الخميس، 2 أكتوبر، 2008

النقد الإنجليزي وفيلم "عمارة يعقوبيان"


ترحيب بالجرأة السياسية وتحفظات فنية


شهدت دور العرض في العاصمة البريطانية في العام الجاري 2008 عرض فيلم "عمارة يعقوبيان" عروضا تجارية عامة للمرة الأولى لفيلم مصري منذ سنوات. وبعده مباشرة عرض فيلم "هي فوضى" آخر افلام الراحل يوسف شاهين.
ويحسب لمنتجي فيلم "عمارة يعقوبيان" نجاحهم في الترويج للفيلم في أوروبا وعثورهم على موزع له في بريطانيا، ولو أنه موزع صغير للأفلام الفنية عادة أو الأفلام الأجنبية القادمة من سينمات العالم الثالث، يتمثل في مؤسسة "أي سي إيه" أو مؤسسة الفن العالمي المعاصر التي تعرضه في دار العرض الخاصة بها الواقعة في الطريق المؤدي إلى قصر باكنجهام الملكي.
ومع عرض "عمارة يعقوبيان" كان من الطبيعي أن يتناوله النقاد في الصحافة البريطانية المتخصصة والعامة بالنقد أو حتى بالإشارة.
وأود أن أقدم هنا عرضا موجزا لما كتب عن الفيلم لكي نعرف كيف تستقبل أفلامنا من طرف النقاد في الغرب.
صحيفة "الجارديان" اليومية نشرت مرتين عن الفيلم بقلم اثنين من أهم نقاد السينما البريطانيين، أولهما بيتر برادشو الذي وصف الفيلم بأنه "حقيبة تمتلئ بالشخصيات التي تعيش في عمارة سكنية في القاهرة عام 1990، قبل حرب الخليج مباشرة: والقصة عبارة عن مادة مليئة بالثرثرة وغير موحية، أقرب إلى مسلسلات التليفزيون من نوع "اوبرا الصابون"، ويقدم لنا الفيلم "اسكتشا" عاما للعاصمة المصرية الكوزموبوليتانية المتأرجحة بين الماضي والحاضر، وبين الإسلام والغرب خاصة أوروبا الفرانكفونية. أما نظرة الفيلم إلى الجنسية المثلية بين الذكور فهي نظرة قديمة وسطحية، إلا أن الفيلم "يصلح للرؤية" watchable، ويبدو أقصر كثيرا من زمن عرضه البالغ 3 ساعات، كما أنه يتضمن أداء ممتازا من عادل إمام".
أما فيليب فرنش (وهو ناقد مخضرم) فقد خصص مقالا أكثر تفصيلا عن الفيلم قدم فيه عرضا للرواية والفيلم والشخصيات ودلالة استخدام العمارة، وخلص إلى القول إن "هذا الفيلم القوي المؤثر المفعم بالحيوية، والذي يمتلئ بالمرح في أحيان كثيرة، ويحتوي المجتمع بأسره، يتعامل مع موضوع يعتبر عادة من المحرمات، بكثير من الجرأة. ومن المشجع أن الفيلم أفلت من الرقابة المصرية المعروفة بالتزمت، وهاجم المتطرفين، وحقق نجاحا كبيرا في مصر".
أما الناقد سوكديف ساندو فقد كتب عن الفيلم في "الديلي تليجراف" يقول "رغم أن الرواية تعاملت مع مواضيع حساسة مثل قمع الشرطة والفساد السياسي والشذوذ الجنسي، إلا أنها تعاملت مع الشخصيات عادة بدرجة واحدة من الخفة والإطالة حتى أنها جاءت على شاكلة مسلسلات "أوبرا الصابون". ونفس الشئ يمكن قوله بالنسبة للمعالجة السينمائية التي رغم التصوير البارع لسميح سالم، لم تتمكن أبدا من التنسيق الكامل بين الحكايات المزدحمة للسكان المتنوعين في عمارة سكنية في القاهرة".


رؤية قاسية
وكتب الناقد أنطوني كوين ناقد صحيفة "الإندبندنت" اليومية فقال: "الفيلم يقدم رؤية قاسية جدا للمجتمع المصري، سواء فيما يتعلق بالظلم السياسي أو بازدواجية المعايير في النظرة إلى الجنس وفيروس الفساد الذي يغزو كل المستويات، والانقسام الاجتماعي الذي يجعل المجتمع أرضية صالحة للإرهاب. على مدى 3 ساعات تقريبا، كان مطلوبا بناء أكثر تماسكا، كما أن الانتقال بين الشخصيات يحمل تأثير مسلسلات "أوبرا الصابون"، غير أن هجومه الشديد على الفساد يذكرنا برواية "هكذا نعيش حاليا" لترولوب (أنطوني ترولوب كاتب انجليزي من القرن التاسع عشر امتلأت رواياته بالنقد السياسي والاجتماعي لعصره - أ. ع).
وكتب بول دال في مجلة "ذي ليست" مرحبا بقدوم فيلم من مصر إلى دور العرض اللندنية بعد سيطرة الأفلام الإيرانية لفترة طويلة، وعرض للرواية وأهميتها وشخصياتها ثم خلص إلى القول "يبني كاتب السيناريو وحيد حامد والمخرج مروان حامد من رواية الأسواني رؤية ساخرة وقاسية للواقع المصري اليوم، الذي يمتلئ بالمسالك البشعة وأنصاف الحقائق. ورغم طوله المفرط يعتبر "عمارة يعقوبيان" عملا ممتعا بالإضافة إلى تصويره الرائع. والمرء يود أن يتصور أن اثنين من المخرجين العظام في مصر هما عاطف الطيب وصلاح أبو سيف، اللذين توفيا في التسعينيات، كانا سيشعران بالسعادة لمشاهدة فيلم مصري على هذا المستوى يعرض على الساحة العالمية".

