الاثنين، 29 ديسمبر، 2008

فيلمان من سورية: "حسيبة" و "أيام الضجر"



الأسطورة والرمز والواقع السياسي

عرض في 2008 فيلمان من سورية طافا على عدد من المهرجانات السينمائية الدولية في العالم العربي مثل دمشق والقاهرة ودبي. الفيلمان هما "حسيبة" للمخرج ريمون بطرس، و"أيام الضجر" للمخرج عبد اللطيف عبد الحميد.
السمة السائدة في الفيلمين أنهما من أفلام الماضي، أي أن أحداثهما لا تدور في الزمن المضارع بل في الماضي الذي كان، سواء في عشرينيات القرن العشرين كما في الفيلم الأول، أو في زمن الوحدة المصرية- السورية كما في الثاني.
واختيار "الزمن"، رغم مشروعيته، يعكس مع تكراره كثيرا جدا، نوعا من "الهروب" من مناقشة المشاكل الحالية في الواقع السوري التي يعرفها المشاهد السوري جيدا ويمكنه التعرف على نفسه فيها. وهذه "الماضوية" إذا جاز التعبير، سمة سائدة في معظم أعمال "الدراما السورية".. أي في الأعمال السينمائية والتليفزيونية السورية على نحو لافت للنظر.
السمة الثانية أن المحور الرئيسي للفيلمين يدور حول المرأة، وهي في الفيلمين، ضحية للرجل: تارة كنوع من اللعنة التي تطاردها بسبب اختيارها أن تسلك مسلك الرجال كما في "حسيبة"، وتارة أخرى كضحية مباشرة لما يفعله الرجال. ولكن في الفيلمين أيضا يبدو "القدر" الذي لا يستطيع الابطال منه فكاكا، هو القوة العاتية التي تسوق الشخصيات إلى نهاياتها الحتمية المأساوية.
"حسيبة"
فيلم "حسيبة" مقتبس عن رواية لخيري الذهبي. وهذا ليس عيبا بل يمكن أن يكون ميزة إذا عرف كاتب السيناريو والمخرج (وهما شخص واحد هنا) كيف يتوصل إلى معادل سينمائي يجعل شخصيات الرواية تنبض، والأهم، أن يوصل المغزى الاجتماعي والسياسي ويجيد استخدام الجانب الأسطوري في الرواية، لكي يمنح المتفرج المتعة ولو من خلال تصوير أقصى درجات المأساة.
لكن ما حدث أن مخرج هذا الفيلم ريمون بطرس، يقع في كل الأخطاء التي كان يتعين عليه أن يتلافاها وهو ينقل عملا أدبيا إلى لغة السينما.
ولعل الخطأ الأول في رأيي يعود إلى الرغبة في "الإخلاص" الشديد للعمل الأدبي، وهو هاجس يسيطر على كثير من المخرجين وكتاب السيناريو، ويتسبب في إفساد الكثير من الأفلام التي يتيح نسيجها أن تخرج بمستوى فني متميز، بينما المطلوب لتحقيق النجاح استلهام روح العمل الأدبي وجوهره والابتعاد تماما عن أسلوبه ومفرداته واستطراداته واعتماده الأساسي على الوصف المسهب.
ريمون بطرس، الذي لاشك في موهبته السينمائية ورؤيته البصرية المتميزة، يرتكب هذا الخطأ، رغبة منه في تجسيد ما لن ينجح في تجسيده على الشاشة، لسببين أساسيين:
الأول: أسلوب رواية الأحداث ذو الطابع الأدبي الذي يمتلئ بالثرثرة والتفاصيل، وتعدد الشخصيات على نحو محير أحيانا، والاعتماد الأساسي على الحوار الطويل الذي يبدو أحيانا أقرب إلى "المونولوج" منه إلى "الديالوج" أي على طريقة المسلسلات، وغياب تبرير تصرف الشخصيات، ورغم تصويره حرمان المرأة من الرجل عموما إلا أنه يبتعد عن التصوير الحسي المباشر خوفا من الرقابة بل تغيب عن الفيلم حتى الايحاءات الجنسية.
أما السبب الثاني فيعود إلى عدم توفيق المخرج في العثور على لغة سينمائية تتناسب مع موضوعه، فنراه يلجأ إلى التداخل في الأزمنة أحيانا لا لكي يسلط الضوء على نقاط محددة يريد أن يبرزها من أجل أن يعطينا صورة محددة عن الموضوع الذي يتناوله ويريده أن يصل إلينا بل لكي يروي كل شيء عن كل شيء، وينتهي بالتالي إلى فقدان السيطرة على الإيقاع واستطالة الفيلم وانفراط شخصياته دون أن يكون هناك اي تطور في الحدث بل دوران مكرر حول الفكرة نفسها.
الفيلم ببساطة واختصار شديد، يصور واقع الحياة في دمشق في عشرينيات القرن العشرين وتحديدا واقع المرأة من خلال شخصية "حسيبة" التي تذهب مع الرجال إلى الجبال للكفاح ضد الاستعمار الفرنسي، وتعود لكي تتزوج لكنها لا تنجب ذكورا بل تنجب فتاة وحيدة.

