الاثنين، 3 نوفمبر، 2008

فيلم "تيزا" الفائز بذهبية قرطاج


رفض القهر، والأمل في التغيير

بقلم: أمير العمري


لم يأت فوز فيلم "تيزا" الإثيوبي بجائزة التانيت الذهبي في الدورة الثانية والعشرين لمهرجان قرطاج السينمائي مفاجأة، بل كان متوقعا من البداية، ولو لم يفز الفيلم بالجائزة التي تعد أرفع جوائز المهرجان، لكانت الجوائز قد فقدت مصداقيتها، فالفيلم يعد أحد الأعمال السينمائية الرفيعة القليلة التي ظهرت خلال العام الجاري، 2008.
ويعتبر فيلم "تيزا" Teza أو "العودة"، بمثابة عودة طال انتظارها لمؤلفه ومخرجه الإثيوبي المرموق هيلا جيريما، أشهر السينمائيين الأفارقة وأهم إضافة سينمائية من إثيوبيا إلى خريطة السينما في العالم منذ السبعينيات.
يروي الفيلم على مدار ما يقرب من ساعتين ونصف الساعة، قصة طبيب إثيوبي شاب، غادر بلاده في الثمانينيات وعاش سنوات طويلة في ألمانيا الشرقية (السابقة) حيث درس هناك الطب، ثم قرر العودة إلى بلاده للقيام بدور فاعل في محيطه الاجتماعي، ومساعدة اهل بلدته والمساهمة بخبرته وما حصله من علم، في علاجهم.
غير أن بطلنا الشاب يعود فيجد نفسه قد أصبح محاصرا بشتى أنواع المشاكل. هذه المشاكل تنبع أساسا من الجهل، والإيمان بالخرافات، وسيطرة القيم القبلية.
بطلنا يسير في عالمه القديم- الجديد، تطارده ذكريات طفولته "عندما كانت الأشجار تثمر تفاحا" على حد تعبيره، وأصبحت الآن جافة، جدباء، لا نفع فيها ولا جدوى.
شريط الذكريات يختلط بالواقع الكئيب، ويصنع المخرج منهما عملا ملحميا كبيرا يطرح من خلاله الكثير من القضايا التي نجد لها صدى في الكثير من بلدان العالم الثالث.
هناك مشاكل الفقر والمرض والجهل التي يرجعها الفيلم إلى استنزاف موارد البلاد. لكنه أيضا يوجه انتقادات قاسية لعهد الجنرال مانجستو، الذي انقلب على الامبراطور السابق هيلاسيلاسي عام 1990، وأقام نظاما يحكم باسم الاشتراكية والعدل على حين اشاع الفوضى والاضطهاد العرقي والقلاقل والتصفيات الدموية للمعارضين، واشعل صراعا لا يهدأ بين القوات الحكومية وقوات المتمردين.
بطلنا يقع في الحب، ويتزوج، لكنه يكسب زوجة ثم يفقد أعز صديق له، رفيق حياته في المهجر الذي عاد معه إلى الوطن، لكي يكتشف استحالة الاستمرار في تحقيق ما كان يصبو إليه. وصديقه يفقد حياته في إطار تصفيات النظ ام الدموية لمعارضيه السياسيين قبل أن يتمكن من العودة مجددا إلى المهجر في أوروبا.
يبدأ الفيلم بلقطات لرسوم قديمة تصور الإلهة التي تحاسب الناس يوم الحساب، على خلفية لغناء شعبي شجي تقول كلماته "أين الرجال.. يوم الحساب اقترب.. أين الرجال الذين يفضون التعويذة.. ويكشفون السر" ثم يأتي صوت البطل يقول: النار فقط هي التي تعرف بعودتي".
ونرى مجموعة من الرجال يرتدون الملابس البيضاء يرحبون بالشاب العائد بعد غياب.. النساء تطلق زغاريد الفرح.. ويحتضن الجميع العائد ويصحبونه في موكب أخاذ.
لكن هذا الجو الاحتفالي المميز لا يطول، يقطعه المخرج ليدخلنا مباشرة إلى قلب موضوع فيلمه الذي يناقش القهر: هو أولا يحدد لنا زمن الاحداث في 1990، ثم نرى لقطات لجنود الحكومة وهم يطاردون شباب القرية، لكي يقبضوا عليهم يسوقوهم إلى الخدمة العسكرية الإلزامية ويرسلونهم إلى الحرب.
التعليق على شريط الصوت يقول بصوت البطل "عرفت وقتها أن بلادي تخوض حربا". والده كان بطلا ناضل ضد الاستعمار الايطالي وقتل العشرات من الجنود الايطاليين كما يقول له أهل البلدة. تزحف امرأة عجوز تريد التبرك به، تحاول تقبيل يده لكنه ينهرها قائلا إن هذا مجرد هراء. إنه يعبر من البداية عن رفضه الخضوع للموروث المتخلف.


