الأحد، 28 سبتمبر، 2008

"الغوريلا تستحم عند الظهر"


تحية لدوسان ماكافييف
(مع فيديو)

"الغوريلا تستحم عند الظهر" Gorilla Bathes at Noon ليس فيلما جديدا بل مضى عليه حتى الآن 15 عاما بالتمام والكمال. إنه الفيلم الذي أخرجه واحد من أهم السينمائيين في عالمنا المعاصر، وهو السينمائي المبدع دوسان ماكافييف Dusan Makavejev، الذي لم يعد بكل أسف، في استطاعتنا أن نقول عنه "اليوغسلافي" بعد ان تفككت يوغسلافيا، وتفككت معها مدرسة سينمائية مهمة.
ويمكن القول إن "الغوريلا تستحم عند الظهر" آخر الأعمال البارزة في مسيرة مخرجه الذي بدأ بداية قوية في الستينيات، في زمن بيروقراطية الحزب الشيوعي، وديكتاتورية زعيم يوغسلافيا القوي تيتو، لكنه أخرج أعظم أفلامه في تلك الفترة. فهل هذه مفارقة؟

لقطة من فيلم "الغاز الكائن البشري"

ماكافييف الذي تجرأ على انتقاد الحزب والجمود السياسي والمذهبي في أفلامه الثلاثة الأولى التي سخر فيها كما يشاء من النظام، بل ودعا في فيلمه الأشهر "ألغاز الكائن البشري" The Mysteries of the Organism إلى الحرية الجنسية كوسيلة لتحرير المجتمع استنادا إلى نظريات العالم الألماني الشهير فيلهلم رايخ، انتهى بأن هاجر إلى الولايات المتحدة حيث قام بتدريس السينما لسنوات في كاليفورنيا، ثم صنع عددا من الأفلام منها "مونتنجرو" و"طفل الكوكاكولا" و"فيلم حلو" قبل أن يقدم آخر أفلامه المهمة وهو "الغوريلا" الذي عرض عروضا محدودة عام 1993. ولا نعرف ما هو مصير ماكافييف حاليا بعد أن تقدم في العمر. ربما لايزال يدرس السينما ويعيش على الماضي الذي كان.

سينما التجريب
كان ماكافييف، الذي درس علم النفس قبل أن يدرس السينما والتليفزيون، مهتما بالتجريب، وبخلق لغة جديدة، بصرية، يستخدم فيها أسلوب "الكولاج" الشائع في الفن التشكيلي. وقد وصل سينمائيا إلى السيريالية، وفكريا إلى الفوضوية أي التمرد على كل المؤسسات الاجتماعية ورفضها.

أما "الغوريلا تستحم عند الظهر" فهو فيلم درامي- تسجيلي، فيه ملامح كثيرة من أسلوب ماكافييف المعروف: تداخل السرد، الكولاج، التعليق الصوتي، استخدام مواد من الأرشيف، المزج بين الخيال والواقع، الاعتماد على لامنطقية الأحلام التي يمزجها أيضا بالهواجس الشخصية بالواقع، وتوليد الضحك من الماساة. لكن الفيلم رغم ذلك، تشيع فيه لمسة من الحزن والرثاء لعصر كامل ولي، ومفاهيم زالت، ولم يبق منها سوى رأس لتمثال مقطوع للزعيم الشيوعي فلاديمير التيش (لينين) الذي ألهم الملايين في الماضي وحتى الماضي القريب. هل عاد ماكافييف بعد زوال العصر السوفيتي للترحم على ذلك العصر؟
يعتمد الفيلم على الممثل الواحد الذي يروي القصة في سياق أشبه بـ :المونولوج". إنه جندي في الجيش السوفيتي الأحمر السابق، كان متمركزا مع القوات السوفيتية في ألمانيا الشرقية السابقة، وقد ادخل المستشفى في وقت ما لتلقي العلاج. وعندما غادرها وجد أن جيشه قد رحل وتركه في الخلف، الأمر الذي اعتبره نوعا من "الخيانة" الشخصية له، هو المخلص كل الإخلاص للقيم والمبادئ الايديولوجية التي تربى عليها الجيش الأحمر. لقد هرب جيش كامل من الخدمة تاركا وراءه جنديا واحدا متمسكا بأداء الواجب.
يستمر الجندي، ويدعى فيكتور بورسيفيتش، في القيام بواجبه، محافظا على زيه العسكري الرسمي اللامع، رافضا قبول فكرة أن كل ما ناضل من أجله طيلة حياته قد انتهى. إنه ابن ذلك البطل القومي السوفيتي الذي كان أول من رفع العلم الأحمر فوق مبنى الريشتاغ الألماني (البرلمان) في قلب برلين بعد دخول القوات السوفيتية ودحر النازيين عام 1945.

