الجمعة، 6 فبراير، 2009

هل امتد التأثير الإيراني للسينما الجزائرية؟


الفيلم الإيراني "كن هادئا وعد إلى سبعة" هو الفيلم الروائي الأول لمخرجه راتمين لافافيبور، وهو أيضا أحد الأفلام التي حصلت على تمويل من مشروع "هيوبرت بالس" المخصص لدعم التجارب الطليعية في سينما العالم في إطار مهرجان روتردام السينمائي.
وشأنه شأن معظم أفلام السينما الإيرانية "الجديدة" أي تلك الموجة من الأفلام التي ظهرت في تسعينيات القرن الماضي، يمزج هذا الفيلم بين الروائي والتسجيلي، ويبتعد عن المدينة إلى قرية على الساحل، ويجرد موضوعه بحيث لا تصبح له ملامح إيرانية محددة بل يكتسب بعدا كونيا في المطلق، ويجعل بطله طفلا ينضج على نار التجربة قبل الأوان، وكلها عوامل مشتركة في معظم نتاجات السينما في إيران.
دور الصورة
هذه الملامح التي تعلي بلا أدنى شك، من دور الصورة على حساب الممثل، ومن دور المفردات الشعرية الخالصة على حساب الحبكة، هي أيضا نتاج لمنهج وطريقة المخرج عباس كياروستامي الذي يعد الأب الروحي للسينما الإيرانية الجديدة.
ولكن المحصلة السلبية لهذا الاتجاه أنه لا يعرف كيف يتطور، ولا كيف يخرج من الشكل النمطي المألوف الذي حبس نفسه فيه، ولا كيف يقيم علاقة حقيقية مع جمهوره في الداخل بعيدا عن جمهور المهرجانات السينمائية الدولية (الأوروبية أساسا) من الراغبين دائما في رؤية "المختلف" و"الغريب" و"المثير" exotic و"الغامض" في ثقافة الآخر الذي يعتبر مختلفا حتى بمقاييس الحضارة الحديثة.
خطورة هذه النظرة "الأوروبية" الأبوية للسينما التي تأتي من إيران، أنها تجعل البؤس "الجميل" إذا جاز التعبير، موضوعا في حد ذاته، وهذا تحديدا موضوع هذا الفيلم.
بطل الفيلم طفل لا يتجاوز الحادية عشرة من عمره، يعيش في قرية من قرى الصيادين الفقيرة على الساحل في جنوب إيران.
ومع تدهور أحوال الصيد يتجه سكان القرية إلى كسب عيشهم من التهريب، أوبالأحرى، المساعدة في تهريب البضائع التي تأتي عن طريق البحر في قوارب عديدة تهبط فجأة فيهرع العشرات من سكان القرية، وخصوصا نساؤها اللاتي يغطين وجوههن، لحمل الصناديق التي تحوي السلع ونقلها إلى بيوتهن حين يتم تحميلها فيما بعد على ظهر شاحنة يقودها وكيل المهربين في المنطقة.
الصبي "موتو" يعيش مع والدته وشقيقته، ويبذل كل جهده في العمل لكي يعيل الأسرة بعد أن غاب والده في رحلة صيد ومضت عدة أيام دون أن يرجع.

غير أن "موتو" يملؤه اليقين بأن أباه سيعود، ولكن مع استمرار غياب الأب، وبعد أن تمر سبعة أيام على غيابه يريد موتو أن ينتقل إلى الجانب الآخر من البحر لكي يتحقق من الأمر: هل مات والده، فهناك يمكن رؤية جثث الغرقى الذين يلقي بهم البحر.
لكن الحياة ليست سهلة، فتدريجيا ينغمس موتو في مساعدة المهربين، بل ويعرض أن يقوم أيضا بتهريب البشر، ويظل يبحث دون كلل، عن اللؤلؤ داخل قواقع البحر التي يصطادها ويشقها، إلى أن يعثر بالفعل على واحدة يجد داخلها لؤلؤة صغيرة.
مقابل اللؤلؤة يحصل من المهرب على معطف لوالدته، وقميص يحمل رقم عشرة واسم لاعب كرة القدم الأرجنتيني الشهير رونالدينو.
تستمر الحياة على ايقاعها، الجميع فيها أشقياء: الأهالي الذين يسعون للتغلب على شظف العيش بالمشاركة في التهريب، ورجال الشرطة المكلفين بمطاردتهم والقبض عليهم، ولذا فإنهم يغلبون روح التضامن الإنساني على التمسك بأداء المهمة.


الطابع التجريبي
ما الذي يحدث بعد ذلك؟ لا شئ.. فالمخرج يغلف اللقطات الخلابة للشاطئ والبحر والقوارب التي تندفع بقوة فوق سطح الماء، بسحر المكان، ويستخدم أحيانا الكاميرا المهتزة المحمولة لخلق تكوينات بصرية متنوعة تعبر عن قسوة حياة البشر، في لغة سينمائية يغلب عليها الطابع التسجيلي، ويتراجع فيها الموضوع أو يصبح مجردا على نحو يردنا إلى فيلم "العداء" The Runner (1984) للمخرج أمير ناديري الذي كان أول فيلم يلفت الأنظار إلى السينما الإيرانية في مرحلة ما بعد الثورة الإسلامية.
هذا الطابع "التجريبي" الذي يقوم على التلاعب الدائم في الشكل، يفترض أن يكون مقصودا من أجل أن يوصلنا إلى شئ ما، إلى اكتشاف جوهر السينما والتعامل مع عالمنا وأناسه من خلال خصوصيته أيضا، لا أن يتركنا دائما عاجزين عن القبض على زمام الأشياء، ورد الأمور إلى مسارها الطبيعي الأرضي، أي تحديد دور الإنسان فيها بوضوح بدلا من الهرب إلى التجريد المطلق.

