الخميس، 25 سبتمبر، 2008

كلاسيكيات حديثة: "اسكندرية ليه؟"

هذا المقال كتب ونشر عام 1978 أي منذ ثلاثين عاما، بعد عرض فيلم يوسف شاهين تجاريا في مصر. وهو بالتالي يعبر عن وعي وفكر صاحبه في ذلك الوقت ومنهجه في النقد والتحليل، بدون أي اضافة أو حذف.
منذ فيلم"الأرض" (1969).. ظل يوسف شاهين يقدم أفضل إنجازات ذلك الإتجاه الآخر المتقدم داخل السينما المصرية، أو الإتجاه نحو سينما تفكر أو سينما تسعى لتقديم الفكر والمتعة الفنية في آن، وتطمح الى تغيير الأذواق السائدة للمشاهدين ولو عن طريق الصدمة البصرية.
وقد قطع يوسف شاهين، شوطاً رائعاً على طريق تحرير أداته السينمائية وتحويلها الى وسيلة لتناول الواقع الذي يعايشه، من خلال رؤيته الذاتية الخاصة لهذا الواقع.
في فيلم"الإختيار" ـ الذي أخرجه عام 1970 ـ قدم شاهين نقداً ذاتياً مريراً كونه أحد المثقفين المصريين الذين شاركوا بسلبيتهم وعجزهم وإنعزالهم عن الواقع، فيما حدث عام 67. ثم عاد في" عودة الإبن الضال" (1976) لكي يعكس إجتهاده الخاص في فهم طبيعة التحولات داخل البنية السياسية والفكرية للطبقة الوسطى المصرية خلال فترة صعودها وحتى مرحلة التردي والإنهيار التي أعقبت هزيمة 67. أما في "اسكندرية ..ليه" ـ الذي أنتجه بالإشتراك مع هيئة الإذاعة والتليفزيون في الجزائر عام 1978ـ فإنه يتناول ما يمكننا أن نطلق عليه بدايات تكون وعي الفرد داخل الطبقة.. في علاقته بذاته وطموحاته وأحلامه وفي علاقة طبقته بالطبقات الأخرى وبالمجتمع ككل. ومن خلال ذكرياته الخاصة وإنطباعاته عن بدايات تفتح وعيه، يتأمل يوسف شاهين في الجوانب السياسية والإقتصادية والثقافية التي ساهمت في صنع التكوين الفكري لأبناء الجيل الذي ينتمي اليه، بكل تناقضاته وصراعاته وآماله وإحباطاته وتشوشه الفكري، وسعيه في الوقت نفسه، الى تجاوز ذلك التشوش نحو رؤية أوضح للواقع والمجتمع. لكن" اسكندرية.. ليه" من الناحية الأخرى، ليس بحثاً منهجياً حول صراع الطبقات في مصر في الأربعينات، أو تحليلاً سياسياً متكاملاً لوضع جيل الاربعينات ـ أي الجيل الذي كان يجتاز مرحلة الشباب في تلك الفترة ـ في علاقته بالتغيرات التي أحدثتها الحرب العالمية الثانية والتي إنعكست بشدة على البنية الإقتصادية والسياسية. ان تناول "اسكندرية .. ليه" على هذا النحو، لن يؤدي فقط الى افساد مشاهدتنا له، وإنما سوف يصبح في نهاية الأمر، نوعاً من التعسف والقسر، الذي يلوي عنق الحقائق ويختزل العمل الفني الى معادلات ذهنية ساذجة.
الفيلم يمس كل هذه الجوانب بالطبع. ولكن "اسكندرية .. ليه"، على نحو ادق، يمكن إعتباره رؤية شاعرية لفنان.. أو "بورتريه" وضع خطوطه فنان يشعر بحب شديد واحساس دافق تجاه مدينته التي نشأ وتربى فيها، عاكساً من خلال خطوطه وألوانه، إنطباعاته الخاصة عنها في تلك الفترة، كمدينة للطموح والأحلام والحب والنضال والحرب والجشع والتمرد والثورة.
