تعبيرها عن التناقض بين تعامل كل من الطبقتين مع الموت.. وهو موضوع تم لمسه بشكل عابر لا يضيف للفيلم.
وربما يبدو أسلوب إخراج المشهد الافتتاحي في الفيلم الذي نعود فيه من خلال "فوتومونتاج" إلى زواج فوزية وطلاقها عدة مرات، مشهدا كاريكاتوريا في الأداء والحركة والأسلوب، ولاشك أنه صنع هكذا بقصد الاضحاك، وتصوير المدخل إلى "الحكاية" بطريقة تبدو "هزلية"، وهو ما يتناقض بالكامل مع الطابع العام الأكثر رصانة للفيلم.
ولعل من أجمل مشاهد الفيلم المشاهد ذات الطابع الايروتيكي التي تدور في الحمام بين فوزية وزوجها الشاب، وإن كانت مقتضيات الرقابة فرضت الاكتفاء بتصويرها من زاوية قريبة حتى تبدو الأجزاء العليا من جسديها فقط في الصورة. ويقترب الحوار في الكثير من المشاهد من مناطق محظورة على صعيد الإيحاءات الجنسية خاصة في الحوارات التي تدور بين النساء (بين فوزية ونوسة مثلا) وهي تتمتع بالمصداقية والحرارة والجرأة معا.
وربما يعاني الفيلم من غياب مساحات كافية للتنفس، للصمت، للتأمل، فتراكمت المشاهد واللقطات وغلب الحوار الطويل على البعض منها، وهو ما دفع مجدي لتنويع زاويا الصورة (كأن يلجأ للتصوير من زاوية عالية دون ضرورة درامية للتغلب على طول الحوارات).


أكثر من نهاية
وربما يكون من عيوب الفيلم أيضا وجود أكثر من نهاية لأحداثه: أكمل أهل المنطقة بناء الحمام بعد أن تضامنوا في شراء قطعة الأرض او حصلوا عليها بالتبرع من صاحبها.. وأكملوا وضع بلاطاته ومتعلقاته وأصبح لهم أخيرا حمام يحمي خصوصيتهم، وتتحرك الكاميرا خارج الحمام من اليمين إلى اليسار، في الفضاء الخارجي ملقية نظرة وداع رصينة على المنظر العام.. للنيل الجميل الحاضر بقوة في الخلفية، ونتخيل أن الفيلم بهذا بلغ نهايته الطبيعية من دون أي حاجة إلى شرح أو تعليق، ولكن مجدي يختار العودة إلى شخصيات الفيلم: الأزواج السابقون وفوزية معهم وتبدأ كل شخصية في الحديث كما لو كانوا يلقون "مونولوجات" فردية على خشبة مسرح، ثم يعيد إلينا لقطة ظهور عزت أبو عوف وهو يلوح بالوردة الحمراء ويضحك بسعادة.. ويختم على لقطة للجميع أمام مرآة الحمام وهم يضحكون بينما تظهر صورتهم مشوهة على سطح المرآة.. دون أن نعرف لماذا التركيز على لقطة بهذا الشكل وماذا تخدم!
هذه النهاية في رأيي تنتقص كثيرا من الفيلم، وتجعلنا نأسف لأن ينتهي عمل كبير فيه كل هذا الجهد هذه النهاية الضعيفة بينما النهاية الرصينة الجميلة الموحية كانت هناك، وكانت ستترك تأثيرا أكبر.. لكنه اختيار المخرج. وهو بالطبع حر في اخياراته.
تأثير مجدي على الممثلين وقدرته على التحكم في أدائهم وضبط ايقاعهم واضح في الفيلم الذي يعد أفضل أفلام الهام شاهين وفتحي عبد الوهاب وغادة عبد الرازق دون شك، بل إن نجوى فؤاد تختتم مسيرتها في السينما بدور سيبقى طويلا في الذاكرة.
ولعل أبرز ما يميز الأداء هو الانسجام التام وروح التعاون الواضحة بين الممثلين، والحماسة الجلية في المشاهد الخارجية التي يلعب فيها المكان دورا واضحا أيضا ويساعد الممثلين على تجسيد أدوارهم بإخلاص كبير دون أي افتعال، باستثناء دور عزت أبو عوف الذي انتزع مساحة أكبر مما تقتضي الأحوال داخل الفيلم، بل وتخرج عن نطاق القدرة على التلاحم مع باقي الشخصيات رغم إجادة أبو عوف لدوره في حدود المطلوب. ولكن مرة أخرى.. هذا اختيار المخرج، وكلنا مسؤول عن اختياراته. أليس كذلك!

((حقوق النشر محفوظة ويحظر تماما إعادة النشر بدون تصريح من الناشر))

5 comments:

Galila يقول...

