السبت، 3 يناير، 2009

السينما المستقلة في مصر.. قضية العام

من فيلم "بصرة" لأحمد رشوان
من فيلم "عين شمس" لابراهيم البطوط

((الزميل محمد الروبي، محرر صفحة الفنون في جريدة "البديل" كتب مقالا في عدد 31 ديسمبر من "البديل" أكد فيه أن 2008 كان بدون شك، عام السينما المستقلة في مصر. ومدونة "حياة في السينما" تنشر المقال هنا للتاريخ، كشاهد على أننا خضنا معا، وعلى مستويات متعددة وعبر منابر مختلفة، معركة ضارية دفاعا عن السينما المستقلة، وتناولنا ومازلنا نفعل، كل جوانبها بالتحليل والمناقشة وفتحنا باب الحوار حولها، ومعنا غيرنا بالطبع كثيرون في أوساط النقاد والسينمائيين، ممن وقفوا ولايزالون يقفون موقفا صلبا في تبني هذه القضية الممتدة- أمير العمري)).

السينما المستقلة في مصر.. قضية العام الفنية

بقلم: محمد الروبي

حينما فكرنا - الزملاء وأنا - في قضية فنية نختارها قضية عام 2008، لنعيد طرحها في العدد الأخير من العام، قفزت أمامنا جميعاً وبلا استثناء قضية «السينما المستقلة» في مصر.. وتذكرنا علي الفور تلك المعركة الكبري التي خاضها فيلم «عين شمس» ومخرجه إبراهيم البطوط مع الرقابة التي فاجأته بعدم التصريح بعرض الفيلم إلا تحت مسمي «فيلم أجنبي»، بحجة أن الفيلم الذي صوره بطريقة خاصة أهم ما يميزها أنها لم ترتكن إلي سيناريو متكامل يعرض قبل التصوير علي الرقابة، ومن ثم تعطيه تصريحاً مبدئياً تعتمده وزارة الداخلية «!» للتصوير في الشارع، وزادت المشكلة تعنتاً من قبل الرقابة حين حصل المخرج علي منحة من المغرب ورئيس جهاز السينما بها تتيح له تحويل الفيلم من «الديجيتال» إلي «سينما 35 مللي».. وحينما حاول المخرج إدخال الفيلم إلي مصر مرة أخري لعرضه فوجئ بأنهم يصرون علي وصمه بعبارة «فيلم أجنبي»!
كان من الطبيعي أن يرفض البطوط هذه الصفة، وكان من الطبيعي أن يناضل ومعه كثيرون من عشاق السينما الحقيقية، وزاد من فرصة نجاحه ونجاحهم أن الفيلم الذي عرض في أكثر من مهرجان عالمي، وبإصرار صاحبه علي أنه فليماً مصرياً، قد حصل علي العديد من الجوائز هنا وهناك.. ومع كل جائزة يحصل عليها الفيلم كانت فرصة نجاح كسب المعركة تزداد اتساعاً، بل إنني أذكر أنني كتبت عن الفيلم أكثر من مرة، لكن المرة التي أعتز بها كانت تلك التي امتزجت بفرح مضاعف حين راسلني الصديق إبراهيم البطوط عبر الهاتف يبشرني بحصول فيلمه «فيلمنا» علي جائزة أفضل فيلم في المسابقة الرسمية لأفلام دول البحر المتوسط بمهرجان «تاورمينا» الإيطالي في دورته الرابعة والخمسين.
وكانت حيثيات فوز الفيلم مصاغة بكلمات واضحة، ترد دون أن تقصد، علي تعنت البيروقراطية المصرية ووقوفها أمام عرض الفيلم في مصر، حيث جاءت تقول وبالنص: «.. نجح الفيلم في خلق مزيج بين التوثيقي والخيالي.. كما تعرض الفيلم بشكل مؤثر وفعال إلي الظروف والقيم الإنسانية التي لا تعرف حدوداً ولا وطناً».. وسريعاً ما اتسعت مساحة الفرحة بداخلي حينما علمت أن الفيلم فاز أيضاً بجائزة العمل الأول في مهرجان «روتردام»، وكانت فرحتي بفوز الفيلم بجائزتين عالميتين، هي الدافع للعودة مرة أخري إليه والكتابة عنه مجدداً، فهو فيلم - كما سبق أن أشرت حينها - يستحق المشاهدة مرة ومرات ومرات.
في الكتابة الأولي عن الفيلم، ذكرت أن الطريقة التي صنع بها إبراهيم البطوط فيلمه، ليست جديدة، بقدر ما هي مختلفة عن السائد المعتاد في سياق تاريخ السينما المصرية والعربية بشكل عام، ويمكن لها أن تكون ويقيني أنها ستكون - بداية لطريق جديدة في صنع أفلام سينمائية، تتجاوز ما هو سائد، وتهيل التراب علي جثة سينما باتت رائحتها تزكم الأنوف!
