الأربعاء، 27 أغسطس، 2008

حان الآن وقت السينما في فينيسيا



تداعيات وذكريات وحكايات من الماضي

عن الحب والموت والسينما في فينيسيا


بقلم: أمير العمري
amarcord222@gmail.com

مهرجان فينيسيا السينمائي بات على الأبواب الآن (من 27 أغسطس إلى 5 سبتمبر)، وأصبح يتعين علي أن أستعد له، بدراسة البرنامج بدقة، والتأكد من عدم نسيان أي شئ ضروري في رحلة ستستغرق 11 يوما، وتنشيط الدورة الدموية استعدادا للـ "المارثون" اليومي الذي يبدأ عادة في الثامنة صباحا، لمتابعة الأفلام، ولقاء السينمائيين، وحضور المؤتمرات الصحفية، وإعداد رسالة يومية إذاعية أو تليفزيونية، والتعليق الاذاعي اليومي على أحداث المهرجان، وكتابة مقال يومي للموقع الذي أعمل له، وربما أيضا تزويد هذه المدونة بمفكرة يومية، واللهاث من أجل قضاء احتياجات الحياة اليومية وتوفيرها في مكان يصبح من أغلى الأماكن على سطح الأرض.
مهرجان فينيسيا هو الأقدم والأعرق بين المهرجانات السينمائية في العالم، وهو صاحب "الاكتشاف" لفكرة التسابق بين الأفلام من دول مختلفة، ومنح جوائز، وإقامة مؤتمرات لتبادل الأفكار رغم أن مؤسسيه في زمن الفاشية كانوا يرغبون أساسا في جعله قلعة لإبراز تفوق الفن السينمائي في ايطاليا.
هذا المهرجان له عندي مذاق خاص، فقد كان أول المهرجانات السينمائية "الكبيرة" التي ابدأ التردد عليها عام ،1986، وكنت شاهدا على الكثير من المتغيرات التي أحاطت بهذا المهرجان السنوي الذي اطلق عليه مؤسسوه (في عهد الزعيم الفاشيستي بنيتو موسوليني عام 1932) اسم "موسترا" Mostra أي المعرض، فقد عرفت إيطاليا معارض الفن التشكيلي منذ زمن أبعد كثيرا من ظهور السينما نفسها كفن وصناعة. وكان الموسترا ولايزال، جزءا من "البينالي" الدولي للفنون التشكيلية والعمارة الذي يقام كل عامين. وقد تأسس في نفس عام مولد السينما رسميا أي عام 1895.
وللمهرجان عندي أيضا ذكريات كثيرة حميمية، ففي فينيسيا السينما وقعت في الحب، وكدت أقع في إحدى قنواتها، وقضيت أياما أعيش حلما سينمائيا ممتدا حينما كانت فينيسيا حقا مدينة مفتوحة، أي قبل أن يتحول المهرجان إلى قلعة حصينة، فأنت تخضع للتفتيش عند الدخول وعند الخروج من مقر الصحافة، وقاعات العروض، وكل حركتك مراقبة ومحسوبة، ولكنك لا تستطيع أن تتذمر أو تحتج أو حتى تشعر بالضيق في قرارة نفسك، فأنت تعرف جيدا أن هذا كله طبعا بسبب سلوكيات محسوبة على عدد من أبناء جلدتنا بكل أسف والمتباهين بفكرة اختطاف الحقيقة المطلقة!

شئ من التاريخ
لا أعرف السبب الذي حدا بمؤسسي "الموسترا ديلا تشينما" أو معرض السينما، أو مهرجان فينيسيا السينمائي كما نعرفه نحن، إلى إقامته في جزيرة "ليدو" Lido الصغيرة، وليس في قلب الجزيرة الرئيسية قرب ساحة سان ماركو الشهيرة التي تستقطب يوميا آلافا مؤلفة من السياح والزوار.
تاريخ المهرجان يقول إن الدورة الأولى منه عام 1932 أقيمت في قاعة في فندق إكسلسيور في ليدو. والفندق لايزال قائما ويستقبل نجوم السنيما وكبار السينمائيين وكانت به قاعة مخصصة حتى أوائل التسعينيات للعروض والندوات الصحفية التي تعقب عرض الأفلام.
أما أول فيلم عرض في المهرجان وفي اي مهرجان سينمائي في عالمنا فكان فيلم"دكتور جيكل ومستر هايد" الأمريكي للمخرج روبين ماموليان. ولم تكن هناك جوائز رسمية في الدورة الأولى، بل جوائز للجمهور من خلال استفتاءات خاصة.
أما الدورة الثانية فأقيمت بعد عامين، أي عام 1934 ومنح المهرجان جوائز في تلك السنة ولكن الذي منحها كان رئيس البينالي بعد أن تشاور مع عدد من السينمائيين الإيطاليين، أي من دون وجود لجنة تحكيم دولية. وكانت هناك جائزتان فقط لأحسن فيلم أجنبي واحسن فيلم ايطالي.