داخل البلاد
التجريب الإيراني في السينما أثبت نجاحه في أوساط السينما الغربية التي تنبهر عادة بالغريب وغير المألوف، ترحب بالسهل والبسيط والتجريدي والأحادي البعد و"الإكزوتي" في صوره ولقطاته، وبالتالي بتحويل الإنسان إلى مجرد صورة شاحبة غير محددة المعالم، وكأن الإنسان لم يصنع تلك الحضارة الهائلة التي تمتد إلى آلاف السنين، بل لايزال شبحا هائما يتبدى ويختفي حسب الحالة النفسية والمزاجية.
هذا "المفهوم" للسينما امتد أيضا إلى الفيلم الجزائري "داخل البلاد" Inland للمخرج طارق تقية.

"داخل البلاد" (أو قِبلة Gabbla) فيلم يمتد 137 دقيقة، صوره مخرجه أساسا بكاميرا الفيديو الرقمية قبل أن يحوله إلى شريط سينمائي، وهو من التمويل الفرنسي وإن كان قد صور بأكمله في الجزائر.
بطل الفيلم مهندس يرسل في مهمة إلى منطقة نائية في أعماق الصحراء، لمد خطوط الطاقة الكهربائية.
هناك يبدو بطلنا هذا "مالك" وكـأنه مقطوع الصلة تماما بالعالم. لكن الأمر ليس كذلك، فهو يسمع أصوات انفجارات قريبة ليلا لا يعرف مصدها. ثم يجد نفسه محل شك من رجال الشرطة الذين يتشككون فيه وفي طبيعة مهمته في تلك المنطقة، فالمناخ العام مناخ شك وريبة.
وفي الجزء الأول من الفيلم ينتقل المخرج على شكل "فلاشات" سريعة لمشاهد تجمع عددا من الأصدقاء في المدينة يتناقشون في كل شئ ويعبرون عما يشعرون به من إحباط بسبب عجز السياسات، وفشل مشروع الدولة المدنية الحديثة، وظهور الإرهاب.
هناك أحاديث مباشرة حول الديمقراطية والعنف والسلطة والثورة والحداثة ولكن من خلال لغة خطابية مباشرة تتناقض تماما مع الصور الممتدة الصامتة التي سننتقل إليها مع انتقال البطل إلى تلك البقعة المجهولة.
لكنها ليست مجهولة تماما، فبطلنا يكتشف أنها بمثابة معبر للهجرة من الجنوب إلى الشمال، من افريقيا إلى اسبانيا. ويلتقي ذات يوم بفتاة افريقية سوداء، جاءت على ما يبدو من النيجر تريد الفرار من هذا الجزء من العالم بأي ثمن.
غير أن الحوار بين مالك وهذه الفتاة حوار صعب فهي تتكلم الانجليزية التي لا يفهمها، ويكلمها هو بالعربية، لكنه يفهم ويرى أنها خائفة، لا تريد العودة، وهو لا يعرف ماذا يخيفها إلى هذا الحد.
يؤويها عنده بعض الوقت، ثم يقرر مساعدتها في قطع الطريق الشاق، إلى الحدود الجنوبية الغربية ومن ثم يمكنها أن تجد طريقها إلى الساحل.
وطوال الرحلة يتأمل مالك، ونحن معه، في البشر وفي الطبيعة ويدرك كيف يذوب الإنسان في الطبيعة، وكيف يصبح جزءا منها.

تدريب خاص
معظم لقطات الفيلم صامتة. والإيقاع العام بطئ ويحتاج من المشاهد إلى تدريب خاص على هذا النوع من السينما، والصورة تتبدل في ألوانها أحيانا داخل المشهد الواحد، وتنتقل من الظلمة إلى النور، ومن العتمة التي تغلفها حبيبات التراب، إلى الشمس التي تخلق تكويناتها السرابية الخاصة.

وفي الفيلم تكرار مقصود للعديد من اللقطات، ومن الزوايا نفسها. وإن كان هناك دون شك، حس تشكيلي رفيع يتبدى في التكوينات داخل اللقطات الثابتة والمتحركة.
ولاشك أن الخلفية الشخصية للمخرج طارق تقية الذي جاء أساسا من التصوير الفوتوغرافي وراء اهتمامه الكبير بالصورة.
لكن هناك أيضا تأثرا واضحا بأسلوب أنطونيوني الإيطالي: في جعل اللقطة تصبح مشهدا، وفي اللغة غير المباشرة التي تصور شيئا وتقصد شيئا آخر، والإغفال المتعمد لقيمة الحوار، الذي يصبح وسيلة أقل أهمية للتواصل.
لغة من الخارج
لكن مشكلة هذا الفيلم أن الأسلوب فيه ليس أصيلا، بل يبدو مفتعلا وشديد الاصطناع، وشديد المبالغة في الاهتمام بالصنعة، وبالرغبة في الإدهاش وفي استخدامه الإيقاع الطويل المجهد، واللقطات الطويلة الممتدة التي لا يبدو أن لها نهاية.
وينتقل المخرج أحيانا من الصورة الناطقة إلى الصورة الصامتة تماما فيلغي المؤثرات الصوتية الطبيعية (صوت القطار مثلا) لكن كل هذه الطرائق والألاعيب الشكلية، مع تكرارها بدون ضرورة درامية تبدو مفروضة من خارج الفيلم، كما تبدو مقصودة فقط لذاتها، ومن أجل التجريب للتجريب، وهو ما يزيد كثيرا من عزلة المشاهدين عن الفيلم بدلا من أن يقربهم من عزلة أبطاله.. عن بعضهم وعن عالمهم. أليست السينما في النهاية فن للتقريب بين البشر!

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com