الخميس، 1 يناير، 2009

نحن والنقد الثقافي والاجتماعي في الغرب


الاتجاه الجديد - القديم في نقد الفنون والآداب في الغرب القائم علي ما يعرف بـ"النقد الثقافي" cultural criticism، وهو اتجاه أصبح يطغي كثيرا علي معظم مدارس النقد بل امتد إلي النقد الذي ينشر في الصحافة العامة، يمكن القول إنه أصبح هناك ولع خاص بتطبيقه علي الأعمال الإبداعية القادمة من ثقافة "الآخر" أي من العالم غير الناطق بالإنجليزية أو "العالم غير الأوروبي".
يمزج النقد الثقافي بوضوح بين النظرة التي تسعي للتعامل مع الإبداع ليس كنتاج "نخبوي" بل كنتاج يصلح للناس جميعا، ويجب أن ينظر إليه في إطار الثقافة الكلية السائدة في المجتمع، وبين اعتباره تطويرا، علي نحو ما، للنقد الاجتماعي الذي يهتم كثيرا بتأثير البعد الاجتماعي أو المجتمعي علي المبدع (الكاتب، الشاعر، المؤلف، الموسيقار، الرسام.. إلخ) أكثر من اهتمامه بذات المبدع نفسه، وبتجربته الذاتية وعلاقته بالوسيلة التي يبدع من خلالها واهتماماته الجمالية التي قد تصل إلي قدر من التجريد يصعب الإحاطة بأسسه الاجتماعية عادة.
ويميل النقد الثقافي الذي يجنح في اتجاه التعامل من الزاوية السوسيولوجية مع المنتج الفني والأدبي إلي الاهتمام بـ"الوصف" أكثر من "التقييم"، وفحص العلاقة بين العمل الإبداعي والعالم، من الحكم عليه أو تقدير قيمته في تاريخ تطور النوع الإبداعي.
الاهتمام إذن ينصب بشكل أساسي علي علاقة المنتج الإبداعي بغيره من الأعمال، وعلاقته بالأنماط الاقتصادية ، والظروف الاجتماعية السائدة (وضع المرأة في المجتمع، العلاقة بين الجنسين، الإشارات ذات الدلالة السياسية، الوجود المستقل للأقليات وتبعيتها للمحيط الاجتماعي في الوقت نفسه أو خضوعها القهري أحيانا.. وغير ذلك).
هذه النظرة تحكم معظم الكتابات التي تتناول الأعمال الإبداعية القادمة من ثقافتنا. رواية "عمارة يعقوبيان" مثلا، ثم الفيلم كشكل فني آخر يقوم علي الصور والعلاقات داخل النص الأصلي الأدبي، تم تناولها نقديا في الدوريات والصحف البريطانية ليس كعمل فني مستقل، قائم بذاته يمكن الحكم علي قيمته الفنية في إطار ما ينتج في عصره من أعمال مشابهة، بل كـ"دليل" أدبي علي ما يحدث في "المجتمع" المصري اليوم، أي كبيان للعلاقات التالية: العلاقة بين الجنسين، الصراعات الطبقية، تضاؤل دور الطبقة الوسطي، الكبت الجنسي والكبت السياسي والاجتماعي، دور الضباط في مجتمع ما بعد 52 مقارنة بعالم الباشاوات فيما قبل 52، القهر الاجتماعي والفقر كمنبع للتطرف الديني، تدهور أخلاقيات الطبقة الحاكمة (الفساد) وبروز الدور الأمني، الرفض الأخلاقي - الديني للمثلية الجنسية، وتضاؤل دور المثقف وهامشيته.
أما من ناحية البناء الروائي، والشكل الفني، والاستخدامات المختلفة للغة العربية كوسيلة تعبير أساسية في حالة الرواية، واللغة السينمائية والشكل السردي والعلاقة بين اللقطات والمشاهد وطريقة تركيبها معا في حالة الفيلم، فهذه كلها جوانب لا ينشغل بها عادة النقد الثقافي- الاجتماعي في الغرب.


وقد تمتلئ الكتابات عن أعمالنا الأدبية والفنية بالكثير جدا من المقاربات والمقارنات وتحليل الإشارات ودلالاتها الاجتماعية والسياسية، لكنها لا تخلص عادة إلي تحديد "القيمة" الفنية للعمل ككل في إطار مثيله مما ينتج في العالم، وذلك في إطار رفض اعتبار "القيمة الفنية" قيمة عليا ترتبط بنظم وأنساق فنية مستقرة، فلاشيء مستقر علي حاله، وهذا صحيح، لكن الأمر الذي يشغل بال هذا النوع من النقد أكثر من غيره في تناول أعمالنا هو الاعتبار الكبير للدلالات السياسية والاجتماعية، أما فنيا أو إبداعيا فلا تؤخذ هذه الأعمال كثيرا عادة علي محمل الجد، ولا تقارن بغيرها من الإبداعات الكبيرة في الأدب "الغربي" مثلا، أو الإنساني عموما.وهذه مشكلة حقيقية، فالمستوي الفني والأدبي يظل "غامضا" أو مجهولا في نظرة هؤلاء النقاد، وهو ما يؤدي إلي اعتبار كل الأعمال التي يمكن استخراج بعض الدلالات الاجتماعية والسياسية الآنية منها أعمالا مهمة، تلقي الكثير من الاهتمام والحفاوة، في حين أن مستواها الفني نفسه قد يكون محدودا للغاية.
ولعل أكبر دليل علي ذلك مثلا ما ينشر أحيانا من كتب تحوي ما أصبح يعرف باسم "أدب التشات" chat أي تلك الكتابات الوصفية المليئة بالاستطرادات والثرثرة بلغة أنظمة التخاطب المتوفرة علي شبكة الانترنت حاليا، وما تلقاه من ترحيب حماسي في الكثير من الأحيان، لا لشيء إلا بسبب دلالاتها الخاصة التي تتجاوز أسقف الحرمان والقهر والجفاف القائمة وتخترقها، دون أن يعني هذا أنها تتمتع في الواقع بأي قيمة أدبية أو مستوي فني.

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com