شكرا يا أستاذ أمير علي هذا التحليل الجميل.. شاهدت الفيلم و أحببته , و لكني توقعت ان يكون
أفضل من هذا. الفيلم في حاجات كتيرة أوي جميلة, و لكن أنا بضم صوتي لما قلته حضرتك عن إنه أحتاج مساحة للتنفس. و انا أعتقد إن السيناريو فيه عيب إنه زحمة أوي..و في رأي المتواضع إن كاتبة السيناريو, هناء عطية, و هي كاتبة القصة الأدبية في الأصل, عندما حولت قصتها لعمل سينمائي فضلت أن لا تستغني عن بعض الأشياء ربما لجمالها , و لكنها لم تكن في صالح الفيلم لأنها لم يكن لها ضرورة درامية. فمثلا شخصية الراقصة نجوي فؤاد, شخصية جميلة جدا , و مشاهدها جميلة, و لكني أري إنها لم تفعل شيء في الدراما. و كان موتها متوقع منذ البداية, و لم تكن مزروعة في الفيلم بشكل جيد, فعلاقتها بفوزية لم تكن مزروعة جيدة, كما إن هناك شبه بينها و بين شخصية ماجدة الخطيب في " يا دنيا يا غرامي" مع فارق إن ماجدة الخطيب دورها كان داخل سياق الفيلم. كذلك أخذ علي الفيلم إنه لم يخلق صراع قوي تدور الأحداث من خلاله و تتطور الشخصيات به, و أعتقد إن هذا جعل الملل يتسرب لي في بعض مناطق الفيلم, لأن مش كفاية نشوف شخصيات حلوة و تمثيل حلو.
و لكن في النهاية أنا بأحترم الفيلم و كل القائمين عليه.

أمير العمري يقول...

السينما الحديثة لا يشترط أن تكون فيها "حبكة" وصراع وينتهي الفيلم بالانفراج، فهذا فيلم جو عام وشخصيات وعلاقات انسانية أساسا، وليس فيلم صراع وحبكة وذروة، ومن هنا أهميته، وأختلف معك بشأن دور نجوى فؤاد أو الراقصة العجوز فهو من أحلى ما في الفيلم، وهذه مسألة تذوق واستقبال، كما أتفق جزئيا معك بشأن تعدد الشخصيات وقد اشرت إلى وجود شخصيات ومشاهد زائدة في الفيلم.

omar manjouneh يقول...

تحياتى أستاذ أمير , لقد شاهدت الفيلم مرتين حتى الأن , واحدة خلال مهرجان القاهرة السينمائى , والأخرى فى دار عرض تجاريا ومازلت غير مقتنع باسلوب البناء الدرامى الذى اعتمدته هناء عطيه ,أقصد أننا نعرف عن الشخصيات الفرعية فقط من خلال أحاديثهم مع شخصيتى العمل الرئيسيين بالاضافة الى شخصية على (الابن) الذى جاء تطور بناءه حتى لحظة وفاته ضعيفا مع بعض التطويل , ربما هذا نابع من أنى أفضل أفلام الشخصيات المتنوعة (على غرار ماجنوليا) وعلى كل يبقى الأمر مجرد وجهة نظر شخصية , أود أن أشير الى الدور الرائع الذى لعبته مدير التصوير (نانسى عبد الفتاح) - تلك الرائعة التى تعرفت اليها على الشاشة لأول مرة من خلال فيلم محمد خان (فى شقة مصر الجديدة) وأتفق مع حضرتك فى موضوع تنويع زوايا التصوير من قبل المخرج للتغلب على الزحام وعلى شخصية هالة صدقى. وفى النهاية أنا أكثر تفاؤلا بفيلم مجدى أحمد على القادم (عصافير النيل) -أتخيل أسلوبه الشاعرى مع شخصية رئيسية ذكورية ...-
وأكرر شكرى لحضرتك أستاذ أمير على المجهود وعلى النشاط التدوينى فى الفترة الأخيرة و اسف على الاطالة.
عمر منجونة

أمير العمري يقول...

إلى الأستاذ عمر منجونة: أولا أشكر لك مبادرتك بالتعليق والحقيقة أن ما أكتبه هنا مطروح للنقاش ولا يوجد هناك رأي نهائي في أي شيء.. وأنا معك في أهمية الصورة والتصوير في الفيلم، كما أن الفيلم بع الكير من الاستطرادات الحوارية كما أشرت، والشخصيات الزائدة، لكنه عموما عمل يعتمد بناء مختلفا ويفيض ببعض المشاعر الجميلة.. عموما أنا سعيد بالتواصل وأرجو أن تكتب لنا بانتظام فيما ترى وتعتقد لأنه يثري المدونة ويثري النقاش حول ما ينشر هنا.

هناء عوني يقول...

الاستاذ امير ..
لم آسف لاني لم اشاهد الفيلم . لانني شاهدته بل و عشت في تفاصيله من خلال لغتك الرشيقة التي رسمت بها تحليل مرئي و مسموع له ..
شكرا جزيلا

هنا

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com