الجمعة، 20 فبراير، 2009

من مخزن الذاكرة: أيام في الدار البيضاء



جمعتنا أيام جميلة في الدار البيضاء (عام 1992) عندما شاركنا في الموسم الثقافي الجميل الذي نظمته كلية الآداب - ابن مسيك بالدر البيضاء حول "السينما والأدب" ووجهت الدعوة وقتها لعدد كبير من السينمائيين البارزين الذين كان لي شرف التواجد معهم، وكذلك النقاد.. نقاد الزمن الصعب من المشرق والمغرب.
وقد حفل الأسبوع بالعروض والمناقشات المثمرة التي دارت داخل مدرج كلية الآداب بالجامعة العريقة. وكان الدكتور محمد برادة أستاذ الأدب، رئيسا للجلسات وقتها. وأتذكر أن منظم الأسبوع كان الصديق الناقد المغربي حمادي كيروم، وكانت تلك المرة الأولى التي نلتقي وقد وجه لي الدعوة للمشاركة بورقة بحثية في المؤتمر وكانت وقتها بعنوان "السينما والأدب وأشكال التعبير: علاقة اقتباس أم استلهام، أمانة أم خيانة؟"، ويمكن القول باختصار أنها كانت دفاعا مسهبا عن "الخيانة" أي عن حق السينمائي في خيانة العمل الأدبي وتطويعه للغتة السينما ولأسلوبه ورؤيته، وكان فيها نوع من "التحيز" للسينما. وقد أثارت وقتها ضجة كبيرة ومناقشات صاخبة ونشرت فيما بعد في صحف مغربية، وأتذكر أنني تلقيت أيضا هجوما شديدا من طرف أحد الطلاب الذي انتفض واقفا بغضب محموم وكان يرتجف من فرط الانفعال وهو يتكلم موجها لي انتقادات شديدة، وكان أساس غضبه أنه شعر بالاستفزاز من كلمة "خيانة" وتصور فيما يبدو أنني أدعو إلى الخيانة الزوجية مثلا، أو إلى الإباحية ربما لأنني ضربت وقتها مثالا بفيلم "العاشقة" الفرنسي الذي كان قد ظهر مؤخرا في فرنسا عن رواية لمرجريت دورا وأثار ضجة كبرى لتجاوزه الرواية كثيرا. وكان الطالب المسكين كما بدا واضحا للجميع مدفوعا بأيديولوجية سلفية أو متشددة كانت لاتزال كامنة إلى حد ما في المغرب في تلك الفترة.
وقد نشر ذلك البحث ضمن كتابي "هموم السينما العربية" الذي صدر في القاهرة ضمن سلسلة "آفاق السينما" وأعتبره أسوأ كتبي على الإطلاق من حيث الإخراج والتنفيذ والطباعة، وإن كان من أكثرها اهتماما من جانب الكثير من المهتمين وطلاب السينما، فقد كنت كلما التقيت بأحد من هؤلاء يذكر الكتاب ويشيد بتأثيره عليه، وكنت أدهش كثيرا لذلك وأعتذر عن رداءة الطباعة خصوصا وأن الصديق كمال رمزي المشرف على السلسلة في تلك الفترة، أصدر معه كتابا ثانيا لي هو "سينما الرؤية الذاتية"، وقال في كلمته التي نشرت على ظهر الغلاف إنه يقدم "في هذا السفر عملين يكشف فيهما المؤلف عن همومه كناقد تجاه السينما العربية والعالمية".. ولم أقتنع بفكرة دمج كتابين منفصلين في كتاب واحد كما لم أقتنع بأنني كتبت "سفرا" أو شيئا من هذا القبيل!
كان الناقد كمال رمزي (الذي يظهر معي في الصورة السفلية (إلى اليسار)، ومع المخرج السينمائي الفلسطيني غالب شعث (أقصى اليمين) والصحفية المغربية أمينة بركات ,والإعلامية المغربية الأستاذة صباح بن داود)، صديقا مقربا في تلك الفترة وما تلاها، ولكن شاءت التغيرات والمتغيرات التي عصفت بكل شيء في مصر أن تغير أيضا الكثير من العلاقات والصداقات، وتصنع علاقات أخرى ربما تقوم على أشياء لا علاقة لها بحبنا القديم المشترك وهو السينما، أو بأحلامنا القديمة في تغيير الدنيا إلى الأفضل بعد أن سقطت الدنيا في المستنقع وسقط معها كثيرون!
كان المخرج غالب شعث، وهو رجل شديد التهذيب والأدب والرقة بل ويمتلك أيضا ثقافة رفيعة وحسا فنيا بليغا، مدعوا إلى المؤتمر- الأسبوع- المهرجان (أظن أن الإخوة في المغرب أطلقوا عليه وقتذاك "ملتقى الرواية والسينما") لعرض ومناقشة تجربة فيلمه الشهير "الظلال في الجانب الآخر" (1973) الذي كان باكورة إنتاج جماعة السينما الجديدة في مصر في عز سنوات الحلم بالتغيير بعد هزيمة 67 العسكرية التي احدثت نوعا من اليقظة بل والثورة الثقافية الشاملة التي كانت، لو قدر لها أن تستمر ولا يتم إجهاض مشروعها في 1971 ثم في 1974 مع إعلان السادات تغيير توجه المجتمع بالكامل وبقرار علوي من فوق، دون أن يملك أحد التصدي له سوى طلاب الجامعات، لكان من الممكن أن تلحق مصر بركب التطور ولا تنزلق وتسقط في غبار الفكر المتصحر المتصلب الجاف القادم من أعماق الصحراء المجاورة جالبا معه أزياءه وأشكاله وسحناته الشيطانية!