و"اسكندرية.. ليه" على هذا النحو اذن، يمكن اعتباره "رؤية ذاتية" .. ولكنها رؤية ذاتية تنبع من خيال موضوعي. أي أن الرؤية الذاتية هنا ليست مستمدة من مجرد إنطباعات عابرة أو مذكرات قديمة كتبت في فترة وقوع الأحداث، ولكنها رؤية تكونت خلال نمو الوعي لدى الفنان طوال أكثر من ثلاثين عاماً. وعندما أعاد هو صياغتها في أواخر السبعينات استعان بخبراته الفكرية التي ساعدته على هضم وإستيعاب كافة الجوانب الموضوعية التي أحاطت بواقعه وحكمت منطق حياته خلال تلك الفترة.
"اسكندرية .. ليه" هو أكثر أفلام يوسف شاهين نضجاً وتحقيقاً لفكرة المزاوجه بين الذات والواقع. وسوف يبقى هذا الفيلم باستمرار مفتاحاً لفهم مسيرة مخرجه حتى اليوم. و"اسكندرية .. ليه" أيضاً هو عودة الى الماضي على نحو ما، أو "فلاش باك" طويل يتأمل فيما وراء "الإختيار" و" الإبن الضال" . ولا تصدر العودة الى الماضي هنا عن رغبة في الهروب من مواجهة الحاضر، بقدر ما هي محاولة لفهم الحاضر وتفسيره في ضوء الماضي.
أحلام الهروب
داخل بورتريه " اسكندرية .. ليه" هناك "يحيى" الذي يعبر عن يوسف شاهين نفسه عندما كان شاباً في الثامنة عشرة من عمره، ينتمي الى أسرة من الطبقة التي تتملكها دائماً فكرة الترقي والصعود الى صفوف الشريحة العليا في المجتمع. ولكن لأن اسرة "يحيى" لم تكن تمتلك ذلك المشروع التجاري الحر الكبير الذي يكفل لها الصعود، كان يتعين عليها أن تواجه ظروفاً قاسية خلقتها الأوضاع المعقدة للحرب العالمية الثانية. ودفع تمسك الأسرة بالمظاهر الإجتماعية السائدة، الى التضحية بالكثير من أجل أن تلحق إبنها " يحيى" بكلية فيكتوريا.. حيث يدرس أبناء الباشوات والأرستقراطية المصرية. من أجل هذا، ترك والد يحيى المحاماة والتحق بوظيفة تضمن له دخلاً ثابتاً يقتطع اغلبه لدفع تكاليف الدراسة لإبنه.
لكن الأسرة لا تزال أيضاً تتمسك بالتقاليد المظهرية لحياة الطبقة الوسطى. افرادها مشغولون طوال الوقت باعداد الطعام واستقبال الزوار والثرثرة والتردد على محال البضائع الإستهلاكية ومحاولة نسيان الأزمة من خلال الإستغراق في لعب الورق. كما يسعون أيضاً الى العثور على بعض الحلول، فهم يدبرون لتزويج إبنتهم والتخلص من أعبائها، الأب "قدري" يسافر الى لبنان للبحث عن مخرج لأزمة الأسرة، وتؤجر الأسرة الشقة المطلة على البحر مقابل مبلغ من المال، ثم تنتقل الى مسكن متواضع في أحد الأحياء الشعبية. في نفس الوقت، تتمسك الأسرة بالقيم الوطنية التي تتمثل في رفض الإستفادة من الأوضاع الفاسدة الموجودة، حيث كان التعامل مع الإنكليز يمثل أحدى وسائل تحسين الوضع الخاص. فلا يزال عائلها ـ المحامي السابق ـ يستطيع الصمود في وجه الإغراءات، يتبنى الدفاع عن قضايا الرأي التي يعلم مقدما أنها خاسرة، فضلاً عن عدم تحقيقها أي مكسب مادي له!