مع صلاح أبو سيف
وربما يكون سبب اختيار جزيرة الليدو كونها المصيف التقليدي تاريخيا للأرستقراطية الإيطالية، ومكانا رفيع المستوى يتميز بوجود عدد كبير من قصور الأثرياء. وقد صور فيسكونتي العظيم جزءا من فيلمه الشهير "الموت في فينيسيا" Death in Venice (1971) على شاطئ الليدو، وفي ردهات وقاعات فندق دي بان Des Bains، وهو ايضا لايزال قائما على فخامته القديمة الكلاسيكية. وقد جلست في بهو هذا الفندق مع المخرج الكبير الراحل صلاح أبو سيف عام 1986 عندما جاء لعرض فيلمه "البداية"، وكان المهرجان أيضا قد أقام له تكريما خاصا تلك السنة. وقد أجريت مقابلة مسجلة مع أبو سيف عن فيلمه ومسيرته السينمائية عموما، لم ينشر منها سوى الجزء الخاص بفيلم "البداية".
وكان مهرجان فينيسيا في الثمانينيات أكثر انفتاحا على السينما المصرية ورموزها، ربما لأن الكثير من كبار رموز تلك السينما كانوا لايزالون على قيد الحياة، وكانوا يثرون السينما بأعمالهم، وربما لأن مديري المهرجان كانوا أقرب في اهتماماتهم إلينا وإلى السينما العربية عموما: كان هناك في نفس العام 1986 المخرج التونسي الطيب لوحيشي مشاركا بفيلمه "مجنون ليلى".


الموت في فينيسيا
تذكرت وأنا جالس مع أبو سيف فيلم "الموت في فينيسيا" ومشاهده الكلاسيكية وموسيقاه التي تتسلل تحت جلد الصور وتشكل معها سيمفونية بصرية سمعية فريدة ذات مذاق خاص. إنه فيلم من أفلام التأملات الرفيعة، في الحياة والفن والمعاناة من أجل الإبداع، بطله كاتب، ينشد الوصول إلى لحظة الاستنارة، لحظة التجلي التي يخلص فيها لأفكاره، كما يقدم بإخلاص عصارة موهبته وفنه لقارئه. لكن العالم أيضا تغير، لم يعد على ما كان عليه، فقد انتهى قرن وبدأ قرن جديد هو القرن العشرين، انتهى عصر، وبدأ عصر جديد. وعندما تتجلى للكاتب- الفنان لحظة الأمل في عالم أفضل، يكون الوقت قد تأخر، فقد امتدت أصابع الموت من داخل مدينة غارقة في الوباء، مدينة تموت، ويبحث من لم يدركه الوباء بعد ويتمكن منه عن طوق نجاة للخروج من مدينة الموت.
أعتقد أنني شاهدت "الموت في فينيسيا" ما يقرب من سبع عشرة مرة. وكنت في كل مرة أكتشف فيه مناطق جديدة للتأمل. وقد كان هذا الفيلم هو الذي افتتحت به عروض نادي السينما الذي أسسته عندما كنت طالبا في الجامعة في السبعينيات. ولا يستطيع أي عاشق للسينما الحقيقية (وليس لسينما التسالي الأمريكية السريعة الشبيهة بالوجبات السريعة) أن ينسى مشهد موت الكاتب البطل (ديريك بوجارد) على الشاطئ، والصبغة السوداء تسيل على خده بينما تغمض عيناه تدريجيا، وهو مسترخ على أحد مقاعد الشاطئ الطويلة الممددة للخلف.

