الثلاثاء، 16 ديسمبر، 2008

عن السياسة والصحافة والفن

كتبت من قبل حول الطريقة الساذجة السطحية التي تتناول بها صحف المعارضة وما يسمى بالصحف المستقلة في مصر (وغير مصر بكل تأكيد) السينما فتجعل منها مجرد سلة من الأخبار والمقابلات التافهة التي تشيد وتجمل وتمجد وتخلع العظمة على النكرات والتفاهات ممن يطلقون عليهم "فنانين" رغم ما تتمتع به نفس هذه الصحف من قدرة على الصياح بأعلى صوتها فيما يتعلق بالسياسة، تنتقد وتهاجم وتشجب وتدين، وخاصة رئيس الجمهورية الذي يحملونه كل أوزار البشر، بينما لا يتجرأون على مناقشة مسؤول صغير في منصب ثقافي معين يساهم مباشرة في "تدمير" عقول الشباب وتدمير القيم والذمم بشكل منتظم، دون أن يكون قصدي هنا شخصا بعينه بل مجرد نموذج عام متكرر ومستنسخ ومجسد أمام عيوننا يوميا.
ولست أدري حقا كيف تسمح صحف "الحنجوري" السياسي (من الحنجرة) بكل هذا التساهل الذي يصل إلى حد الدعاية المباشرة (التي قد تكون مدفوعة أيضا) فيما يتعلق بالفني والثقافي.
واقرأوا معي مثل هذه النماذج من ثلاث صحف يشار إليها بالبنان في مصر المحروسة:جريدة "المصري اليوم" التي تعتبر نفسها ليبرالية مستقلة جريئة تنشر هذه التفاهة في عدد اليوم (15 ديسمبر) عن فتاة تطلق على نفسها اسم "سمراء" تنشر لها صورة مثيرة:" عشقت الفن منذ نعومة أظافرها.. لكنها توقفت حوالى عشر سنوات بسبب هجرتها إلى سويسرا، وعادت مؤخراً لتستأنف حياته إنها الممثلة الاستعراضية «سمراء» التى شاركت فى العديد من الأفلام والمسلسلات، وتستعد الآن لمسلسل «أدهم الشرقاوى» مع المخرج باسل الخطيب والمؤلف محمد الغيطى، و«ليلة الرؤية» مع المخرج مجدى أبوعميرة، وانتهت من تسجيل أغنية فيديو كليب بعنوان «فوق ولا تحت» من كلمات حسن عزو، وألحان هانى زكريا، وتوزيع تامر صقر".
أما جريدة "العربي الناصري" لسان حال الحزب الناصري المعارض فهي جريدة متشنجة جدا في كل ما يتعلق بما يسمى بمكتسبات التجربة الناصرية، تقيس على أساسها الأفلام والروايات والأفكار، أي أن فيلمك تنحدد قيمته بناء على موقفه من السد العالي أو تأميم قناة السويس أو القطاع العام مثلا، فإذا كان الفيلم يشير إلى معاناة عامل في مصنع من مصانع الثورة مثلا فهو فيلم رجعي، أما إذا كان يعلق في خلفية أحد المشاهد صورة جمال عبد الناصر فهو فيلم تقدمي ممتاز بالضرورة!
إلا أن "العربي الناصري" ليست متشنجة على الاطلاق فيما يتعلق بـ"الوجود الجديدة الحلوة.. ياحلوين وياحلوات".. ولنقرأ ما نشرته في عددها الأخير في صفحة الفن: " وفاء عامر: لست فنانة شعارات.. والنجومية «قسمة ونصيب".. فى سنوات قليلة صنعت لنفسها اسما فنيا تجاوز مرحلة «تأطير الإغراء المُتبل بالشائعات» التى حاول البعض ربطها به. ومن يقرأ أخبارها.. ويشاهد صورها فى بدايات مجيئها من الإسكندرية.. سيفاجأ اليوم بقراءة مختلفة.. لأخبارها الشخصية.. والعائلية.. وحين سألناها عن سر هذا التغيير قالت: لا توجد أسرار بل هو الاستقرار الأسرى والفنى والحمد لله".
وتنشر جريدة "الدستور" المستقلة التي خصص ابراهيم عيسى نصفها بكل أسف لمقالات وأخبار وأفكار جماعة "الإخوان المتسعودين" الشهيرة بجعجعاتها الكثيرة وفلوسها الكثيرة أيضا، فقد نشرت التالي في صفحتها الفنية عن شخص مغمور يدعى ادوارد لا أعرف ما مصلحة المتسعودين في تلميعه:"رغم اشتراكه في ثلاثة أفلام في هذا الموسم وهي «بدون رقابة» و«المشمهندس حسن» و«بلطية العايمة» إلا أن دوره في الفيلم الأخير جاء مختلفا تماما عن كل ما قدمه إدوارد من قبل، فدور «قاهر» ليس فقط واحداً من أجمل الأدوار الموجودة في الفيلم - إن لم يكن أجملها- بل هو من أجمل الأدوار التي قدمها إدوارد طوال مشواره الفني، فهو يحمل ملامح من الحزن تماما كما يحمل ملامح كوميدية قادرة علي انتزاع ضحكات الجمهور في قاعة العرض".
هل هناك بعد ذلك أي أمل في أن يتسق "الحنجوري" السياسي مع الفني، أو يتخلى السياسي للفني عن نصيب معقول يسمح بتناول قضايا حقيقية في الساحة الفنية والثقافية. أم أن قضية "بلطية العايمة" وما شابه، أهم من كل قضايانا الحاسمة المؤجلة باستمرار!

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com