وسط هذه "التركيبة" يهرب يحيى لتحقيق الذات عن طريق التمثيل والموسيقى، مثله الأعلى نجوم هوليوود في الأربعينات.. يتضح هذا في ادمانه على مشاهدة السينما الأمريكية الشائعة كما نزى في المشهد الأول.
الحلم الأمريكي
ويتميز " يحيى" عن زملائه وأصدقائه الأرستقراطيين من أبناء " كلية فيكتوريا" بحساسيته المفرطة التي تدفعه الى رفض ممارسة الجنس مع احدى العاهرات التي يلتقطها زملاؤه من الشارع ويمارسون معها الجنس في سيارتهم. كما يتفوق عليهم بذكائه الحاد وطموحاته.. ومحاولته التسامي على وضعيته عن طريق التعلق بحب المسرح والتمثيل والتصوير السينمائي أيضاً، كما نرى في مشهد أدائه لدور "هاملت" أمام زملائه في الفصل الدراسي، أو من خلال الفيلم السينمائي الذي يقوم بتصويره وعرضه على اصدقائه، وهو فيلم حقيقي من الأرشيف الخاص ليوسف شاهين، صوره عن فترة دراسته بكلية فيكتوريا وأدخله في الفيلم لكي يؤكد على عدم إنفصاله عن بطله الذي يمثل دوره.
وبينما يسعى والد يحيى لإعداده لتقبل فكرة دراسة الهندسة، كمهنة محترمة مضمونة النجاح، تستقر فكرة دراسة التمثيل داخل وعي يحيى الذي يرى أيضاً أنها مهنة لا تقل احتراماً.. ولم لا؟! وبالتدريج تكبر الفكرة عنده وتتحول الى حلم طاغ بالسفر الى أمريكا لدراسة التمثيل، فأمريكا هي القوة الجديدة الصاعدة في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية ورمز الحرية بالنسبة لجيل يحيى.

وتتكشف مدى قوة ذلك الحلم، عند مقارنة تردد "يحيى" وخجله من حضور حفل بمنزل أحد أصدقائه الأرستقراطيين بسبب رداءة ملابسه، وبين جرأته التي تدفعه الى التوجه لمقابلة احدى أميرات العائلة المالكة في قصرها لكي يطلب منها مساعدته في تقديم حفل تمثيلي. في الحفل، وعند مواجهته الجمهور لأول مرة، يفشل بطلنا تماماً وتتهاوى مجهوداته. ولكن الفشل يدفعه الى التمسك أكثر، بفكرة السفر والدراسة. ويستقر الأمر أخيراً داخل أسرته، على احتضان فكرته.. تحقيقاً للحلم الذي يراود الأسرة أيضاً بأن يصبح يحيى " شيئاً كبيراً" .. كما تردد الأم.
من ناحية أخرى، هناك أسرة "محسن" .. صديق يحيى وأبن شاكر باشا (فريد شوقي) غني الحرب، الذي استطاع عن طريق عقد الصفقات مع الإنكليز، أن يحقق ثروة طائلة وان يمتلك شركة للنقل البحري يستغل عمالها الى أقصى حد. وهو ينظر باستعلاء الى أسرة يحيى، ويستنكر محاولتها تدبير المال اللازم لتغطية تكاليف رحلة يحيى الى أمريكا، حيث يعتبرها نوعاً من الجرأة والرغبة في مناطحته شخصياً. فهو يريد أن يرسل ابنه لدراسة الإقتصاد في انكلترا وينزعج كثيراً من تذكير ابنه له بأن ما يطلبه منه من مال للمدرسة لا يوازي جزءاً زهيداً مما يقتطعه "الباشا" من عمال شركته. ويعلق الرجل بقوله: " الولد بيتكلم زي الولاد الشيوعيين"!