الدين والأسطورة
يتجول البطل في القرية. يلمح مبنى كبيرا مميزا له سقف من جذوع الأشجار. إنها كنيسة القرية. في الداخل يمارسون طقسا من طقوس العبادة، يتسلل إلى الداخل لكنه سرعان ما يفر في فزع شديد. الرجال يتعجبون من حالته.
يتأمل في البيئة الجافة من حوله: ماعز، أطفال يلعبون.. طفل يتوقف ويشير إليه أن يلحق به. يبدو هذا الطفل الذي يتكرر ظهوره كما لو كان مرادفا لطفولة البطل نفسه. يتداعي الماضي في مخيلته: "هذا جبل موسوليني حيث كنت ألعب وأنا صغير".
لقطات رائعة للشمس تنعكس على صفحة مياه النهر. قارب والطفل يضرب صفحة الماء بالمجداف. موال شعبي ينطلق. "والدي قتل في معركة جبل تيزيت على أيدي عسكر موسوليني".
فجأة نرى أطفالا يجرون ويصيحون "تقدمي ياإثيوبيا على طريق الاشتراكية". المعلم في المدرسة يشرح للتلاميذ كيف يجب أن تتمسك إثيوبيا بمبادئ الاشتراكية. يتأمل العائد، يرى امرأة تحمل وليدها الرضيع على ظهرها. أولاد يطاردهم العسكر. أم أحد الأولاء تهجم على العسكر تحاول منعهم من القبض على وليدها.
عند بحيرة تانا التي يصفها البطل بأنها "المكان الذي يلتقي عنده الماء بالسماء.. وحيث انتهى عملي" نرى أطفالا يقفزون في الماء ويسبحون. البطل يعاني من ضعف الذاكرة.. يتساءل بصوت مسموع: كيف لي أن أحقق ما تنتظره أسرتي مني وأنا بلا ذاكرة. أين أذهب؟
رجل مسن يسأله: هل عندك ذاكرة للبلاد التي زرتها؟ امرأة تسأله في دهشة: إلى من تتحدث؟ هل أنت بخير؟
أمه تحدثه عن سر المياه المقدسة (الذين عاشوا في الخارج لا يعرفونها). يتجمع حشد من الناس يقيمون الصلاة عند نقطة تشتعل فيها النيران. الأم تحتضن ابنها بينما يصرخ هو ويبكي. هي لا تفهم ما يحدث له، تحضر شقيقته تبكي عليه، ويقرا قس من الانجيل ويصلي عليه. الإبن يفقد رشده.
يتجمع حوله أناس من أهل القرية، يدق جرس الكنيسة، يسحبونه إلى داخلها ويرشونه بالماء المقدس الشديد البرودة.. صوته على شريط الصوت يقول لنا: أعادتني صدمة الماء البارد إلى رشدي.
في برلين الشرقية حيث كان يدرس ويقيم، مناقشات بين فتيات ورجال من افريقيا وفتيات ألمانيات منهن من تزوجت اثيوبيا صديقا للبطل.
مناقشات حول العنصرية: هل ستقبل ألمانيا طفلا أسود من امرأة ألمانية؟ كساندرا فتاة من الكاميرون تروي كيف انتحرت امها في ألمانيا هربا من العنصرية. هو يقول إن الاشتراكية هي الحل لمشاكل الفقر والتخلف.