مقارنة مع "المواطن كين"
مجلة "إمباير" السينمائية الخفيفة منحت الفيلم 4 نجوم (من 5) وعلقت تعليقا سريعا فوصفته بأنه "مزيج ملحمي من القصص التي تدور في القاهرة المعاصرة. التمثيل رائع ويشدك للمشاهدة".
أما مجلة "سايت آند ساوند" أعرق المجلات السينمائية البريطانية فقد خصصت مساحة أكبر لتحليل الفيلم ورحب ناقدها علي جعفر (لبناني الأصل) كثيرا بالفيلم واعتبره "محاولة جرئية لتقديم صورة شاملة لمصر المعاصرة، والفيلم يتناول كل شئ، من الفساد إلى الأصولية الإسلامية والشذوذ الجنسي".
ويتوقف الناقد أمام المشهد الأول من الفيلم الذي يروي تاريخ عمارة يعقوبيان ويقارن بينه وبين مشهد الجريدة السنيمائية في فيلم "المواطن كين" التي تلخص حياة البطل، كما يشيد بالممثلين وخاصة أداء عادل إمام.
غير أنه يتوقف في النهاية عند عدد من الملاحظات السلبية مثل الطريقة التي تناول بها الفيلم موضوع الشذوذ الجنسي، والتبسيط في تصوير تحول طه الشاذلي من طالب مجتهد إلى إرهابي، والوقوع في الميلودراما ومحاكاة أسلوب مسلسلات التليفزيون. لكنه يعود فيقول إن صناع الفيلم "يستحقون التحية.. لشجاعتهم في الكشف عن النفاق الكامن في المجتمع المصري".
وبشكل عام يمكن القول إن الاهتمام النقدي في الصحافة البريطانية بفيلم "عمارة يعقوبيان" جاء أولا بسبب ما أثارته رواية علاء الأسواني من اهتمام سابق على ظهور الفيلم، وما اكتسبته من سمعة جيدة في الأوساط المثقفة خاصة بعد صدورها في ترجمة انجليزية.
ثانيا: تركز الاهتمام بالفيلم في معظمه، على الجانب السياسي والاجتماعي وبالتالي تعامل معه كظاهرة اجتماعية أو سيوسيولوجية وليس كعمل فني أساسا، وربما تتشابه هنا نظرة النقاد الانجليز مع نظرة النقاد المصريين للفيلم.
أما عند التعرض للجوانب الفنية فيتفق معظم النقاد على اعتبار الفيلم أقرب إلى المسلسلات المعروفة بـ "أوبرا الصابون" التي تقدم شخصيات متعددة وتركز عادة على الجوانب المثيرة والفضائحية في حياتها.
كذلك أشار معظم النقاد إلى الطول المفرط للفيلم، وإلى التكرار والاستطرادات، لكنهم أجمعوا على براعة الأداء التمثيلي.

4 comments:

مجنون سينما يقول...

فعلاً ه الفيلم كما وصفوه "يتشاف" و لا تشعر بطول الفيلم أثناء مشاهدتك له، "معمول كويس"...و لكن هناك نقطة لم يطرحها أحد سواء في مصر أو خارجها و هو تصوير شخصية "ملاك أرومانيوس" (أحمد بدير) بأسلوب كريكاتوري بل و بنوع من العنصرية حيث إنه يشبه الشخصيات اليهودية التي نجدها في مسرحيات "شكسبير"....

Galila يقول...

شكرا جدا يا أستاذ أمير إنك اطلعتنا علي رأي النقاد في إنجلترا علي فيلم " عمارة يعقوبيان" و لكن يهمنا نعرف رأي حضرتك , لأن الفيلم في إعتقادي كان تجربة مهمة, و أحب أعرف تقييم حضرتك ليه.
جليلة

أمير العمري يقول...

عزيزتي جليلة:
رأيي في الفيلم لا يختلف عن آراء النقاد الانجليز والمصريين: رواية جيدة تبدو وكأنها مكتوبة خصيصا للسينما، وفرت أرضية جيدة لسيناريو سهل جدا، وفيلم جيد بشكل عام ولكن يعاني من الاطالة والاستطرادات ومصنوع بطريقة المسلسلات التليفزيونية، وأبرز ما فيه التمثيل أما الإخراج فلا يزال الطريق طويلا أمام هذا المخرج لاثبات وجوده.

Galila يقول...

شكرا علي إهتمام حضرتك.. و مبسوطة إني عرفت رأيك

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com