الجمعة، 21 نوفمبر، 2008

تحفة شون بن "في البرية" في مهرجان القاهرة



لاشك أن فيلم "في البرية" Into The Wild جاء عند ظهوره في 2007 مفاجأة سارة لكل عشاق السينما في العالم، وعملا سيبقى طويلا في الذاكرة.
مفاجأة لأنه يأتي من شون بن Sean Penn الممثل والكاتب والمخرج الذي عُرف بمواقفه النقدية للإدارة الأمريكية، والذي قال في مقابلة حية مع لاري كنج (نجم محطة سي إن إن) إن الرئيس جورج بوش "يدمر ديمقراطيتنا... ويأتي بالفاشية إلى بلادنا"، وأنه " أصاب بلادنا والإنسانية بأضرار بالغة ".
هذا الموقف السياسي ربما يدفع إلى الاعتقاد بأن الفيلم الجديد "الرابع" الذي يخرجه شون بن، قد يكون فيلما سياسيا يمتلئ بالعبارات الكبيرة، وبالهجاء السياسي المباشر.
لكن شون بن فاجأنا حقا بأن قدم لنا واحدا من أكثر الأفلام شاعرية ورقة وعذوبة، وأثبت أنه ليس فقط فنانا مفكرا صاحب موقف، بل وأيضا سينمائي يمتلك "رؤية" فنية ونظرة فلسفية للحياة، وفضلا عن هذا كله، شاعر سينما يمتلك مقدرة عالية على التأمل والتعبير.
إن شون بن يستخدم الكاميرا كما يستخدم الرسام الريشة والألوان، ويتعامل مع نبضات الحياة بلغة الشعر المرئي، الذي يتكون من صور تولد الأحاسيس وتفجر المشاعر، مهما بدت متناقضة مع الواقع والحقيقة.

التعبير الذاتي
في الوقت نفسه يمكن القول إن فيلم "في البرية" أحد أكثر الأفلام تعبيرا عن الذات في السينما الأمريكية منذ زمن طويل.
إنه أكثر قربا بالتأكيد من أفلام مشابهة ظهرت في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، في زمن التمرد والقلق والرفض والهروب إلى الموسيقى والطبيعة والرقص والشعر الغاضب.
إلا أن شون بن يعبر فيه أيضا عن رفضه للمؤسسة الاجتماعية الأمريكية القائمة، وقيم الطبقة الوسطى السائدة، ويظهر بوضوح تعاطفه مع بطله المعذب الذي ينشد التحرر والسعادة بعيدا عن المجتمع بقيوده وتقاليده وجموده وقوالبه.
الطبيعة تلعب دورا اساسيا إلى جانب البطل في هذا الفيلم.
الفيلم مأخوذ عن كتاب بالعنوان نفسه من تأليف جون كراكاور، يروي فيه قصة حقيقية هي قصة شاب يدعى كريستوفر ماكندليس ينتمي لأسرة ثرية من علية القوم، تخرج من الجامعة بتفوق، لكنه يقرر أن يهجر كل شئ: الوظيفة المرموقة المنتظرة والأسرة والبيت والمجتمع والسيارة الجديدة الفارهة، ويهرب إلى الطبيعة، في رحلة فردية أوديسية تنتهي نهاية تراجيدية محتمة.
إنه يتبرع بمدخراته (24 ألف دولار لمؤسسة أوكسفام الخيرية)، ويحرق أوراق هويته وبطاقاته الخاصة، ويتخذ لنفسه اسما جديدا ساخرا هو "ألكسندر الصعلوك الكبير"، ويخوض مغامرته حتى النهاية، بروح ملؤها الأمل والرغبة في التحرر، قاطعا كل صلة له بأسرته وماضيه وعالمه.