المشهد يبدأ كالتالي: الصبي الغامض الذي يسحر بطلنا ويتمثل فيه الأخير الحياة بكل براءتها وشقاوتها وحيوتها وغموضها أيضان يسير متجها نحو البحر في صورة شبحية بينما نسمع موسيقى ناعمة حزينة شجية بأوتار آلات الكمان والشتيللو مع البيانو.
الكاتب يجلس على مقعد خشبي قماشي من مقاعد البحر بملابسه الكاملة البيضاء، يلهث شاحب الوجه.. يعاني من اشتداد نوبة المرض عليه.. لقد أصيب على ما يبدو بعدوى الكوليرا الذي انتشر في المدينة..
لقطة قريبة لوجه الكاتب.. العرق يتصبب على جبينه.. الحزن الشديد يكسو وجهه.. ثم ننتقل إلى الصبي وهو يتجه تدريجيا ويغوص في الماء بقدميه.. الموسيقى تصبح أكثر تراجيدية وعنفوانا.. آلات الكمان تطغى عليها..
الكاتب يشتد لهاثه وتقطع أنفاسه.. الصبغة السوداء تسيل على وجهه.. يتوقف الصبي، يتطلع إلى الوراء، إلى الرجل الذي يحتضر.. يشير بيده إلى الأمام. وكأنه ينادي الرجل أن يلحق به نحو الأفق المفتوح..
الكاتب في مقعده يحاول جاهدا النهوض بمشقة.. لكنه لا يقدر.
لقطة بعيدة من وجهة نظر الكاتب للفتى وهو يدخل أكثر في البحر ويتطلع خلفه.. الكاتب ينهار ويسقط ميتا على الشاطئ.
لقطة عامة بعيدة.. شاب يقترب من الكاتب وبمساعدة رجل آخر يحملاه ويتجهان به خارج الرمال، إلى الفندق. الموسيقى تصل إلى الكريشندو بآلات الكمان.. وينتهي الفيلم.

لماذا ليدو؟
انتقل المهرجان عدة مرات، إلى "فينيسيا سان ماركو" لكنه كان يعود دائما ليستقر على شاطئ جزيرة الليدو. ربما لأنها أكثر أمانا، وقدرة على توفير الحماية للضيوف الذين يؤمنون على حياتهم ومجوهراتهم بمئات الملايين من الدولارات. وربما لأن المكان أيضا مفتوح على البحر الكبير مع وجود قنوات صغيرة محدودة جدا، وأيضا لأن الليدو جزيرة فيها شوارع تستوعب السيارات والحافلات، وبالتالي فإن الحركة فيها يمكن أن تكون أسرع مما هي في أزقة وحواري فينيسيا الأخرى. وتظل هذه كلها بالطبع مجرد اجتهادات.
شخصيا أفضل مهرجان فينسيا كثيرا على مهرجان "كان"، رغم أن "كان" ربما يستقطب أفلاما أهم. لكن في فينيسيا أيضا كانت للمهرجان اكتشافاته لسينمائيين أصبحوا فيما بعد من العلامات الكبيرة في تاريخ السينما، فمن ينسى مثلا أن مهرجان فينيسيا هو الذي كشف عن الموهبة الهائلة عند أكيرا كيروساوا الياباني عام 1950 عند عرض فيلمه "راشومون" داخل المسابقة، وهو الفيلم الذي حصل على جائزة الاسد الذهبي، وكانت الجائزة مفتاحا لكيروساوا إلى أوروبا وأمريكا بل والعالم بأسره. وقد شهدت بنفسي بزوغ الموهبة الكبيرة للمخرج الصيني تشانج ييمو (يكتبه كثيرون زانج أو زانغ حسب موقع كل كاتب على خريطة العالم العربي) بفيلمه الكبير "ارفعوا المصابيح الحمراء" Raise the Red Lantern الذي عرض في دورة 1991، أو فيلم "اللعبة الباكية" (1992) The Crying Game للمخرج البريطاني نيل جوردان الذي عرض خارج المسابقة في تلك السنة إلا أنه ذهب بعد ذلك لكي يحصل على 18 جائزة عالمية بينها أوسكار أحسن سيناريو، وبافتا لأحسن فيلم.