شاكر "باشا" يشتري الباشوية بأمواله، ويسعى لحماية ثروته وحياته من انتقام الوطنيين الذين يهددون باغتيال كل من يتعاون مع المحتلين الإنكليز، فيشتري سيارة لا يخترق زجاجها الرصاص. ولكن كل ما حققه يصبح مهدداً بالضياع نتيجة للإنتصارات التي يحققها الألمان على سادته الإنكليز، واقترابهم من غزو مصر عن طريق الاسكندرية.
ويلعب التهديد النازي بالغزو، دوراً مصيرياً أيضاً في حياة أسرة اخرى، هي أسرة "دافيد" الصديق الثاني ليحيى وهي أسرة يهودية مثل كثير من الأسر اليهودية الثرية التي كانت تعيش في الاسكندرية ولكنها تبدو مختلفة على نحو ما. فوالد دافيد(الذي يلعب دوره يوسف وهبي) هو رجل يمتلك رؤية سياسية واعية، تجعله يربط بين ظهور البترول في السعودية وبين الدعم "الإمبريالي" الحتمي لقيام دولة اسرائيل في فلسطين. كما يتنبأ بأحداث عنيفة سوف تجتاح المنطقة بأسرها لسنوات طويلة قادمة. وهو احد اقطاب الحركة اليسارية المصرية في الأربعينات كما يتضح في مشهد الإجتماع السياسي الذي يعقده في منزله.
وترتبط "سارة" شقيقة دافيد، بعلاقة حب قوية مع ابراهيم (احمد زكي).. الشاب "المسلم" الذي يدرس الحقوق، وينتمي أيضاً لأحدى المنظمات الشيوعية التي تكونت في تلك الفترة كما يحضر الإجتماعات التي يعقدها والد سارة في منزله. وفي احد مشاهد الحب التي تجمع بين ابراهيم وسارة. يهمس لها معترفاً بأنها هي التي فتحت عينيه على الطريق الصحيح. والفيلم يشير هنا الى علاقة اليهود المصريين بنشأة التنظيمات الشيوعية في الأربعينات، وهي حقيقة تاريخية بلا شك ، لها أسبابها ومنطلقاتها وظروفها المعروفة.
ومع اقتراب الاختراق النازي من الحدود المصرية، تضطر أسرة دافيد الى الهجرة.. الى جنوب افريقيا أولاً، ثم الى حيفا في فلسطين بعد ذلك. وبينما يذهب دافيد الى امريكا للدراسة العسكرية لكي يصبح فيما بعد ـ في الغالب ـ جندياً في جيش الصهيونيين، تعود سارة الى الاسكندرية وتقوم بزيارة ابراهيم في السجن الذي يقضي فيه فترة عقوبة لمناهضة النظام، وتقص عليه ما شهدته في فلسطين من اعمال العنف والإرهاب التي يمارسها اصحاب "الجنسية الجديدة" كما تقول. ولا نعرف كثيراً عن نشاط ابراهيم ـ قبل دخوله السجن ـ سوى انه يناصر العمال في صراعهم الاقتصادي ضد شاكر باشا.
تخلف الطبقة العاملة
ينتقد الفيلم ايضاً تخلف الوعي عند الطبقة العاملة المصرية في تلك الفترة، عندما يجعل العمال بعد حصولهم على حقوقهم من الباشا، يذهبون لارتياد احدى الحانات حيث ينفقون النقود في احتساء الخمر والثرثرة ثم الغياب عن الوعي! ويشير كذلك، الى عزلة المثقفين الثوريين عن العمال، عندما يجعل احدهم يعبر عن عدم فهمه لما يقول له ابراهيم، ثم يعبر عن سخريته من طريقته في الحديث معه .. فيقول انه لا يجد اختلافاً بين طريقته وبين الطريقة المتعالية الجوفاء التي يتحدث بها شاكر باشا معهم!