كان غالب شعث من أوائل السينمائيين الفلسطينيين الواعدين في مجال السينما الروائية الحقيقية، سينما التعبير باللفتة والحركة والهمسة والعلاقة بين الصور واللقطات، وذلك في وقت سادت فيه (أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات) سينما أخرى فلسطينية تعتمد على الشعارات وعلى أننا اصحاب حق و"عائدون" وكانت تمتلئ بالكثير من التدريبات العسكرية وتخلو من اللمسات الفنية الإنسانية. غير أن هذا المخرج الموهوب بحق امتنع بعد إخراج عمله البارز "الظلال" عن الإخراج السينمائي، وفشلت كل الجهود لدفعه للعودة للإخراج مرة أخرى حتى يومنا هذا. ورغم أنه درس السينما دراسة رفيعة في فيينا في الستينيات، إلا أنه فضل الأعمال التجارية متخذا من القاهرة منذ فيلم "الظلال" مقرا لإقامته حتى يومنا هذا.
كان من بين المدعوين إلى الدار البيضاء أيضا من الذين شاركوا بأوراق ومداخلات مكتوبة المخرج السوري الكبير نبيل المالح وعرض له فيلم "الكومبارس" وقد لقي استقبالا بديعا، وتحدث أيضا على ما أذكر أيضا المخرج الصديق داود عبد السيد الذي عرض له فيلم "الكيت كات" وكان قد ظهر حديثا وكانت تلك المرة الأولى التي أشاهده فيها، فقد جئت من لندن (كالعادة). غير أن رأيي دائما في داود وهو رجل عميق الاطلاع والمعرفة، انه أحد أفضل السينمائيين الذين ظهروا في تاريخ السينما المصرية قاطبة، غير أنه ليس متحدثا جيدا.
جاء وفد كبير من الأدباء والسينمائيين والنقاد من مصر يتقدمه الراحل الكبير صلاح أبو سيف، وكان يرأس الوفد الصديق الراحل أيضا عبد الحميد سعيد مؤسس أرشيف الفيلم المصري الذي لم يكتمل أبدا بسبب معوقات إدارية. وكان هناك الكاتب الكبير صبري موسى متعه الله بالصحة والعافية (صاحب سيناريو فيلم "البوسجي" الشهير الذي أخرجه حسين كمال قبل أن يتحول إلى إخراج الأفلام الرائجة)، وكان المؤتمر يعرض عددا من أفلام صلاح أبو سيف المأخوذة عن أعمال أدبية منها فيلم "بداية ونهاية" و"القاهرة 30". وعرض كذلك أفلاما من تونس والمغرب ولبنان وفلسطين.
أذكر أنه كان من بين المدعوين الصديق المخرج علي بدرخان الذي أخرج الكثير من الأفلام الجيدة التي تعتمد على نصوص أدبية مثل "الكرنك" و"أهل القمة" و"الجوع". وعلي بدرخان طبعا معروف بمقالبه الكثيرة التي يدبرها على سبيل المزاح. وقد حاول أن يجرب معي أحد مقالبه ونحن في الفندق حينما اتصل بي يدعوني للحضور فورا إلى غرفته في الفندق بحجة أن "أمرا مهما من إدارة المهرجان" في انتظاري أو شيئا من هذا القبيل.. لكني على ما يبدو شممت رائحة توحي بوجود مقلب ما في الموضوع، فلم يكن ما ذكره مقنعا تماما، كما أن قدرته على التمثيل لم تقنعني كما تقنعني قدرته على الإخراج. وقد ذهبت إلى الغرفة بالفعل وأنا أتشكك مسبقا في وجود أمر ما مدبر، فوجدت كمال رمزي منفجرا في الضحك ومعه صبري موسى وداود عبد السيد وطبعا علي بدرخان الذي حاول أن يوهمني بجدية الأمر، دون أي جدوى بالطبع.. لا أذكر كيف انتهت الجلسة، لكن على خير طبعا!
كان المرحوم صلاح أبو سيف يصحو مبكرا ويمشي كثيرا قبل أن يتناول طعام الإفطار. وكنا نجلس في المساء نتبادل الروايات والحكايات بعد العشاء في المطعم، وفي العاشرة مساء تماما ينهض صلاح أبو سيف، فقد حل موعد نومه الذي ظل ثابتا طيلة حياته كما قال لي. ولم يكن أبو سيف يدخن أو يقرب الشراب، وقد عاش حياته مع نفس الزوجة مخلصا لها حتى النهاية.. وقد توفي عام 1996 عن 81 عاما ولم يكن يعاني حسب علمي، من أي أمراض بل هو قضاء الله وقدره.
أيام الدار البيضاء كانت بيضاء بحق، وكانت تمتلئ بالحب والدفء والإقبال على الحياة، والرغبة في معانقة الآخر.. ولم نكن قد بلغنا بعد عصر العولمة، أو التدهور والانهيار وفقدان الثقة فيما يحدث حولنا.. ولم تكن الغربة قد اشتدت بنا وامتدت كما هي الآن. أين هذه الأجواء الآن، بل وأين نحن منها، ومن الذي يمكنه أن يجمع هؤلاء معا مرة أخرى، وهل يمكن أصلا أن يجتمعوا بعد كل ما صار!

1 comments:

أحمد يقول...

ذكريات جميلة بحق ، وأظن ان تلك الاجواء الحميمية بين الأدباء والنقاد هي من اسباب تالق السينما والفن بشكل عام في تلك السنوات .
للاسف وكما قلت التدهور الثقافي والإنهيار الأخلاقي جعل من الإنسان يفقد ثقته في من حوله ، واتمنى ان تتعدل الأوضاع قريبا انشاء الله .

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com