الماضي والحاضر
هذا الأسلوب في الانتقال ما بين الحاضر والماضي، يستمر طوال الفيلم في نسيج مركب وشديد الثراء. ويعتمد المخرج الإيقاع السريع في الانتقال ما بين اللقطات. إنه ينسج فيلمه من نثرات، ومن لقطات تتداعى في ذهن البطل، ويجعل بطله شاهدا على كل ما يمر به.
ويمزج جيريما في فيلمه بين الماضي والحاضر، وبين الكوابيس التي تطارد بطله باستمرار، والذكريات التي تبزغ لكي تطارده دفعة واحدة من الماضي.
ويستخدم الموسيقى والأغاني الإثيوبية الريفية في التعليق على الأحداث أو التمهيد لها، كما تضفي طابعا ملحميا غنائيا على الفيلم.
ودلالة على بشاعة الظروف التي انتهت إليها إثيوبيا تحت حكم الجيش في عهد منجستو، نرى امرأة إثيوبية من نساء القرية تقتل ابنها داخل الكنيسة خنقا بسبب عدم استطاعتها توفير الأكل له. يطاردها الأهالي ويقبضون عليها يريدون الفتك بها، لكن البطل يخلصها من بين أيديهم. تروي له قصتها وتختتمها بالقول: "كان ميتا بالفعل".
عودة إلى الماضي القريب بعد وصول البطل من الخارج وقبل عودته إلى القرية. يقضي فترة في الفندق مع صديقه الذي كان وراء قرار عودتهما معا. لكن الصديق سرعان ما يكتشف خطورة النظام الجديد الذي يحكم باسم الاشتراكية: إنك لست في ألمانيا هنا. هنا إما أنت معنا أو ضدنا.
بطلنا الطبيب يكتشف أن الكثيرين يموتون بسبب أمراض قابلة للعلاج. داخل المستشفى يرى زميله كيف يذبح متعهد اللحوم الذبائح داخل المستشفى قبل التأكد من سلامتها. لكن المتعهد قيادي في الحزب الحاكم، وزعيم من زعماء العمال، يقود مظاهرات التاييد لنظام منجستو، يعطل العمل، ويعقد اجتماعات حزبية داخل المستشفى.
اعتراض صديق البطل على كل هذه الممارسات ينتهي بقتله في مشهد بشع مثير للرعب. وبطلنا نفسه يصبح مهددا بسبب اعتراضه، يحولونه إلى مجلس تأديب ويطلبون منه ادانة نفسه، لكنه يرفض، يقضي المجلس بأنه "أكد بهذا أن سلوكه غير ثوري".
يلوحون له بمعلومات تلقوها من الشرطة السرية في ألمانيا الشرقية تدمغه بالانخراط في أنشطة معادية للنظام.
داخل مقهى ينشد مغن عجوز أغان تقول إن كل الذين ناضلوا ضد الفاشيست الايطاليين أعدموا. رجل ينتفض ويهتف: إثيوبيا أولا. ينهره المغني بصرامة. بعد قليل يأتي الجنود ويقبضون على المغني.