بعيدا عن الزحام المجنون
في مهرجان فينيسيا، يتنفس المرء هواء نقيا حقا لأن الأحداث الرئيسية للمهرجان تتركز في بقعة شديدة الجمال تطل على البحر الادرياتيكي المفتوح، بعيدا عن زحام السياح في فينيسيا سان ماركو، وبعيدا عن الزحام المجنون على شاطئ الكروازيت في "كان". وهذا سبب آخر للتمسك بالليدو. وهناك يمكن لنقاد وهواة سينما مثلي، أن يتمكنوا من الدخول إلى قاعات العروض المخصصة للنقاد والصحفيين بدون كل ذلك الهوس والتزاحم والانتظار الطويل في الطوابير كما يحدث في "كان" حسب النظام الطبقي السخيف المطبق هناك. ففي "كان" يصنفون النقاد إلى طبقات، ويمنحون بطاقات ملونة تشير إلى الطبقة التي ينتمي إليها كل منهم (هناك بطاقات ملونة أيضا في فينيسيا لكن بدرجة اخف وأقل عددا ولأسباب منطقية وليست تكريمية فارغة)، فنقاد كان الذي يترددون بانتظام منذ عشرين عاما بدون انقطاع مثلا يحصلون على البطاقة البيضاء (كارت بلانش) التي تتيح لهم الدخول في كل القاعات وفي أي وقت، أما نقاد البطاقة الحمراء بنجمة صفراء فلهم تقريبا نفس الحق فيما عدا أن عليهم انتظار دخول السادة من الطبقة البيضاء أولا. ثم يأتي دور حاملي البطاقة الحمراء بدون نجمة للصحافة اليومية الذين يذهبون أحيانا وينقطعون أحيانا أخرى مثلما في حالتي أنا الذي لا ولاء أبديا عندي لكان خصوصا مع انتشار التقاليع والخزعبلات العربية، ثم يأتي دور البطاقة الزرقاء (للصحافة الأسبوعية والشهرية) ثم الصفراء التي لا أعرف لمن.. ربما لطلاب المعاهد السينمائية. زميل لنا قال ذات مرة مازحا: إنها مخصصة للذين يتعين عليهم الوقوف أمام بوابات الخروج في انتظار أن يروي لهم الخارجون قصة الفيلم.
في "كان" هناك هوس حقيقي يدفع الصحفيين، وهم بالآلاف، إلى المرابطة أمام قاعة عروض الصحافة المسماة دي بوسيي على إسم موسيقار فرنسي شهير (وهي قاعة صغيرة ورديئة ومتخلفة لم يدخلها تغيير منذ سنوات طويلة، ولم يعد يصلح لها أي تحديث بسبب تكوينها المعماري البشع، فعرضها أكبر من طولها، ولها زاوية منحنية بطريقة تجعل المشاهدة غير مريحة، فضلا عن سقفها المحلق فوق رأسك مباشرة والذي هو أرضية الطابق العلوي، مما يسبب لك الاختناق.
يتعين عليك الوقوف من 30 إلى 60 دقيقة قبل بدء العرض لكي تضمن لك مكانا في الداخل.. ويتعين عليك بالطبع أن تننتظر دورد في السلم الطبقي الذي لا أساس له في أحيان كثيرة إلا أن تكون من الكاتبين بالفرنسية، فلك بالطبع الأفضلية حتى ولو كانت علاقتك بالمهرجان قريبة لم تبدأ سوى منذ سنتين أو ثلاث.

فيلليني مع زوجته جوليتا مازيني عندما عرض "لاسترادا" في المهرجان
اللهاث وراء النجوم
عموما المناخ العام في فينسيا أفضل كثيرا.. البشر أهدأ.. الطابع الفني للمهرجان يغلب على الطابع التجاري والتسويق والاستعراضات التافهة وحفلات الكوكتيل البازخة التي أصبح حتى العرب من "محدثي السينما" ينفقون عليها الملايين، من أجل الدعاية لحلاوة وجمال مهرجاناتهم التي أصبحت حاليا "موضة" يتنافسون على اقتنائها، بعد أن كنا نكافح من أجل إقناع مطبوعاتهم العديدة بتخصيص مساحة ولو محدودة للكتابة الجادة في النقد السينمائي، وكانوا وربما مازالوا، يفضلون الكتابة عن أخبار النجوم والمقالات المسلوقة مع الممثلين والممثلات. وشخصيا أعرف صحفيا من أولئك الذين كانوا يترددون على المهرجانات السينمائية الدولية كثيرا، كان يترجم مقابلات مع النجوم وينتهز أي فرصة لالتقاط صورة له مع هذا النجم أم تلك النجمة، ثم ينشر المقابلة المترجمة على اعتبار أنه انتزعها انتزاعا من بين أنياب الأسد، ناسيا أننا نعرف أن كبارالنجوم يستقبلون الصحفيين عادة في افواج، أي كمجموعة مكونة من 9 أو 10 صحفيين، لا يسمح للواحد منهم بتوجيه أكثر من سؤال أو سؤالين على الأكثر!
سأتوقف الآن.. لن أتكلم عن الأفلام المعروضة في الدورة الخامسة والستين للمهرجان وهي كثيرة ومتنوعة، ولكن التغطية اليومية للمهرجان بأحداثه وأفلامه ستتبدأ في الظهور تباعا في موقع بي بي سي على الأقل اعتبارا من الأربعاء.

صورة شخصية في فينيسيا 1996

1 comments:

غير معرف يقول...

مقال به الكثير من الحميمية عن مهرجان سينما حقيقي وليس مزيف...
أرجو من الأستاذ أمير أن يمتعنا أكثر بمقالات عن ذكرياته في تلك المهرجانات وعن الزملاء العرب فيها وماذا كانوا يفعلون؟؟

جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بإعادة النشر إلا بعد الحصول على إذن خاص من ناشر المدونة - أمير العمري 2017- 2008
للاتصال بريد الكتروني:
amarcord222@gmail.com