قلت حينها، إن من سيشاهده الفيلم ومن سيشهده في المستقبل، سيؤكد صدق إبراهيم البطوط الذي صرح في مواجهة الرقابة بأنه لم يكن لديه سيناريو متكامل للفيلم بالمعني التقليدي لكلمة سيناريو.. وإنما هي فكرة تبني علي موقف من الحياة، تثمر في البداية شخصية ما، ثم شخصيات، تتجادل فيما بينها للتعبير عن هذه الفكرة، فتتطور الشخصيات ومن ثم الفكرة كلما تقدمت الخطوات العملية في تنفيذ الفيلم.
وأذكر أنني أشرت إلي أن هذا الأسلوب وتلك الطريقة، ليست بالجديدة علي مشوار السينما العالمية، وهي الطريقة أو الأسلوب الذي يمكن تلخيصهما في جملة «هدم الجدار الوهمي بين النوعين التسجيلي والروائي»، ولنا في التاريخ السينمائي العالمي أمثلة كثيرة، منها ما عرف بـ«الواقعية الإيطالية الجديدة»، وكذلك ما حققه الألماني العظيم «فاسيندر» في سبعينيات القرن الماضي، الذي كان يعمل بطريقة «الورشة» أو «المختبر»، الذي اعتمد في معظم أعماله علي الهواة من الممثلين، واستخدام الأماكن الحقيقية لتصوير أحداثه السينمائية، بل كان هو من أوائل الذين استخدموا التصوير التليفزيوني قبل أن نعرف هذا الجديد المسمي «ديجيتال».
إذن كل أقوله عن فيلم «عين شمس» وما سبق أن قلته عنه، يؤكد أن العجلة قد دارت بالفعل، ولن تجدي معها محاولات الحمقي في إيقافها، وهو الأمر الذي تأكد بعد أن حصل الفيلم علي التصريح بالعرض تحت عنوان يليق به وهو «مصري»! سواء كان ذلك بحصوله علي الجوائز في مهرجانات عالمية تحت هذا العنوان، أو كان عبر الوعد الذي حصل عليه مخرجه ومنتجه بعرض الفيلم في مصر باعتباره مصرياً خالصاً... وفيلم «بصرة»«بصرة» لمخرجه أحمد رشوان، الذي كان عنوانه «مية في المية حي» والذي صوره بتقنية «الديجيتال»، يعد نجاحاً آخر علي طريق السينما المستقلة في مصر، فالفيلم كـ«عين شمس» حصل علي منحة من قناة أوربيت لتحويله إلي 35 مللي.. وعرض الفيلم في مهرجان فالينسيا وحصل به مدير التصوير فيكتور كريدي علي جائزة أفضل تصوير، كما حصل أحمد رشوان علي جائزة أفضل سيناريو بالمناصفة مع الفلسطيني رشيد مشهراوي من مسابقة الفيلم العربي بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي الأخير.
نجاح آخر يؤكد ما نعتقده من أن المستقلين قادمون، وأن الموهومين بإمكانية وقف الطوفان لن ينالوا سوي الغرق.
لكن قضية السينما المستقلة في مصر، لا تقف عند حدود فيلم «عين شمس»، فمساحة معركتها أوسع بكثير، ولعل في الموقف الذي اتخذته السلطات الرسمية مؤخراً بإلغاء مهرجان السينما المستقلة الأخير، بحجة أنه يقام في الفترة نفسها التي يقام فيها مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، خير دليل علي أن الرسميين لا يريدون لهذا النوع من السينما أن يزدهر، وهو طبعاً ما يقابل بالرضا الكامل من قبل المحتكرين للإنتاج والتوزيع والعرض في مصر.
وكنا طوال عام مضي - ندافع وباستماتة عن هذا النوع «المستقل» من السينما، وكنا ولا نزال، نري أنه الأحق بالتواجد وبالدفاع عنه، بل إننا لم نترك فرصة إلا وعقدنا مقارنة بين ما يحدث عندنا وما يحدث هناك علي الجانب الآخر من العالم.. وهنا لابد من التذكير بذلك التقرير الذي كتبه الزميل نبيل سمير في السابع من ديسمبر تحت عنوان يشير به إلي مفارقة جديرة بالتأمل: «بعد تضييق الخناق علي المصري.. نجوم هوليوود يتفقون علي إنجاح مهرجان السينما المستقلة في أمريكا».. وذكر التقارير تفاصيل مؤلمة عما حدث في مصرمن إلغاء، وتعطيل للمهرجان، وحجج مسئولين تثير الضحك، وكذلك تفاصيل عن المهرجان الأمريكي الذي أسسه ويدعمه الممثل «روبرت ريدفورد».