المخرج هيلا جيريما

دراما تسجيلية
يستخدم المخرج الأسلوب التسجيلي ويمزجه بالدراما الروائية التي نتابع خيوطها، ويجعل من بطله رمزا لتيار الوعي الذي لا يموت، كما يضفي عليه مسحة تجعله مرادفا أو معادلا دراميا لشخصية المخرج نفسه، ومرآة يعكس من خلالها مشاعره وأحاسيسه عندما يعود إلى وطنه من محل اقامته في الولايات المتحدة.
وهو يستخدم أيضا المزج بين الماضي والحاضر، وبين الواقع والأحلام والكوابيس التي تمتلئ بالدماء وذبح الأبقار، والمطاردات المرعبة. وتتكرر عبر الفيلم في خيال البطل لقطة لصنبور يسرب الماء ببطء شديد ويصدر صوتا مرتفعا في الليل. وتتكرر لقطة البطل وهو يستيقظ يحاول أن يفتح الصنبور بقوة دون جدوى، فهو لا ينفتح أبدا لدرجة تجعل بطلنا يضرب راسه في الحائط إحباطا ويأسا.
يتم اعتقاله في النهاية ويسوقونه في سيارة عسكرية إلى مبنى محاط بحشد من الجنود. يلتقي في الطابق الثاني بمسؤول حزبي يدعوه للجلوس وتناول الشاي، ثم يقول له إنهم قبضوا على قتلة زميله الدكتور روتسنايا، ويطالبه بضرورة القيام بواجبه تجاه الثورة. وتتحرك الكاميرا ببطء إلى أن تستقر على صورة منجستو المعلقة على الحائط.
الصنبور ينفتح في النهاية لكن بطلنا يغادر هربا إلى ألمانيا. وهناك يكتشف أن ابن صديقه فر من أمه الألمانية البيضاء بعد أن تعمقت المسافة بينهما وأصبح يهيم على وجهه مع مجموعات من المشردين في الشوارع. وعندما يقابله البطل يقول له: إنها لن ترتبط بي أبدا لأنها مختلفة. أبي فقط كان يمكنه أن ينقذني. أنا أفريقي في برلين.
يسقط جدار برلين وتأتي جماعة من الألمان العنصريين يهاجون المبنى الذي يقيم فيه مع عدد من الأفارقة المهاجرين. يعتدون عليه بالضرب المبرح، تتحطم عظامه. لكنه مازال حيا يروي ويتذكر القرية وجثة صديقه.
المرأة التي تزوج بها في القرية تلد ولدا. النساء يملئن الجبل، يفترشنه في لقطة مبهرة تجعل الأرض ملكا للنساء.. أو مملكة لهن، بعد أن تحررن من سيطرة الرجل. إنها صورة ما بين الواقع والخيال.

الفيلم والطبيعة
يمتلئ فيلم "تيزا" باللقطات الخلابة لإثيوبيا بمناظرها الطبيعية الممتدة، وسمائها الصافية، وأجوائها الطبيعية المتنوعة، ويتوغل مخرجه في تصوير البيئة الأرضية الطبيعية في علاقتها بالبشر أنفسهم: النباتات والحيوانات والطيور والحشرات، وطعم التربة الحمراء، ورفرفة أوراق الشجر، ولون جداول الماء التي تتهادى بين جنبات تلك التلال الخضراء.
إنها قصيدة غزل مرئية في حب الوطن، بقدر ما هي صفعة هجائية ضد القهر، وصرخة في وجه التخلف وقسوة الإنسان على الإنسان.
القهر في الوطن، والعنصرية في المهجر. إن البطل يفر في النهاية إلى الشتات، ولكنه لايزال يواجه الاضطهاد، بينما يحمل الوطن وهمومه على كتفيه وفي وعاء ذاكرته إلى الأبد، ويبدو بالتالي، محكوما بالعذاب الأبدي.
لكن المخرج يختتم فيلمه ببصيص من الأمل عندما يجعل الطفل الوليد، الذي تنجبه الزوجة لبطلنا، رمزا لاستمرار رحلة المعرفة والوعي والرغبة في التغيير. تغيير الوطن وتغيير العالم لكي يصبح أكثر جمالا وحبا وانسجاما.
والعالم عند جيريما ينطلق من القرية، من البيئة المحلية الخاصة، إلى الدنيا الفسيحة، ولعل هذا البعد في الفيلم هو ما يضفي عليه لمسة إنسانية ويجعل الجمهور في العالم يتفهمه ويتعايش مع شخوصه، وينفعل بصوره ولقطاته.

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com