يموت زوجها فتكافح من أجل الاستمرار في الحياة وتلجأ إلى صناعة الجوارب وبيعها وتحقق تجارتها رواجا، لكن عندما يأتي صحفي مناضل للسكنى في بيتها تقع في حبه بينما يقع هو في حب ابنتها.
وينتهي الأمر بأن يتزوج الصحفي الإبنة وينجب الاثنان ولدا هو الذي سيموت فيما بعد لكي تكتمل المأساة. وستموت أيضا كل شخصيات الفيلم من النساء بعد حياة جافة، ومعاناة لافتقاد الرجال، كما ستفقد الإبنة عقلها تماما بعد أن يغادر زوجها إلى فلسطين ثم يعود إلى دمشق كما نعرف، لكنه لا يعود إلى البيت.
اللعنة التي تحل على حسيبة سببها قد يعود إلى أنها تشبهت بالرجال واختارت طريق الكفاح وحمل السلاح، رغم أن سلاف فواخرجي الجميلة لا تبدو عليها أي آثار للكفاح المسلح ولا حتى للتمرد.. في الفيلم طبعا!
إلا أن الفيلم في الحقيقة يقتبس من الجانب الميتافيزيقي الكائن في الرواية ولكن بطريقة مباشرة لا تتناسب أصلا مع الأجواء التي تدور فيها الأحداث.
ويتمثل هذا الجانب في الاعتقاد بوجود شؤم ناجم عن روح شريرة ترقد داخل النافورة التي تتوسط المنزل الدمشقي الذي تقيم فيه حسيبة مع ابنتها ومع شقيقة زوجها الراحل "خالدية" (التي تقوم بدورها ببراعة الممثلة جيانا عيد).
هذا الجانب الأسطوري كان ينبغي أن تدور حوله الأحداث أو أن يجعل الشخصيات تلقي مساحة أكبر من الاهتمام به، أو أن يصبح محورا لبعض الأحداث المتعاقبة وكلها أحداث سيئة في الحقيقة، لكنه يُهمل إلى حد بعيد، إلى أن يتم تذكره قبل النهاية.
الأسطورة والواقع
فيلم "حسيبة" لا يبدو أن له مغزى ما يلقى اهتمام المخرج- المؤلف، بل إن غرابة أجواء الرواية تبدو هي الأساس الذي استند عليه صانع الفيلم ولكنه عجز عن التوصل إلى لغة سينمائية تلعب في المساحة الرمادية الغامضة بين الأسطورة والواقع، وانشغل بدلا من ذلك، باستعراض دروس من التاريخ، وما استتبعه ذلك من بعض الحوارات التي تمتلئ بالخطابة والمباشرة وكأنه يتباكى على أحوال الأمة، أو بالأحرى، وكأنه يضع على ألسنة الشخصيات رسالة سياسية مؤداها التباكي على ما آلت إليه أحوال الأمة وهو خطاب يشوب الكثير من المسلسلات والأفلام السورية التي تدور في التاريخ وتعشق الاستغراق في الماضي، لكي تلعب من خلاله على الرمز الذي لا يتجاوز عادة "غمز الواقع" من بعيد وعلى استحياء.
والنتيجة أننا في حالة "حسيبة"، أمام عمل مثقل بالمشاهد الطويلة، والحوارات الزائدة عن الحاجة، بل والشخصيات التي لا تقدم ولا تؤخر، والتي تظهر وتختفي، أو تموت فجأة بطريقة تجعل الجمهور الذي لم تنجح الدراما السينمائية التي يشاهدها في استيعابه والاستيلاء على مشاعره وذهنه، يضج من الملل، خاصة وأن إيقاع الفيلم يهبط كثيرا بعد نصف الساعة الأولى، وخاصة وأن الأداء التمثيلي، رغم براعته، لا يتخلص من الطريقة المسرحية التي تعتمد على المبالغة.
لا عيب على الإطلاق في اختيار موضوع "مأساوي" أو تراجيدي، لكن التراجيديا أيضا لها شروطها وحدودها، التي إذا أفلتت أصبحت أقرب إلى السخرية بدلا من التعاطف.