رواية الأحداث
يتكون الفيلم من 5 فصول تحمل عناوين محددة بسيطة هي "مولدي" و"المراهقة" والبلوغ"، و"الأسرة"، "التخلي عن الحكمة"، ويستخدم المخرج الذي كتب بنفسه السيناريو، أسلوب رواية الأحداث من خلال التعليق الصوتي، تارة من وجهة نظر شقيقة البطل، وتارة أخرى من وجهة نظر البطل نفسه وهو يسجل مذكراته.
بطلنا الراغب في الهرب من المجتمع الاستهلاكي بقيمه الاجتماعية الزائفة يبدو مدفوعا إلى مغامرة أقرب إلى الحلم، بقوة رفض لعالمه المصنوع: والداه يتشاجران طيلة الوقت ويختلفان حول أسلوب تنشئته، يريدان تحديد مستقبله حسب المقاييس الاجتماعية للنجاح.
إلا أنه لا يبدو فقط مدفوعا بالنظر إلى الوراء في غضب، بل بالرغبة في قهر الطبيعة وتطويعها، وتحدي نفسه وإثبات أنه يستطيع تحقيق ما يصبو إليه، مهما كانت المخاطر الكامنة وهي كثيرة.
إنه يطوي الطرق ويقطع أرجاء الولايات المتحدة من أقصى الجنوب، من المكسيك، إلى الشمال، مرورا بنهر كولورادو الذي يصر على أن يقطعه على أداة خشبية للتزلج على الماء ومجداف، ثم يمر بمزارع ولاية داكوتا الجنوبية، ثم كاليفورنيا، هدفه الوصول إلى قمة أعلى جبال آلاسكا الجليدية.

نماذج بشرية
وخلال تلك الرحلة الأوديسية، يلتقي "كريس" بشخصيات ونماذج بشرية، يتعلم منها الكثير، عن الحياة، وعن الحكمة، والسعادة، ويبدو وكأنه يخرج من الطفولة إلى النضج.
القطيعة الكاملة مع المجتمع هي السمة المميزة لرحلة البطل
إنه يلتقي أولا بثنائي: رجل وامرأة، يعيشان حياة منطلقة تشبه حياة الهيبيز، في البرية، المرأة تجد فيه ما تفتقده في رفيق حياتها، الدفء والحوار، فتتخذه ابنا، تحاول أن تنصحه بتغليب العقل على العاطفة، وتمنحه دروسا في كيفية تحرير الروح دون فقدان الصلة بالأرض.
ويلتقي بعد ذلك بمزارع يشركه معه في حصد القمح، لكن الشرطة تقبض عليه فجأة بسبب جريمة سرقة ارتكبها في مكان آخر في الماضي، وكأن بطلنا يلتقي دوما بأب بديل أو أم بديلة.
ويتجه كريس غربا، عبر النهر والتسلل داخل قطار. ويلتقي في مخيم للغجر بمغنية حسناء، يشترك معها في الغناء، وتحاول هي أن تمنحه جسدها لكنه يعتذر ببساطة.
إنه يرفض الإغراء، ربما يريد أن يثبت لنفسه، أنه يستطيع أن يستغني عن "الآخر"، لا يود أن يترك شيئا يمنعه او يعطله عن تحقيق هدفه الوحيد: التوحد مع الطبيعة.

طبيعة الروح
وفي طريقه إلى آلاسكا، في الأحراش، يعثر على حافلة مهجورة، يتخذها بيتا له، وهناك يتعرف على رجل طاعن في السن، ذي ماض خشن، لم ينجب، يقرر على نحو ما، أن يتبنى كريس، يفهم طموحه وحلمه، يشترك معه في اكتشافاته، يحذره من عواقب تحدي الطبيعة، ويعطيه درسا في معرفة البشر "الفرق الحقيقي بين الناس يكمن في طبيعة الروح عندهم".

إن كريس هو النقيض الكامل لهذا الرجل، لكن هناك شيئا يوحد بينهما. ربما حاجة كريس في النهاية إلى أب يحتضنه ويعطيه ما عجز أبوه عن منحه إياه. يحاول الرجل أيضا أن يقنعه بضرورة العودة، الاتصال بأسرته، وهو ما يشرع كريس في القيام به بالفعل، لكنه يرغب أولا في الوصول إلى مبتغاه.
وقبل رحلته الأخيرة إلى قمة جبال آلاسكا، يصاب بنوبات من الإسهال والقيئ بسبب تناوله نباتات سامة، بعد أن عجز عن العثور على شئ يأكله، ويكون مصيره في النهاية أن يموت جوعا في مكانه داخل الحافلة المهجورة.
وكأن الفيلم يقول إن تحدي الطبيعة له حدوده وقوانينه، ولا ينبغي أن يترك الإنسان نفسه هكذا وسط الطبيعة قبل أن يتسلح بأسلحة كافية لمواجهتها.
في الولايات المتحدة، أحدث اكتشاف جثة كريس في أحراش آلاسكا، صدمة، وانقساما في الآراء، فهناك من اعتبر مغامرته نوعا من الحماقة، وهناك بين الشباب، من اعتبره، ولايزال، بطلا فذا ملهما.
السمة الواضحة في فيلم شون بن، أنه ينظر إلى بطله بتعاطف وحب وفهم، ويتعامل معه باعتباره متمردا على المجتمع، يسعى إلى لحظة استنارة خاصة يتحرر فيها ويحرر روحه.