يركز الفيلم على العلاقة الشاذة التي تنشأ بين عادل بك (شقيق زوجة شكار باشا)، وهو ارستقراطي عاطل بالوراثة يحيا على اموال شقيقته وزوجها، وبين جندي بريطاني من جنود الإحتلال الذين يترددون على صالات اللهو المنتشرة في الإسكندرية. يقول عادل بك عن نفسه انه "ارستقراطي شريف".. وطني يمارس الوطنية على طريقته الخاصة. فهو يشتري الضباط والجنود الانكليز السكارى، يقوم بتوريدهم له احد "البلطجية" المحترفين "مرسي" (عزت العلايلي) ويتولى عادل بك الفتك بهم، من اجل ان يصبح بامكانه ان ينام مطمئناً الى وطنيته!
ولكن عادل بك يرثى لحال جندي بريطاني شاب اتاه به "مرسي"، ويلتقطه، وتنشأ بينهما علاقة حب مبهمة، يحيطها يوسف شاهين بجو شاعري، ويقدمها برقة بالغة، للإشارة الى موقفه الإنساني الذي يتمثل في ضرورة التعايش بين البشر جميعاً، وعن حاجة البشرية الى الحب والسلام.
ويتدعم هذا الموقف ، في مشاهد أخرى يزدحم بها الثلث الأخير من الفيلم ، حيث نرى محاولة للربط بين حزن عادل بك على سقوط صديقه الإنكليزي قتيلاً في المعارك، والمشاهد التسجيلية للدمار الذي خلفته الحرب في المدن الأوروبية والألمانية، واللقطات الطويلة لمقابر العلمين وضحايا الحرب.. الخ.
ولا يخلو الفيلم ـ على أية حال ـ من وجود حس عام واضح، حول فكرة التعايش بين الأديان وبين البشر عموماً. وهي فكرة لا غبار عليها في حد ذاتها غير ان تناولها على نحو مجرد، يمكن ان يقود الى بعض المنزلقات الفكرية. فشاهين يتعامل مع اغلب شخصياته، بإعتبارها ضحايا يتعاطف معها، ويلتمس لها الأعذار كما يتحسس الجوانب الإنسانية والإيجابية الكامنة في ضحاياه، ويسعى لإبرازها.. ابتداء من الضباط الأرهابين وأسرة البطل والباشا والبلطجي، الى عادل بك والأسرة اليهودية والجندي البريطاني، وأيضاً ذلك النموذج الذي يقدمه بسرعة لأحد المتعاونين مع الفاشيين الإيطاليين حيث نرى جنود الحكومة يسحبونه في الشارع وسط صراخ زوجته!
"عادل بك" ـ رغم وطنيته ذات الطابع الفاشي، هو انسان يمتلك الإحساس الرقيق بالإنسان والحياة. ويدعم طموحات" يحيى" ويساعده في التدريب على الحفل الإستعراضي، وهو الذي يدافع عن حق أسرة يحيى في تحسين مستواها امام استنكار شاكر باشا. وعندما يتطلع صديقه الجندي البريطاني الى القصر الذي يعيش فيه ويعلق قائلاً ان هناك من يعيشون في رفاهية رغم التخلف الحضاري العام للبلد، يذكره "عادل بك" في وطنية نادرة، بأن أجداده المصريين كانوا يبنون الأهرامات في الوقت الذي كانت جدته تتناول افطارها بقضم ذراع جده!

الطابع الفردي

ويتمتع شاكر باشا نفسه بطيبة القلب التي تجعله يساعد ـ بطريقة غير مباشرة ـ ابنه وصديقه يحيى في اقامة حفلهما التمثيلي، عن طريق نقوده واتصالاته مع اصحاب الفرق الإستعراضية. وهناك ايضاً الأميرة الاستقراطية التي تدعم نشاط يحيى وزملائه.. وهكذا.