التداعي والواقع
في النصف الأول من الفيلم يستخدم ماكافييف لقطات من الفيلم السوفيتي التسجيلي الشهير "سقوط برلين"، وهو من كلاسيكيات المرحلة الستالينية في السينما السوفيتية: لقطات للجموع في تحية القائد ستالين أمام الكرملين، لقطات لدخول الجنود السوفيت إلى برلين.. هذه اللقطات تتداعى دائما في مخيلة بطلنا الجندي وهو يواجه مصيرا آخر عبثيا تماما.

يقبضون عليه ويودعونه السجن لفترة، ثم يطلقون سراحه ويعطونه بطاقة سفر لكي يعود إلى بلاده، إلا أنه يبيعها مقابل حفنة من الماركات سرعان ما تنفد فيلجأ إلى سرقة بعض الفاكهة حتى لا يموت جوعا.
يستمر في التجوال حتى يصل إلى منطقة خرائب خارج المدينة، يتخذها المتسولون والهائمون على وجوههم منطقة تجمع لهم بعيدا عن عيون القانون. يقيم علاقة بفتاة ضائعة.. يعثر على طفل رضيع ماتت أمه بعد أن شب حريق في منزلها أتى عليه تماما، يلتقط الطفل، ويعطيه للفتاة التي ترغب في تبنيه، يأتي تاجر من تجار السوق السوداء في زمن الانهيار، يعرض عليه مبلغا مغريا مقابل الحصول على الطفل. يتردد صاحبنا طويلا، لكنه يضطر للرضوخ تحت وطأة الإحساس بالجوع.

يتسلق تمثال لينين الضخم في ساحة المدينة، إنه يشعر تجاه التمثال بنوع من الرثاء بعد أن تدهورت حالته واصبح في حاجة للطلاء.. يذهب ويعود بمواد الطلاء ويتسلق التمثال ويبدا في طلائه بنفسه.
يقبضون عليه مرة أخرى ثم يطلقون سراحه، يقوم أخيرا تحت ضغط الحاجة ببيع زيه العسكري نقابل بضعة ماركات. وفي اللقطة الأخيرة نرى شاحنة ضخمة تحمل جسد ورأس تمثال لينين المقطوع إلى مثواه الأخير بينما يقف بطلنا في الساحة العامة الرئيسية وقد تأهب لبدء رحلة جديدة نحو عالم جديد.
يمتلئ الفيلم بالكثير من اللقطات التسجيلية التي صورت في بدايات حركة الاحتجاج التي انتهت بسقوط سور برلين ثم انهيارالدولة في ألمانيا الشرقية.
الممثل الواحد
وتعتبر تجربة اخراج الفيلم والاستعانة بالممثل المجري العظيم الذي قام بدور الجندي تجربة جريئة وربما أيضا غير مسبوقة في السينما الروائية، فالبطل يكشف لنا حقيقته في نهاية الفيلم عندما يواجه الكاميرا ويقول إنه ليس ألمانيا، وليس جنديا بالطبع، لكنه مجرد ممثل قام بتقمص الشخصية، وبذلك يزيل أي وهم لدى المشاهدين يتعلق بمرحلة ساد فيها الكثير من الأوهام أيضا.
إننا أمام رحلة أوديسية عبثية تبدا من "الفانتازيا" وتنتهي إلى الواقع الذي يظل قابلا لشتى التأويلات.
ورغم ما يحتويه الفيلم من نقد شديد لفكرة التمسك الأعمى بالأيويولوجية وإغفال التغيرات التي طرأت على الواقع، والإشارة إلى دور الإعلام التقليدي القديم في ترسيخ قيم ومفاهيم أحادية معينة، إلا أن الفيلم يحمل، على نحو ما، نغمة رثاء لعالم مضى، كما يعكس مخاوف صانعه من عالم جديد قادم.
في اللقطة الأخيرة يودع فيكتور زيه القديم، ويرفع أمام الكاميرا لافتة تحمل كلمات عن الحرية الكبيرة التي أصبح يتمتع بها بعد ان ودع ماضيه، لكننا نراه وحيدا ضائعا لم يصل بعد إلى نهاية رحلته الأوديسية، وربما لن يصل أبدا.

شاهد مشهد العناوين من "ألغاز الكائن البشري"

video

0 comments:

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com