"أيام الضجر"
أما فيلم "أيام الضجر" فيبدو بعد مشاهدته أن المخرج الموهوب عبد اللطيف عبد الحميد تعجل اختيار موضوعه دون دراسة كافية، ودون تطوير كاف لفكرته. تدور أحداث الفيلم في زمن الوحدة المصرية السورية، أي في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات.
ولاشك أن جانبا كبيرا مما يرويه الفيلم مستمد من التجربة الشخصية لمخرجه ومؤلفه، ومن ذكريات طفولته. ولكن ليس كل ما يمر به المرء يصلح لتقديمه في السينما وعرضه على الجمهور العريض. وفيلم عن الضجر يجب ألا يسقط في الضجر بل يجب أن يتمتع بالقدرة على إثارة اهتمام المتفرج.. الأمر الذي يفتقده "أيام الضجر" بوضوح.
هنا أيضا امرأة تنعكس عليها كل سلبيات المرحلة هي وأولادها الأربعة وزوجها "مصطفى" الجندي في الجيش.
الأسرة تعيش في هضبة الجولان، والأولاد يبتكرون شتى أنواع الألعاب والحيل للتغلب على الملل الذي يعيشونه.
والأب "مصطفى يستدعى في مهمة داخل إسرائيل لا يبدو أنها تحقق أي شئ يذكر، ويغيب عن المنزل فترة طويلة تتكفل فيها الأم برعاية الأولاد.
وتضطر الأم إلى الانتقال مع الأولاد لفترة بعيدا عن الجولان مع تفجر الأزمة اللبنانية في أواخر الخمسينيات واحتمالات اندلاع عمليات عسكرية بعد تدخل الأسطول السادس الأمريكي إلى جانب حكومة كميل شمعون، وبعد سقوط نظام نوري السعيد في بغداد.
أما الجانب الذي يحظى كثيرا باهتمام الفيلم فهو صورة الوحدة كما يراها المخرج- المؤلف، ويجسدها أولا في ضابط مصري مسؤول عن المنطقة كل ما يشغله إقامة مسابقات للجري بين تلاميذ المدارس وتوزيع هدايا بسيطة على المتفوقين منهم، ودعوتهم إلى ترديد الهتافات بحياة الرئيس جمال عبد الناصر، ووجود دبابة معطوبة ضخمة قرب منزل أسرة الجندي مصطفى، لا يتم إزالتها إلا في النهاية (على سبيل الرمز للوحدة المعطلة!)، وتحركات عسكرية تبدو هزلية، ومهمة يقوم بها عدد من الجنود والضباط داخل إسرائيل لا يبدو أنها تحقق أي شئ، وفي النهاية عودة مصطفى إلى أسرته بعد طول غياب وقد فقد عينيه وذراعه بعد أن انفجار لغم أرضي في جسده.