ويرصد الفيلم، منذ بدايته، تفجر النزعة الوطنية لدى الضباط المصريين، ومحاولتهم البحث عن طريق للخلاص في ذلك الوقت. ويتتبع الفيلم سلوكهم طريق الإرهاب وتنظيمهم الاغتيالات ضد المتعاونين مع الانكليز، ويدين رؤيتهم القاصرة التي صورت لهم مثلاً ان اغتيال تشرشل عند زيارته مصر، يمكن ان ينهى الحرب لصالح الالمان، ويفتح امامهم الطريق لتخليص البلاد من الانكليز، وهي النظرة التي انتقدها جمال عبد الناصر بشدة في كتابه "فلسفة الثورة" فيما بعد.
ينتقد الفيلم ذلك الطابع الفردي والمغامر والنظرة المراهقة في حل قضايا الواقع، التي كانت تسيطر على الضباط الوطنيين "الأحرار" من خلال المشهد الذي نرى فيه احدهم وهو يمسك بمسدسه ويشير تجاه قصر رأس التين بالإسكندرية حيث ينزل الملك فاروق، ويقول ان رصاصة واحدة كفيلة بالقضاء على الطغيان. كما يشير الفيلم الى افتقاد هؤلاء الضباط الى خلفية ثقافية وايديولوجية والى الطابع التجريبي الذي كان يحكم نظرتهم. يقول احدهم لزميله ان "حليف اليوم عدو الغد" .. وعندما يسأله زميله متعجباً عن المصدر الذي قرأ العبارة فيه، يقول انه لم يقرأها في اي مصدر بل فكر فيها لتوه.
ويشير الفيلم ايضاً الى اتصال الضباط بالاخوان المسلمين للحصول على تأييدهم واتصالهم بتنظيمات اليسار.. فأحدهم يقوم بتكليف والد يحيى المحامي بالدفاع عن "ابراهيم" الشيوعي بعد اعتقاله.
ومن الحقائق التاريخية التي يوليها الفيلم عنايته ويتتبعها، اتصال الضباط الوطنيين بالألمان النازيين قبل معركة العلمين، اشارة الى الاتجاه الذي كان يرى ان خلاص مصر من الاحتلال البريطاني يكمن في التعامل مع اعدائهم الالمان.
ويربط شاهين في الكثير من اجزاء فيلمه بين المشاهد التسجيلية لمعارك الحرب العالمية الثانية، كما يدخل مشهداً لاضطهاد اليهود ومطاردتهم في شوارع المدن التي يحتلها النازيون، لكي يخلق مقارنة بين وضع اليهود الأوروبيين واضطهادهم على ايدي النازي، وبين وضع يهود الاسكندرية الذين كانوا يعيشون في سلام ورفاهية، حيث يجيء رحيلهم ـ أسرة دافيد مثالاً ـ هرباً من اقتراب الخطر النازي وليس نتيجة لاضطهاد من اي نوع.
ويعتني الفيلم عناية خاصة بتقديم شخصياته من خلال مشاهد اللقاء والوداع. فالاسكندرية هي ايضاً مدينة اللقاءات والافتراقات. هناك اللقاء بين سارة وابراهيم في احد الاجتماعات السياسية، وهناك اللقاء الاول بين عادل بك والجندي البريطاني الشاب، وهناك مشهد الفراق بين ابراهيم وسارة بسبب رحيل الأسرة اليهودية، ثم لقاؤهما في السجن بعد عودة سارة. وهناك مشهد الوداع بين عادل بك وتومي بعد ذلك. وبينما كان محتماً ان تلتقي سارة وابراهيم وتستمر علاقتهما التي اثمرت طفلاً، تنتهي العلاقة الشاذة والمستحيلة بين عادل بك وتومي.. لانها علاقة بين مصري وجندي من جنود الإحتلال، رغم احتمال كونه ضحية اخرى من ضحايا الاحتلال نفسه. وفي هذا المشهد يقوم" تومي" بادانة وطنية عادل بك ورؤيته المريضة عندما يقول له ان قتل سكير ان سكيرين من جنود الانكليز لن يؤثر في وجود الاحتلال البريطاني.