أيضاً شاركنا الناقد السينمائي المتميز «أمير العمري» بمقال مطول كناقد نشرناه في الثاني من ديسمبر تحت عنوان: «بانتصار «عين شمس» لم يعد الأمر مجدياً..
مغزي الحرب القائمة ضد السينما المستقلة في مصر» وفيه أكد العمري أن «في كل بلاد الأرض تدرك النخبة معني ومغزي وأهمية وجود جيل آخر جديد من السينمائيين، وأهمية إتاحة كل الفرص أمامهم للتجريب والسباحة في مناطق غير تقليدية..».. ورداً علي حجة أن مهرجان السينما المستقلة يقام في الوقت نفسه لمهرجان القاهرة الدولي، كتب أمير العمري يقول: «.. مهرجانات السينما الدولية الكبيرة حقاً، تاريخاً ومقاماً، التي تريد أن يحسب لها أنها لا تستبعد الجديد مهما كان جامحاً في تجربته وأفكاره، عادة ما تسمح بمساحة علي الهامش لتلك «السينما الأخري».
وذكر أمير العمري أكثر من مثال لأكثر من مهرجان دولي يتبني شباب السينما وتفخر بهم.. وأخيراً يصف العمري قرار إلغاء مهرجان السينما المستقلة بـ: «.. أن هذه الواقعة الشائنة تعكس حالة الهلع التي أصابت بعض الأجهزة أخيراً من زحف السينما المستقلة بهدوء وإصرار، لكنها تؤكد، علي نحو ما أيضاً، أن السينما المستقلة قادمة، يؤكد وجودها انتصار فيلم «عين شمس» لإبراهيم البطوط في معركته الدامية مع الرقابة بعد أن رضخت أخيراً للأمر الواقع وقررت السماح بعرضه كفيلم مصري، وليس مغربياً، وهو ما يؤرخ لبداية نهاية الرقابة بشكلها القائم المتخلف».
لهذا كله.. وغيره الكثير.. من إنجازات سينمائية شابة. لم نختلف «الزملاء وأنا» حول اختيار «السينما المستقلة» باعتبارها قضية العام 2008.. ونعتقد أنها ستستمر تواصل نجاحاتها في القادم من الأعوام.

2 comments:

غير معرف يقول...

Dear Mr Amir and Mr Rouby
what is significant in all your articles about the independent cinema in Egypt is that they were all written (and many other articles by other writers and film critics) long before Ein Shams got the international recognition. though the film had no stars and was made by a totaly unknown crew. so your articles were simply about defending an idea, pushing for an inevitable change. that in itself was a remarkable step where many film critics and writers supported and defended an idea. that in itself has given a great push and credebility to the birth of a new movement. and that in itself proves that CHANGE is possible if we keep on working towards that change.it also proves that it doesnt matter who you know , or if you have connections but what matters is WHAT you do.thank you for all your precious support.
Ibrahim El Batout

غير معرف يقول...

قضية السينما المستقلة لاشك أنها ستكون قضية العام الجديد 2009 أيضا، وليس في مصر فقط بل في العالم.. وها هم الذين شككوا فيها في البداية يعودون للاعتراف بها ويبدأون في الاهتمام الجاد بها.. وهذا هو المطلوب. ولكن المطلوب أيضا المزيد من الكتابات النظرية حول الموضوع.
سالم عبد الفتاح

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com