ويقوم بدور الضابط المصري ممثل سوري يفشل في اتقان اللهجة المصرية، بل يبدو كما لو كان يسخر منها من خلال كلماته الطفولية الساذجة وتعبيرات وجهه التي تكشف عن غباء واضح، وربما يكون هذا نفسه مقصودا فلا نتصور أن عبد اللطيف يعجز عن العثور على ممثل مصري يقوم بالدور.
ومن الواقع إلى الرمز، يصور الفيلم عجز الزوجة عن الحصول على ابنة لمصطفى بعد أن أنجبت 4 أولاد وعندما تحمل أخيرا في البنت المنتظرة تتعرض للإجهاض وتفقدها.. والبنت رمز الخصوبة.. فهل السبب في الإجهاض هو أيضا الوحدة!
إطالة واستطرادات
يعاني الفيلم من الإطالة والاستطرادات ومن ضعف الإخراج في بعض المشاهد مثل مشهد الحافلة التي تنقل المهاجرين التي يبدو واضحا أنها لا تتحرك. ويعاني مشهد الأطفال وهم يحاولون الامساك بالدجاج من الترهل الواضح، وهناك إطالة لا معنى لها أيضا في مشهد ولادة الزوجة الذي ينتهي بنزول جنين ميت.
ولم يكن هناك أي معنى لتخصيص مشهد طويل آخر لدفن الجنين في بكائية حزينة لا معنى لها.
ويعاني مشهد الجد وهو يعزف على الناي والأولاد حوله يتراقصون ويقفزون من الإطالة بلا معنى، ويبدو رقص الخال قبل مشهد النهاية في حركات بلهاء مشهدا لا يضيف شيئا، بل يبدو غليظا، ونرى بعده مباشرة عودة مصطفى عاجزا معوقا. لكن مصطفى نفسه، كما يريد أن يقول لنا الفيلم، لم يفقد الأمل رغم إصابته، لذا فهو يغني ويطلب من أبنائه الاستمرار في المرح والغناء والرقص، وهو اصطناع يتوقعه المتفرج في السياق فيبدو مفتعلا أيضا.
ولا ينجح موضوع الفيلم في تكثيف "رؤية" معينة ذات دلالات إنسانية عميقة عن معاناة أسرة في زمن "الضجر" أي زمن الوحدة، التي يحملها الفيلم كل خطايا الواقع في تلك الفترة. ولا تكفي هنا تصريحات المخرج عن رغبته في الحديث عن عدم تغير ما يعيشه الناس خلال خمسين سنة، فهو لا يروي قصة خمسين سنة ولا يقول لنا ما الذي حدث بعد انهيارالوحدة، ولا كيف يرى الناس الوضع الحالي في سورية المعاصرة بعد أن انقضى زمن الشعارات الكبيرة.
الأولاد يصابون في البداية بالتخدر بعد أن أكلوا ثمرة مسمومة كادت تودي بحياتهم، والأم فقدت الأمل في إنجاب بنت، والأب ينتهي معاقا بعد أن يفقد عينيه وذراعه، تراجيديا قدرية مكتملة.. كان يمكن أن تصنع فيلما تجريديا رائعا إذا ابتعد مخرجها ومؤلفها عن الإفراط في الرمز السياسي المباشر، والركون إلى الغمز الذي لا جدوى منه ولم يعد الجمهور في حاجة إليه بل في حاجة إلى النقد السياسي المباشر الموجع والحديث عما يجري اليوم.
كان حري بعبد اللطيف عبد الحميد أن يطلق على فيلمه "أيام الكوارث" بدلا من "أيام الضجر"!

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com