شاعرية حزينة
وهناك ايضاً مشهد مغادرة العائلة اليهودية للاسكندرية، الذي صوره شاهين بشاعرية حزينة، ومشهد وداع يحيى صديقه محسن عند سفره الى انكلترا بعد انتهاء الحرب، ثم وداع اسرة يحيى له عند سفره الى امريكا في النهاية. ويستخدم شاهين اسلوب "الفلاش باك" مرتين خلال الفيلم. المرة الاولى عندما يتذكر " يحيى" طفولته وحادثة اسقاطه شمعة عيد الميلاد التي احرقت جزءاً من تمثال المسيح وصراخ جدته العجوز التي تتهمه بحرق المسيح، ثم وفاة شقيقه الأكبر، وتمنيات الجدة بوفاة الأصغر "يحيى" بدلاً من الأكبر.. وهو المشهد الذي يترك تأثيره الحزين على نفسية "يحيى" الشاب ويرسم احساسه المأسوي تجاه العالم. وقد صوره يوسف شاهين بكاميرا حرة مهتزة وباستخدام عدسة مشوهة للمنظور تأكيداً لإبراز طابعه الكابوسي.
المرة الثانية التي يستخدم فيها " الفلاس باك" عندما تحكي سارة لأبراهيم عن الإرهاب الصهيوني في فلسطين.. حيث نرى احد اعمال العنف الذي يمارسه اليهود ضد العرب، كسبب مباشر لفرارها وعودتها الى الاسكندرية. في نفس المشهد. الذي لم تكن هناك ضرورة له في رأينا. نرى الاب اليهودي جالساً في سيارته يعلن بصوت قوي وبنفس طريقة الاداء المسرحي الشهير ليوسف وهبي، ادانته للارهاب" تحت اي عذر ومهما كانت الدوافع" . لكن الفيلم مع ذلك يتركنا دون ان نعرف على وجه التحديد ما اذا كان الرجل عاد الى مصر ام فضل البقاء في اسرائيل.
ومن بين العناصر المثيرة والمتميزة في الفيلم، تحول النجوم الذين استعان بهم يوسف شاهين، الى ادوات في يد المخرج يستعين بهم في صياغة افكاره ورؤيته، دون ان ينفرد احدهم باحتلال مساحة كبيرة من الاداء التمثيلي باستثناء الممثل " محسن محيي الدين" الذي قام بدور "يحيى" .. وبذل في ادائه مجهوداً كبيراً لكن دون الارتفاع الى المستوى المطلوب في اداء شخصية بمثل هذه الخصوصية والتعقيد.. مما اسقط اداءه في الميلودرامية والمبالغة في لحظات كثيرة.
وعلى الرغم من كل التحفظات الممكنة حول البناء الفكري او المعالجة السينمائية، الا ان "اسكندرية .. ليه" يظل تجربة طموح لمخرج معطاء يتطور على نحو مدهش ممتلكاً القدرة على اثارة خواطر مشاهدية ، طارحاً نماذج جريئة لسينما الفكر.
المشهد الأخير الذي نرى فيه بطلنا يواجه تمثال الحرية الشهير القائم على مشارف نيويورك، وفي عينيه يبدو فزع غامض، ثم تتحول لقطة التمثال الى لقطة لامرأة عجوز قبيحة تدوي بضحكات هستيرية مجنونة وتغمز بعينيها في تهتك واضح، يشير الى سخرية يوسف شاهين من ذلك الحلم الزائف الذي راوده في شبابه وراود ابناء جيله جميعاً في الاتجاه غرباً.. الى رمز العالم الحر.

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com