أدوات المخرج
تقع أحداث الفيلم في أوائل التسعينيات، ويعتمد البناء في الفيلم على مشاهد العودة إلى الماضي (فلاش باك)، أي الانتقال بين الأزمنة والأماكن، ويمتلئ الفيلم باقتباسات أدبية من مشاهير الكتاب الذين كانوا مغرمين بالعودة إلى الطبيعة مثل جاك لندن، ويستخدم المخرج أحيانا أسلوب تقسيم الكادر السينمائي إلى أكثر من صورة.
غير أن أبرز أدوات شون بن التي يستخدمها إلى أقصى درجة في إخراجه للفيلم ومنحه مذاقه الخاص المتميز هي التصوير والموسيقى والأداء التمثيلي.
وهو يستخدم هذه الأدوات بحيث يضفي على الفيلم لمسة شاعرية، ويعبر ببلاغة عن العلاقة بين الإنسان والطبيعة.
هناك لقطات خلابة لكل تفاصيل الطبيعة: عند الشروق والغروب وفي الليل. ويساعد تدرج التصوير في مواقع مختلفة في اكتشاف سحر الطبيعة خارج المدن الأمريكية.
ولاشك أن خبرة المصور الفرنسي الموهوب إريك جوتييه، أضافت الكثير من الرونق والسحر والجمال على الصورة العامة للفيلم. هنا نحن أمام قصيدة شفافة بلغة الصورة، يلعب فيها ترتيب اللقطات وتوليفها معا دورا كبيرا في وصول شحنة المشاعر التي قصد توصيلها إلينا عبر البطل المدفوع بفكرة شديدة الرومانسية عن التوحد مع الطبيعة.
وتلعب المؤثرات الخاصة دورا بارزا في الفيلم، خاصة في تنفيذ المشهد الذي نرى فيه كريس داخل السيارة وهو يتعرض لطوفان من الماء المتدفق يضرب السيارة ويقذف بها لتصطدم بشجرة، قبل أن ينحسر.
ويستخدم المخرج الموسيقى التي كتبها مايكل بروك، وأغاني إيدي فيدر التي تشيع فيها روح التمرد التي سادت في أغاني السبعينيات، ويمزجها بالفيلم كمعلق على الأحداث، أو كغلاف روحي لمشاهد الفيلم ولقطاته وكأداة فنية خلابة لفهم الطبيعة.
ويؤدي الممثل إميل هيرش دور كريس، مضفيا على الشخصية ملامح الاقتحام والتحدي والرغبة في ولوج قلب العالم، مع الحلم والأمل بتحقيق المستحيل، ونظرة حزن خفي تنبئ بمصيره التراجيدي.
وقد بذل الممثل جهدا خارقا، وتعرض لمخاطر كبيرة أثناء تمثيل الفيلم، دون الاستعانة ببديل، في مشاهد التزلج على سطح نهر كلورادو، وغيرها من المشاهد الخطرة التي جعلته جزءا من مغامرة كريس.
إن "في البرية" فيلم مغامرة، لكنها ليست فقط مغامرة البطل الحقيقي الذي انتهت حياته قبل أن يصل إلى هدفه، بل مغامرة لشون بن المخرج نفسه، الذي يشق فيه طريقا يبتعد كثيرا عن المسار التقليدي للسينما الأمريكية، بقدر ما يقترب من السينما الأوروبية في إبداعاتها الشخصية المعبرة عن الرؤية الذاتية للعالم.
إنه يبدو قريب الشبه من روح أفلام أوروبية مثل "إلفيرا ماديجان" (1967 ) Elvira Madigan لبو فيدربرج السويدي، و"صرخة الصخر" (1991) Scream of Stone لفيرنر هيرتزوج الألماني.
وهو بهذا المعنى، مغامرة في السينما، تؤدي بالضرورة إلى مغامرة في المشاهدة (148 دقيقة)، ومغامرة في النقد، لأنه سباحة عكس التيار السائد في السينما، وفي الحياة. ولعل هذا هو أساسا، سبب سحره الخاص.

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com